ربما يتصور الكثيرون أن عنوانا مختصرا من هذا النوع، لا بد أن يتناول موضوعا مطروقا وربما مملا، ولن يأتي بجديد. في الحقيقة، إن هذا العنوان ناقص جدا، فهو يطرح موضوع أزمة متكررة، وربما تسير بشكل دائري في التاريخ أو على شكل موجات عارمة.

والمقصود بالعولمة هنا هي العولمة الرأسمالية، وليس كل الرأسمالية، وإنما العولمة الرأسمالية الغربية، في مساحة تاريخية تمتد منذ بداية القرن الثامن عشر (بعد الحقبة المشتركة) وحتى أكتوبر2009. فهناك رأسماليات، أو حقب تسيدت فيها رأسماليات أو نظم رأسمالية غير غربية العالم المتحضر، عندما لم يكن الغرب متحضرا.

وحتى أكون دقيقا في الكلام عن العولمة، لا بد أن أحدد ما اقصده بمصطلح العولمة: فقد كثر الحديث عنه والخوض فيه حتى أصبح مثارا للارتباك. نحن هنا نفهم العولمة من حيث هي حقيقة مؤسسية، نتاج عملية تاريخية طويلة، يمكن اعتبارها نظاما للعالم (كما يفهمه بروديل وولرشتاين)، وليس مجرد أنماط تبادل تجاري، أو أساليب للتدفق في السلع والخدمات عبر العالم، أو الغزو الخارجي، أو الحرب عبر القارات. العولمة كما نفهمها هي عمليات أو سيرورات تربط المجتمعات الإنسانية ببعضها البعض، ليس بشكل خطي، وإنما بشكل دائري، على شكل موجات. من أمثلة على ذلك: موجات التحضر، وموجات التطور التكنولوجي، وأساليب تمرير الميراث الحضاري عبر التاريخ، وموجات الهجرة البشرية والتهجير.

سمات العولمة

لكل مرحلة تاريخية من المراحل التي مرت بها العولمة، سمات خاصة بها تميزها عن غيرها. في المرحلة الحالية هناك بدون شك سمات واضحة المعالم: (أ) انضغاط الزمان والمكان بسبب التقانة ووسائل التواصل الجمعي والرقمي بشكل غير مسبوق، (ب) أصبح تأثير العولمة يتجاوز ما هو مجتمعي إلى المستوى الفردي: الفرد ـ الإنسان، (ج) غدت العلاقات الاجتماعية أكثر تشابكا ـ شبكية (Networked) وأكثر ارتباطا بالكيانات والنظم السياسية على مستوى العالم.

نادرا ما نجد أن الذين يتعرضون لهذه السمات لا يتعرضون لها مجتمعة. البعض ما زال في طور الانبهار من هذه السمات التي يجرى الكلام عنها بشكل احتفالي، والبعض الآخر يتناول شبكية العلاقات الاجتماعية على حده. وآخرون يربطون العولمة بالحرية بأشكالها المختلفة: حرية اقتصادية واقتصاد السوق، وحرية سياسية في نظم ليبرالية، أو التعددية الحضارية والدينية.

لنأخذ مثلا أهمية النظر لهذه السمات مجتمعة ولنسأل: ما هو تأثير الغسالة الكهربائية والنشافة والثلاجة (البراد) والخلاط على تحرير المرأة من العمل المنزلي، وانطلاقها إلى العمل المنتج خارج المنزل؟ ما هو تأثير الراديو والتلفزيون وأشكال الإنتاج الثقافي غير المادي على نشر الأيديولوجيا الغربية المسيطرة، مثل القومية والاشتراكية والعنصرية أو التعصب الديني؟

فإذا تأملنا في هذه السمات والظواهر، يمكن أن نجد مثيلاتها في المجتمعات التاريخية: فالحرف كانت تنتج أدوات لتخفيف عبء العمل المنزلي، ووسائل التواصل كانت موجودة بدرجات متقدمة: كما في انتشار الدعاة للملل والنحل في الإسلام، أو انتشار الإسلام في آسيا وإفريقيا من خلال عمل الدعاة الدؤوب. لقد رافقت الفتح الإسلامي حركة هجرة وتهجير واسعة النطاق، ولكننا نادرا ما ندرك أنها كلها عوامل متداخلة تؤثر في العولمة.

صراع تاريخي

ليس هذا فقط. فهذه السمات والظواهر ليست بريئة تعمل في فراغ، وإنما هي، كما ذكرنا، مرتبطة ارتباطا وثيقا بالكيانات السياسية والقوى المهيمنة على مقدرات الشعوب. فهي لا تعمل بمفردها أو بدون إرادة إنسانية، وإنما تخدم مصالح هذه القوى المهيمنة. هذا هو منطق الصراع التاريخي، وليس مقصورا على العولمة الرأسمالية.

