هذه الحلقة تركز على ما ورد في الفصلين الخامس والسادس من الكتاب بشأن الصراع بين حرية الإبداع الأدبي وبين سطوة الرقابة الحكومية، وتعرض للمجادلات القانونية التي دارت من أجل رفع مصادرة الرقيب في مصلحة البريد الاتحادية الأميركية لرواية لورنس الشهيرة بعنوان «عشيق الليدي تشارلي» على أساس أن الأهم ليس الإفراج عن عمل أدبي يرى فيه البعض مخالفة لقيم أخلاقية، ولكن على أساس إعمال مبدأ حرية التعبير وانطلاقة الإبداع بعيدا عن سيف الرقابة الحكومي وبدليل أن هذه الحرية أباحت للقراء العاديين الإطلاع على أعمال سياسية كانت خاضعة للمصادرة مثل «دكتور زيفاجو» وأعمال طليعية مثل مسرحية «في انتظار جودو».

بدايات عام 1959 جاءت لتشهد تغييرا جذريا.. إن لم نقل ثوريا في دنيا الأدب والإبداع الفني في أميركا وربما على مستوى العالم بشكل عام. جاء هذا التغيير في غمار احتدام الصراع الذي ينشأ في كل حقبة زمنية بين جيل محافظ ومخضرم وجيل شاب يتطلع إلى الجديد وينعي على الجيل الأقدم تمسكه بأعراف أو تقاليد تجاوزتها حقب التطور، باعتبار أن التطور أو التبدل هما سنن الحياة فوق الأرض ومن خلالهما ترتقي حياة الإنسان إلى مستويات أفضل وأكثر طموحا.

لهذا يتوقف مؤلفنا، مع الفصلين الخامس والسادس، عند ظاهرة الصراع المحتدم بين فريقين أحدهما يبدع العمل الفني ويطمح إلى أن ينشره على الناس.. وفريق آخر يرى في الأعمال الفنية والإبداعات الأدبية ما قد يسئ ؟ من وجهة نظره ؟ إلى أعراف المجتمع أو يخدش الحياء العام. وإذا كنا في زماننا الراهن نتعامل مع أعمال فنية مثل مسرحية «في انتظار جودو» التي كتبها صمويل بيكيت ؟ بمنطق البديهية وبمعنى انها أصبحت جزء لا يتجزأ من «ريبرتوار» أو سجل المسرح العالمي المعاصر..

وبمعنى أنها أضحت عنصرا من عناصر التكوين الوجداني أو حتى المعرفي لمثقفي عصرنا ؟ فإن الجيل الذي عاش قبل 50 سنة من تاريخنا لم يكن قد توصل إلى هذا الإجماع أو شبه الإجماع على مثل هذه الأعمال الفنية.. بل كانت هناك عناصر طليعية تشجعها وتناضل من أجل نشرها وأدائها.. فيما شهدت المرحلة - عام 1959 بالذات - عناصر أخرى كانت ترفضها وتحاربها وتزري بها وتعمل جاهدة على مصادرتها وإبقائها موؤدة وحبيسة الأدراج.

حدث في مارس

هذا النمط الدينامي، والصحّي في تصورنا من صراعات الماضي.. الحاضر والمستقبل يعرضه كتابنا في فصليه الخامس والسادس. حيث تتوقف السطور عند شهر مارس 1959 على وجه الخصوص. والذي حدث بالتحديد في يوم 17 مارس عام 59 أن نشرت مجلة صادرة في مدينة شيكاغو مقتطفات أولية من رواية طليعية كتبها ويليام بوروز بعنوان غريب هو: الغداء العاري.

