في عام 1955 أصدر كاتب من مصر العربية كتابا دقيقا من حيث الحجم، مختصرا من حيث العنوان ومستجدا من حيث عبارة الإهداء. حمل الكتاب عنوان: «الصين الشعبية» وكان كاتبه مثقفا مستنيرا، شابا في نضج الرجولة في ذلك الوقت اسمه محمد عودة..أما الإهداء فقد لخصته كلمات ثلاث هي: «الى أهل قريتي».
وكان ذلك أمرا غير مسبوق أو يكاد.. لقد صدر كتاب «الصين الشعبية» ـ كما أسلفنا ـ في منتصف عقد الخمسينات من القرن الماضي.. وكانت تلك هي الفترة التي تعودت أن تشهد إهداءات الكتب والدراسات التي يضعها مثقفو ذلك الزمان مهداة، سواء إلى الضباط الأحرار.. وهم قادة حركة ـ أو ثورة 23 يوليو التي لم يكد ينقضي من عمرها سوى ثلاث سنوات، أو مهداة إلى زعيم تلك الثورة جمال عبدالناصر، الذي كان نجمه قد بدأ يعلو لأسباب شتى.
أهل القرية.. لماذا؟
لماذا اختار محمد عودة أن يهدي كتابه إلى أهل قريته الصغيرة، شبه المجهولة الواقعة في منطقة أقرب إلى البداوة في شرقي دلتا نهر النيل؟
في تصورنا أن موضوع الكتاب هو الذي فرض هذا الاتجاه.. فقد آل الكاتب على نفسه وقتها أن يركز على دراسة ما كان يعتمل في أصقاع القارة الآسيوية من اتجاهات وتطورات ومتغيرات: بدأ بدراسة حركة الاستقلال في الهند، وخاصة في ظل زعامة جواهر لال نهرو عام 1947. وهي حركة أصيلة امتدت جذورها كما نعرف إلى مطالع القرن العشرين، مع دعوة الزعيم غاندي إلى المقاومة السلبية للاستعمار البريطاني.
وبعدها كان من المنطقي أن يتحول اهتمام الكاتب السياسي العربي إلى الصين التي شهدت أكبر تحولات ثورية.. أحدثت أهم تغييرات راديكالية ـ جذرية في بنية مجتمع الصين وفي توجهاته العقائدية والسلوكية، وفي موقعه بين شعوب عالم النصف الثاني من القرن الماضي.. وحمل هذا الزخم الشامل عنوانا ترددت أصداؤه في دوي هائل في أسماع ذلك الزمان. وتم هذا كله تحت عناوين متوالية.. بعضها كان مفاجئا كالصاعقة.. وبعضها كان داعيا إلى الدهشة الصادمة، وكلها كانت تدعو إلى الدرس والتأمل العميق واستقاء العبرة من تدفق تيار الأحداث.. ومن هذه العناوين ما يلي:
ـ ثورة الصين.. الأول من أكتوبر عام 1949.
ـ هزيمة الاحتلال الياباني للصين.. متزامنة مع هزيمة قوات شان كاي تشيك (وكانت مدعومة من أميركا والغرب) على يد قوات الحزب الشيوعي الصيني.
ـ نجاح الثورة الصينية الكبرى بقيادة زعيمها ماوتسي تونغ (1893- 1976).
ـ إعلان جمهورية الصين الشعبية متزامنا مع إعلان نجاح الثورة يوم 1 أكتوبر 1949.
بهذا تكون الصين الشعبية قد احتفلت بانقضاء رقم 60 عاما على تأسيسها مع اليوم الأول من الشهر الحالي.
رصد المتغيرات
ولهذا تابع مراقبو الشؤون العالمية والشأن الآسيوي ـ الصيني بالذات ـ وقائع وفعاليات تلك الاحتفالات. لا بمنطق المتعة أو الفرجة على العروض أو المهرجانات التي شهدتها العاصمة بيجين أو غيرها من حواضر الصين، ولكن بمنطق رصد المتغيرات واستيعاب المستجدات التي كان لابد وأن تطرأ على الحياة والسياسة والفكر والأيديولوجية في الصين، ومنها العرض العسكري الذي أقيم بهذه المناسبة وضم أسلحة غير مسبوقة.
نمو اقتصادي مرموق
وفيما يجوز القول أن هذه الضخامة يمكن أن ترجع إلى حقيقة ديموغرافية يجسدها بداهة ضخامة عدد السكان.. إلا أنه يجدر القول من باب التنبيه أن هذا الجيش الضخم يتفرد عن سواه بأنه يستند إلى واحد من أكبر الاقتصادات في عالم اليوم إن لم يكن متربعا على رأسها.. وبالذات من حيث دينامية تطوره.. سواء من خلال وصول نموه السنوي يوما إلى خانة العشرات (13-14 في المئة)، وكان ذلك معدلا غير مسبوق في حالات النمو الاقتصادي، أو من خلال إمكانية أن يحقق الاقتصاد الصيني معدلا سنويا يصل أو يكاد إلى 8 في المئة هذا العام رغم عقابيل الأزمة المالية (كثير من دول الغرب ـ في مجموعة العشرين المعروفة لن يتجاوز نموها نسبة واحد أو ربما اثنين في المئة).
ونبادر كي نضيف أن هذه النسبة الطموحة لمعدل النمو ليست تعللا بالأمنيات العذبة من جانب أصدقائنا في الصين، لكنها مسنودة أو مدعومة بدورها بفضل ما تحقق من نسبة مرموقة في الأشهر السابقة على الاحتفال الستيني، الذي ألمحنا إليه، باكتهال الثورة الصينية التي قادها ماوتسي تونغ.. حيث أنجز الاقتصاد عندهم، مع أشهر الربع الثاني من العام الحالي نسبة شارفت على رقم 8 في المئة المنشود (بالتحديد 9,7 في المئة).