نيل فيرغسون في كتابه عن الإمبراطورية يتكلم عن الغرب، وتمثله الإمبراطورية البريطانية، من حيث كون الغرب يمثل القوى الدافعة إلى الحداثة على مستوى العالم، فأغلب المؤثرات أو السمات التي تكلمنا عنها حتى الآن جاءتنا من الغرب. بينما هاردت ونغري يفكران بطريقة مختلفة، من حيث أن الغرب كونه المستفيد الأول، يستغل عدم تكافؤ توزيع القوة في المجتمع الدولي المعولم، ما يتيح للغرب تكديس فائض العمل على مستوى العالم لمصلحته.

وأنا أجد أن الربط المفتعل والمبتسر بين العولمة من جهة والحداثة والديمقراطية والعلمانية من جهة أخرى، تشويه لحقائق التاريخ وتغليب لايدولوجيا غربية متحيزة. فكل حضارة من الحضارات لها أطوار تهيمن عليها قوالب فكرية وأذواق ثقافية، وتمر بتحولات تتبع خطا دائريا أو على شكل موجات عارمة. بتريم سوروكن حاول أن يرصد أربعة من هذه القوالب أو الأنماط، في موسوعته عن الديناميات الاجتماعية الحضارية على مدى ثلاثة آلاف سنة.

وقام راندل كولينز بمحاولة رائعة في كتابه «نظرية العولمة الثقافية» عن التغير الثقافي منذ أيام اليونان حتى مرحلة ما بعد الاستعمار. وفي ثقافتنا العربية، في دراسة رائدة تطرق محيي الدين اللاذقاني إلى أدب الجاحظ والتوحيدي والمتنبي، باعتبارهم يمثلون تيار الحداثة في مرحلة الازدهار العربي. وليس هناك من هو أكثر حداثة من عبد الرحمن ابن خلدون، ولا جرأة من ابن رشد.

ربط مفتعل

وهذا الربط المفتعل ـ المبتسر بين العولمة الغربية والحداثة والديمقراطية والعلمانية، يهدف إلى السعي لخلق عالم منضبط بما يتناسب ومصالحه، وكأن لسان حال الغرب يقول: لقد استولينا بالاستعمار على أبدانهم، ونريد الآن أن نستولي على عقولهم ـ أذهانهم (هذا التعبير مقتبس من كتاب «تحديث مصر»).

فالغرب يفهم الديمقراطية على أنها النمط المقبول للسلوك السياسي على مستوى العالم، حسب فهم الغرب له. كلنا ديمقراطيون الآن! وهذا الفهم ينطوي على اختيار مقصود لنمط أيديولوجي ليس له تاريخ طويل، لا في الغرب، ولا في أي مكان في العالم. ولا يتجاوز تاريخ التجربة الديمقراطية المعولمة أكثر من نصف الأخير من القرن العشرين ـ القرن المليء ببطش النظم والأفكار التسلطية البربرية ـ وليس هناك بربرية توازي بربرية النازية والاستعمار والحروب المعولمة المؤدلجة، وهي المنتجات الثقافية الغربية القابلة للتصدير إلى مجتمعات العالم.

وحتى نثبت خطأ الرأي القائل بأن الديمقراطية والعولمة صنوان، نرد على الاعتذارين للفكر الغربي الذين يدّعون أن الديمقراطية الغربية هي أفضل الأنظمة السيئة، بأننا لا نملك إثباتا لهذا الادعاء ما لم يكن هذا الفرض مسلمة نهائية. يصور الغرب الديمقراطية على أنها وليدة العولمة، وبالتالي فإن العالم كله يتحول إلى الديمقراطي (Transition to Democracy)، وتعقد المؤتمرات والندوات حول أنماط هذا التحول (مثال: مؤتمر العلوم السياسية الأخير في تشيلي الصيف الماضي الذي حضره 4 آلاف عالم سياسة)، دون أن يكون هناك احتمال لأن تتحول النظم الديمقراطية إلى التسلطية.

هذا الاحتمال هو أحد أهم الشروط التي يجب أن تتوافر في النظرية العلمية (المنهج العلمي الذي يتضمن احتمال إثبات الفرضية أو أثبات عكسها) (Tilly). وهناك كثير من الدول في العالم المعاصر يتحول من الانفتاح النسبي إلى التسلطية: تسلطية القبائل والطوائف والجماعات الدينية المهيمنة، وعودة الاستعمار بأشكال جديدة، كالتدخل أو إمبريالية التدخل الإنساني.