35 صفحة فقط لا غير من الرواية الجديدة أقامت دنيا الرقابة، حتى في أميركا وأقعدتها لدرجة أن شهد اليوم التالي 18 مارس مباشرة، صدور قرار عن مدير مصلحة البريد بالولايات المتحدة بمصادرة جميع نسخ المجلة الأدبية المذكورة التي كانت قد أرسلت عبر البريد الفيدرالي إلى المكتبات والى بيوت وعناوين المشتركين. وجاء مبرر قرار المصادرة في عبارة تردد إيقاعها المنذر في الأسماع وهي: «صودرت المجلة لأنها نشرت مواد إباحية». ورغم أن وصمة الإباحية كانت، ولعلها مازالت، كفيلة بحجب أي مواد من هذا القبيل عن جماهير المتلقين إلا أن السيرة الشخصية للمؤلف كانت كفيلة بحد ذاتها بأن تحول بينه وبين تلك الجماهير.

لماذا؟ لأن ويليام بوروز، المذكور أعلاه.. كان رجلا غريب الأطوار إلى حد مهلك ورهيب: قبل عشر سنوات من صدور روايته- كان قد غادر مسقط رأسه في نيويورك.. ونزح جنوبا إلى حيث أقام في المكسيك الجارة الجنوبية والفقيرة أيضا للولايات المتحدة.. كان ذلك في عام ,1949. بعدها انغمس هو وزوجته «جوان» في حمأة حياة من اللهو والعبث والشراب المحرم والمخدرات. ذات يوم من عام ,1951. شاركته «جوان» في احتساء كؤوس مترعة بالكحوليات لدرجة أن ذهل كل منهما عن العالم المحيط بهما.. وبعدها انتابتهما حالة من المغامرة بل المقامرة بكل شيء..

وسط هذه الحالة من المجون المخيف بدأ الزوج يتفاخر ثملا بمهارته في التصويب.. وما كان من الزوجة الغارقة في حمأة الشراب سوى أن تحدّته قائلة: هل تذكر الحكاية السويسرية الشهيرة عن «ويليام تل» الذي تحداه الأعداء أن يصوب سهامه نحو ولده الصغير، ثم وضعوا فوق رأس الصبي تفاحة.. واستطاع ويليام تل أن يرشق السهم في التفاحة وأنقذ بهذه المهارة الفائقة حياة الصغير. هنالك بادرها الزوج بأنه أمهر تصويبا حتى من «ويليام تل» ذاته. ما كان من الزوجة إلا أن ناولته مسدسا ثم وضعت على رأسها زجاجة فارغة وتحدّته أن يطلق رصاصة على الزجاجة.

وبالفعل ضغط الأديب ويليام بوروز على زناد المسدس.. وانطلقت الرصاصة فلم تصب الزجاجة بسوء.. وإنما لقيت الزوجة مصرعها في الحال! طبعا قدموه إلى المحاكمة. وعندما رأت المحكمة المكسيكية أن أديبا أميركيا ارتكب هذا الفعل.. أصدرت حكمها على أساس أن السيد بوروز مدان بتهمة الطيش الجنائي لا أكثر ولا أقل.. ومن ثم حكمت عليه بالسجن.. 13 يوما(!) عاد بعدها إلى أميركا إنسانا محطما ليكتب رواياته المغرقة في تصوير، بل تفضيح، سوءات النفس البشرية.

حكاية عشيق الليدي

ورغم أن هذه الكتابات لم تكن لترقى إلى المستوى اللائق بالأعمال الأدبية المحترمة، إلا أن قرارات مصادرتها ومن جانب سلطة حكومية يُعتد بها ويخشى بأسها.. جاءت لتثير قضية الصراع بين سطوة الرقيب وحرية التعبير.. فما بالك وقد شهدت نفس الفترة من شهر مارس 1959 خطوة أهم وربما أكثر جسارة لأنها تعلقت بعمل أدبي له قيمته الفنية وكان قد أصدره أديب بريطاني كبير له مكانته بين كُتّاب أواخر عصر الرواية الفيكتورية في انجلترا.. وهي حقبة الإبداع الأدبي التي شكلت الجسر الزماني الواصل بين أواخر القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين. أما الأديب هو الروائي ديفيد هربرت لورنس (1884-1930).