عواصف وإنجازات
صحيح أن ثمة عقبات استجدت في أواخر الصيف من العام الراهن (يعني مع أشهر الربع الثالث) وخاصة من واقع أزمة العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، حيث فرضت إدارة الرئيس أوباما رسوما لا يستهان بها على صادرات الصين من إطارات (دواليب) السيارات بلغت نحوا من 40 في المئة، وكان ذلك قبيل الاحتفال بالعيد 60 للثورة والجمهورية الصينية بأربعة أيام فقط لا غير.
وصحيح أن الصين وجهت انتقادات شديدة إلى القرار الأميركي واتهمته بنزعة الحمائية التي تتعارض مع مبدأ حرية التبادل التي تسهر على إعمالها منظمة التجارة العالمية.
وصحيح أن بيجين لوّحت ـ على لسان الناطق باسم وزارة التجارة الصينية - أنها يمكن أن تتخذ قرارات المعاملة بالمثل ردا على الإجراء الأميركي.
لكن الأصح ـ كما نتصور ـ أن الصين لن تتخذ إجراءات عنيفة في هذا المضمار.
*أولا: لأن السوق الأميركي مازالت مفتوحة على اتساعها المكاني ونهمها الاستهلاكي أمام صادرات الصين.
*ثانيا لأن الصين تؤثر ـ كما يتراءى لنا ـ سياسة تقوم على التقارب.. التفاهم.. المسالمة ـ بل والمداراة عند اللزوم بدلا من سياسات المجابهة أو المصادمة.. خاصة وأن «الحال ماشي» مع بيجين.. التي لم تكتف بتمديد شبكة نشاطها الاقتصادي ـ التجاري عبر إقليمها الشرق ـ آسيوي.. ولا حتى على صعيد الفضاء الأفريقي القارّي، وخاصة في مناطق البترول.. ولكن هاهي الصين وقد نجحت في عبور المحيط الأطلسي لكي تنشئ وجودا، أو فلنقل موطئ قدم نراه غاية في الأهمية، لا من الناحية الاقتصادية أو التجارية وحسب، ولكن من المنطلق الاستراتيجي على وجه الخصوص.
وعندنا أن احتفالات الفاتح من أكتوبر قد ضمت بندا صينيا لم تسلط عليه الأضواء الكافية بعد، ويتمثل في دخول الصين إلى منطقة الحزام الجنوبي لأميركا الشمالية.. والولايات المتحدة بالذات.. متمثلا في فنزويلا ـ شافيز ـ التي عقدت معها بيجين اتفاقا لتوظيف استثمارات صينية في قطاع البترول الفنزويلي بمبلغ يصل إلى 16 مليار دولار على مدار السنوات الثلاث القادمة.
نحو الفضاء اللاتيني
وإذا كانت مثل هذه الاتفاقات تبدأ بين الجانبين بمجال البترول، وهو ميدان يدخل ضمن الصناعات الثقيلة التي تتطلب استثمارات طائلة وتقنية عالية متخصصة.. فنحن نتصور أن الصين تفتح بذلك بابا، بل أبوابا، لولوج مجالات أخرى من التعاون والتنويع الاقتصادي والعلاقات التجارية.. ربما تكون أيسر منالا وشروطا حتى من قطاع البترول، وخاصة في مجالات من قبيل الصناعات الاستهلاكية والخفيفة والوسيطة حيث يمكن أن تُعدّ العاصمة كاراكاس ومنطقة أورينوكو النفطية الفنزويلية مرتكزات لانطلاقة صينية إلى حيث الفضاء اللاتيني، القاري بدوره.
وهو ساحة أميركا الجنوبية التي تتميز عن أفريقيا بأنها تضم مواقع وقدرات وامكانات أفضل من حيث التطور العلمي والمستويات الثقافية والمعارف التقنية، فضلا عن مهاد سياسي قد يكون أكثر مواتاة للتوجهات الصينية العامة.. ممثلا في أنظمة تنحو نحو اليسار الشعبوي ما بين شافيز ـ فنزويلا أو موراليس ـ بوليفيا أو كاسترو ـ كوبا أو حتى دي سيلفا في البرازيل أو باتشيل في شيلي.
في كل حال فمازالت الصين تجذب أنظار عالمها.. والحق أن سبق لها أن جذبت هذه الأنظار بالسلب حين دفع الاستعمار الغربي بقطاعات من شعبها إلى هاوية المخدرات.. فيما كان يعرف بأنه آفة وحرب الأفيون منذ أواخر القرن التاسع عشر ثم جذبت أنظار المراقبين والمثقفين حين نجحت «مسيرتها الكبرى بقيادة زعيمها ماو ورفاقه إلى حيث إنشاء الدولة الجديدة في مثل هذه الأيام من 60 عاما».
من بين هؤلاء المراقبين كان كاتب من مصر، تابع نضالات شعب الصين، وغمس قلمه في مداد الإعجاب والتحليل، وربما الغيرة السياسية إزاء شعب آسيوي استطاع أن ينفض عن نفسه أوضار تراث بشع من القهر والاستغلال الإمبريالي.. إلى حيث بدأ خطواته على طريق جديد واعد.. وكان ذلك منذ 60 عاما من عمر الزمان.
محمد الخولي