تهجين الفكر

«نريد أن نستولي على عقولهم، بعد أن استولينا على أبدانهم»، هذا هو في تقديري شعار المرحلة الحالية، التي بدأت بعد انهيار عصر النهضة الحديث في القرن العشرين، في المشرق العربي. إن عملية الاستيلاء على العقول عملية معقدة، وتسعى بشكل أساسي إلى عملية إخضاع ثقافي على المدى الطويل، للقضاء على أية إمكانية للمقاومة ـ لمقاومة الهيمنة الغربية. إحدى أهم الأدوات التي تستعمل في عملية الإخضاع هي اللجوء إلى الفكر الهجين Hybrid، والفكر الهجين ليس فكرا أصيلا، وإنما هو فكر توفيقي ـ تلفيقي تحدث عنه محمد جابر الأنصاري، ولكن دون أن يضعه في السياق الذي أقترحه هنا.

وأعتقد أن إحدى أنجح الطرق لمقاومة هذا الفكر الهجين هي «الجمع بين الأحسنين»؛ فكر ما بعد مرحلة الاستعمار، وأن نحول فكر الجهاد، إذ كان المقصود به مقاومة الهيمنة الغربية السياسية والفكرية، إلى فكر التحرير ـ التحرر من الاستعمار الجديد.

«نريد أن نستولي على عقولهم، بعد أن استولينا على أبدانهم». إننا إذن في معمعة دورة تسلطية جديدة، وليس التحول إلى الديمقراطية: تسلطية القبائل والطوائف والجماعات الدينية، تسلطية الرقابة المقيتة للدولة التسلطية القومية ـ القطرية، في أزمتها المستفحلة المتمثلة في المخاض العسير للاندماج الوطني. هنا تقوم العولمة من حيث هي ظاهرة تاريخية، بإضعاف الأسس الثلاثة التي قام عليها نظام العالم الجديد (The New World Order). ومصدر الجدة هنا يعود إلى فعل قوى العولمة الرأسمالية المعاصرة.

هناك ثلاثة أسس قام عليها نظام العلاقات بين المجتمعات في العالم. الأساس الأول: نظام العلاقات بين الدول القومية ذات السيادة، وهو حجر الزاوية في العلاقات الدولية. والأساس الثاني، هو النظام الأبوي: النمط المهيمن على الكيان الأسري (العائلي). والأساس الثالث، هو العنصرية الثقافية المبنية على التمييز بين الأديان والمعتقدات.

و«الدولة القومية ذات السيادة» هي ابتكار تنظيمي أوروبي ـ غربي، لعب دورا أساسيا في ازدهار الرأسمالية الصناعية، وشكل أداة مثلى للحروب الإقليمية والعالمية (الاستعمارية)، وتحول بمرور الزمن إلى أداة لتمزيق المجتمع الدولي في مرحلة الاستعمار. وكون عملية تمزيق المجتمعات التقليدية وتوزيعها كغنائم قد تمخضت عن دول غير قادرة على الدفاع عن نفسها، فقد تطلبت حماية خارجية أو تنظيمات إقليمية أوسع، حتى تكون قادرة على العيش في أوضاع يسود فيها التنافس القومي على موارد العالم والعنف المسلح.

وأدركت الدول الغربية منذ البداية أن تكتلا إقليميا أصبح مطلوبا لضمان النجاح في المنافسة العالمية (العولمية) على الموارد، فخلقت تكتلا عسكريا باطشا هو حلف الناتو، ثم انضوت في تكتل اقتصادي واسع هو الاتحاد الأوروبي الذي توسع ليشمل 26 دولة حتى الآن.

الدول الفاشلة

أما دول العالم الثالث فقد تحولت إلى دول فاشلة تحكمها فوضى عالمية (أو فوضى منظمة!)، وأفرزت ظاهرة الدول الفاشلة. من الطبيعي أن يفشل مشروع الدول القومية ذات السيادة في العالم الثالث، لأنها قسمت بشكل اعتباطي عشوائي حسب نزوات الدول الاستعمارية. وأهم ما افتقرت إليه هذه الدول هو الاندماج الوطني: فهي دول مكونة من جماعات إثنية غير متجانسة، أو تكتلات قبلية ذات ولاءات مختلفة، أو أقليات دينية مضطهدة، أو الثلاثة مجتمعة، كما هي في حالة العراق الجديد.

ولذلك فإن فشل هذه الدول المسخ كان متوقعا: فهناك النزعات الانفصالية، والحروب الأهلية التي تؤدي إلى المجاعات، والمعاناة الإنسانية نتيجة النقص في الخدمات العامة الأساسية، وهي معاناة يومية وعسيرة.