روايته المختلف عليها حملت اسمها الشهير التالي: عشيق الليدي تشارلي. عندما صدرت هذه الرواية عام 1928 بكل مشاهدها الصريحة بل الجارحة أحيانا من حيث التعرض للعلاقات الحميمة بين الرجل والمرأة.. تعرضت لقرارات تجمع بين الرفض.. الإدانة.. المصادرة.. وأحيانا إصدارها وقد خضع نصها وفصولها إلى عمليات شتى من الحذف والاستبعاد والتعديل والابتسار. وعندما حل يوم 17 مارس سنة 59 تَوجّه الناشر الأميركي «بارني روسيت» إلى أحد المحامين يكلفه بالمضي في الإجراءات القانونية اللازمة لنشر رواية «الليدي تشارلي» وقال للمحامي بالحرف الواحد: «أريدك أن تدافع عني في حالة ما أقدم مسؤولو الحكومة الاتحادية على مصادرة نُسخ الرواية وإلقاء القبض على العبد لله».

ويعلق مؤلف كتابنا على هذه النقطة (ص43) قائلا: كان د.ه. لورنس قد كتب ثلاث نسخ أو صيغ أو طبعات من روايته في أواخر عقد العشرينات ولكن الصيغة الثالثة لم تجد طريقها قط للنشر لا في أميركا ولا في موطنه بانجلترا. والحق أن كانت هي النسخة أو الصيغة الأوفى من الرواية الحافلة بالمشاهد الساخنة كما قد نسميها.. لذلك كانت الرواية مدرجة باستمرار على قائمة الكتب الخاضعة رسميا للمصادرة فور العثور عليها، سواء كانت مرسلة عبر البريد من الخارج أو كانت مودعة في قعر حقيبة مسافر يعبر الجمارك إلى داخل إقليم الولايات المتحدة. كان الناشر «روسيت» يريد أن يغيّر هذا كله.

وكان بحكم نشأته من أبوين ينتميان إلى حركة المقاومة الأيرلندية انسانا متمردا على سكون الأوضاع.. ومطالبا بأن تتاح حرية الحكم على الأشياء للبشر من موقع الثقة في عقلية المواطن الحر الرشيد بعيدا عن أشكال الحجر أو الوصاية.

في انتظار جودو

بدأ روسيت نشاطه بنشر أجزاء من المؤلفات الرائدة للروائي الأمريكي الأشهر هنري جيمس (1843-1916).. بعدها قرأ في جريدة نيويورك تايمز عن مسرحية تنتمي إلى فصيل أدبي طليعي حمل من يومها اسم «مسرح العبث» وكان عنوانها: «في انتظار جودو». حصل الناشر على نسخة بالفرنسية من المسرحية ثم شد رحاله إلى باريس كي يجتمع إلى مؤلفها صمويل بيكيت، واتفقا على نشر المسرحية الطليعية في أمريكا. وكان مقدم الاتفاق هو مبلغ 200 دولار(!) مقابل الحصول على حقوق نشر المسرحية بالإنجليزية.

عاد الناشر إلى نيويورك ونجح في إصدار المسرحية بعيدا عن سطوة الرقباء وبدورها حققت المسرحية نجاحا فنيا وماليا واسع النطاق. هذا النجاح في «تمرير» عمل مسرحي مثير للأفكار ويمكن أن يحوز معارضة من جانب العناصر المحافظة في المجتمع.. حتى في الغرب، كان بمثابة التمهيد التدريجي والمنطقي أمام الدعوى التي رفعها الناشر «روسيت» للاعتراض على إخضاع رواية لورنس التي ألمحنا إليها لسلطة الرقابة والمنع والمصادرة.