ولكن انظروا إلى هذا المطب السياسي الذي وقعت فيه الدول الفاشلة، فهي إذ تحتفل بالاستقلال وتقيم الاحتفالات بالتحرير، تكتشف أنها غير قادرة على منع الدول الغربية من استباحة مواردها. فهي لا تستطيع أن تتكتل مع دول فاشلة أخرى، إما بسبب نقص الموارد أو تخلف فكر النخب السياسية الحاكمة. وهي تفتقر إلى تراث سياسي يشكل عماد الاندماج الوطني المطلوب، لأنها مجتمعات حديثة منتزعة من بيئة تاريخية مختلفة. فالدول الفاشلة، بسبب ضغوط قوى العولمة، تعيش في حلقة مفرغة تغذي الحكم التسلطي وليس الديمقراطية.

وقوى العولمة تضغط في اتجاه آخر جديد، وهو ميل معدل الخصوبة إلى الانخفاض في الغرب أولا، وفي العالم الثالث حاليا. وفي العالم الثالث، الانخفاض النسبي لحجم الأسرة، ودخول المرأة سوق العمل واستقلالها الاقتصادي، يضعف مكانة الأب في الأسرة وتقل هيبته (من هنا يأتي تعبير شيوخ الهيبة عند الكاتب الصحفي محمد عبد القادر الجاسم).

ولكن هيمنة التيارات الدينية ومقاومتها لأي تحرر نسبي للمرأة يشكل تهديدا نفسيا لهم، يبقي معدلات الخصوبة (الإنجاب) مرتفعة نسبيا (العامل الاقتصادي ـ مقابل العامل النفسي). وقد ثبت أيضا أن مفتاح الحداثة في المجتمعات الإنسانية، هو وجود العلاقة الصحية بين الرجل والمرأة (عقدة روميو وجولييت عند هانتنغتون).

إن استمرار معدلات الخصوبة في العالم الإسلامي مرتفعة، يدل على أن العامل الاقتصادي (جودة الحياة) له تأثير، ولكن هذا التأثير محدود قياسا بالمجتمعات الغربية. وهو بدوره يغذي عنصرية الغرب الثقافية ضد الإسلام كحضارة، وليس فقط كدين. بعض الكتاب الغربيين يعتقد أن المسلمين في المستقبل المنظور سيشكلون نسبة عالية من سكان أوروبا الغربية، والإسرائيليون يتخوفون من «القنبلة السكانية» التي يمثلها معدل خصوبة الفلسطينيين.

نحو انبثاق ثقافي

في عصر الحرب على الإرهاب، لا يقتصر التهديد القادم من العالم الإسلامي على المثقفين الغربيين فقط. فهذا رئيس أركان الجيش البريطاني في يونيو 2007، في محاضرة له في معهد الدراسات الإستراتيجية ISSI في لندن، يحذر الغرب من أنه يعيش تحت ظل شبح الإسلام الهائل (Under the Enormous shadow of Islam)، ويقول بأن الشبح على شكل هلال.

وهذا لا بد أن يدعونا إلى التفكير والتأمل: ما الذي يخيف الغرب هذا الخوف الشنيع، وأوضاع العالم الإسلامي بهذا التضعضع وهذا الوهن؟ هل لأن الحضارة الإسلامية قريبة جغرافيا من الغرب، أم لأن الوجود الإسلامي حول البحر المتوسط يمثل مانعا بشريا هو الذي يخيفهم؟ أم لأن الحضارة الإسلامية تملك مؤهلات غير موظفة تطرح بديلا لما يمثله الغرب من عنفوان؟ ومثلما الوهن يورث كذلك العنفوان.

لقد آن الأوان لإعادة التفكير في موروثنا الثقافي، وقد آن الأوان أن نتوقف عن التفكير في تراثنا بقوالب فكرية نمطية معلبة، وقد آن الأوان للتوقف عن اعتبار الغرب إطارا مرجعيا لأحكامنا ومعاييرنا (مثال هشام شرابي، عبد الله العروي وآخرين)، فلا الاستبداد الشرقي يصف لنا حالة مجتمعاتنا في الماضي، ولا الديمقراطية الغربية المعاصرة قادرة على بناء الحكم الرشيد. إننا أحوج ما نكون إلى مراجعة فكرية طالب بها من قبل العديد من مفكرينا وأدبائنا وعلمائنا.

فقد آن الأوان لإحداث قطيعة (Decoupling) تاريخية مع الغرب، وليس لإحداث قطيعة مع التراث التي يطالب بها من ينطلقون من منظور غربي. وهذه ليست دعوة إلى الانعزال، وإنما هي دعوة إلى الانبثاق الثقافي، للمساهمة في الحضارة الإنسانية من منطلقات جديدة مستمدة من قوانا الذاتية.