في هذا السياق يعرض كتابنا لتفاصيل الإجراءات القضائية التي قطعها سير الدعوى المرفوعة ولمرافعات المحامين التي دفعت أساسا بضرورة الثقة في نضج الناس ورشد القارئين، وعلى أساس أن طريق المنع أو الوصاية أو المصادرة له بداية ولكنه ليس له نهاية، اللهم إلا التضييق على حرية الفكر وانطلاقة الإبداع.. فضلا عن أن الباب مفتوح بداهة للرد على الأعمال الصادرة ونقدها وتفنيدها بل ودحضها إن لزم الأمر.. على أن يكون المضمار هو كتاب مقابل كتاب.. وفِكْر في مواجهة فِكْر وليس في مواجهة سيف السلطة ولا صولجان الدولة. هنا يتوقف المؤلف مع خواتيم الفصل السادس عند يوم بعينه من أيام 1959 العام الذي تدور على محاوره مقولات هذا الكتاب، وهو يوم الحادي والعشرون من يوليو.

كلمة القضاء

في ذلك اليوم، جلس القاضي بريان على منصّة المحكمة الاتحادية في ضاحية مانهاتن من أعمال نيويورك وأصدر حكمه على الوجه التالي: «على مصلحة البريد الفيدرالية أن ترفع قرارات الحظر والمصادرة، وأن تلغي أي قيود تكون قد فرضتها على النسخ المرسلة بريديا من رواية «عشيق الليدي تشارلي». ويعلق مؤلفنا مرة أخرى قائلا» بعد ذلك لم تعد مصلحة البريد الاتحادية في طول الولايات المتحدة وعرضها تمتلك أي سلطة تعلن بموجبها أن هذا العمل الأدبي أو ذلك الإنتاج الفكري مرفوض بدعوى أنه مبتذل أو شائن أو مخالف للأعراف ومن ثم فلا ولاية لها تخولها مصادرة العمل ولا توقيف ناشريه».

صحيح أن ارتفعت أصوات شتى، في أميركا وخارجها تنتقد هذه الأحكام على أساس أنها تنافي التمسك بالقيم الأخلاقية وأنها تفسح المجال أمام تجاوزات الأدباء والفنانين حدود اللياقة والحشمة والأخلاق.. لكن الرياح كانت تهب في اتجاه مغاير على نحو ما يوضح مؤلف كتابنا: كانت سنة 1959 تشهد بداية تغيير جذري في تقييم الثقافة ومنتجاتها ومبدعيها.. وفي صيف العام المذكور تصدرت رواية لورنس إياها قائمة أكثر الكتب الأدبية مبيعا ورواجا على نحو ما نشرته جريدة «نيويورك تايمز» وباع منها الناشر روسيت 110 ألف نسخة.. وعندما أعيد إصدارها في طبعة شعبية باعت أيضا مليوني نسخة وهو رقم هائل بمقياس خمسين عاما مضت من عمر زماننا المعاصر.

سوء أدب

يحترس المؤلف حين يقول موضحا ما يلي: رغم أن هناك من دمغ كتاب «عشيق الليدي» بسوء الأدب.. إلا أن الفرد العادي في أميركا رجلا كان أو امرأة كان يرى في الأساس أن لا يجوز لموظفين للحكومة أن يسيطروا أو يفرضوا الرقابة على ما يقرأ الناس. وربما كان الناس على حق.. فقد أفسحت هذه الحرية المجال لنشر أعمال كان مهما الإطلاع عليها وفي مقدمتها رواية الأديب الروسي باسترناك بعنوان: «الدكتور زيفاجو» وهي عمل إبداعي سياسي في الأساس أخضعه الكرملين الشيوعي للمصادرة في تلك الفترة. و.. هذا ما كان من أمر الأدب بين أهل الإبداع وبين أهل الحكومة منذ ربيع عام

الصفحات: 332

الكتاب: 1959 : السنة التي غيّرت العالم

تأليف: فرد كابلان

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: جون ويلي، نيوجيرسي، 2009