تواجه إسرائيل وضعا حرجا لم يسبق أن واجهته، في مرحلة من تاريخها. وذلك بفضل التقرير الذي أعده حول مجازر غزة المحقق الدولي ريتشارد غولدستون. فبعدما كانت بمثابة ابن مدلل للغرب، وتعتبر نفسها جزءا منه، وامتدادا له في الشرق الأوسط، باتت أكثر دولة (طبعا بعد إيران) يوجه الغرب (حكومات ومجتمعات ومنظمات مجتمع مدني) انتقاداته لها، بعد أن بات يرى فيها عبئا أخلاقيا وسياسيا وأمنيا عليه؛ بسبب سياسات العدوان والعنصرية والغطرسة التي تنتهجها في الشرق الأوسط، والتي تخلق تداعيات سلبية على الدول الغربية ومصالحها في المنطقة.

هكذا، وقفت إسرائيل في الأسابيع الماضية أمام واقع جديد. فثمة دول أوروبية رفضت التعامل مع وزير خارجيتها افيغدور ليبرمان، بسبب مواقفه العنصرية والمتطرفة، وثمة مقاطعة أكاديمية لجامعاتها، وقاطعت النقابات البريطانية مؤخرا البضائع المنتجة في مستوطناتها. كذلك ثمة أزمة في علاقات إسرائيل مع النرويج والدنمارك، وكذا مع السويد بسبب تحقيق صحافي اتهم إسرائيل بالمتاجرة بأعضاء الفلسطينيين. وها هي إسرائيل تقف، أيضا، في لجنة حقوق الإنسان الأممية بتهمة ارتكابها جرائم حرب إبان هجومها الوحشي الأخير على غزة.

كراهية عالمية

ويلخّص شالوم يروشالمي هذا الوضع على النحو التالي: «في حديث مع دبلوماسية بريطانية كبيرة الأسبوع الماضي اتضحت عدة أمور..كراهية إسرائيل في العالم هذه الأيام هي في مستويات جنونية.. «انتم تبصقون علينا جميعا»، قالت الدبلوماسية وتطرقت إلى مواصلة البناء في المستوطنات.. «دولتكم لا تطاق، عنصرية وتسلب الفلسطينيين أراضيهم في كل مكان..الاستيطان كله غير قانوني.» ..الحرب في غزة هي نقطة انعطاف. الصور من هناك شوّهت إسرائيل في نظر الشعوب.. رجال الأسرة الدولية يسمحون لأنفسهم باستخدام تعابير لم يتجرأوا على اتخاذها في الماضي..اليوم هم يتحدثون عن جرائم حرب..جرائم ضد الإنسانية.. تطهير عرقي في المستوطنات وفي البؤر الاستيطانية التي لا يخليها احد، عن واجب العالم لتقديم الوزراء في الدولة وضباط الجيش الإسرائيلي إلى المحاكمة.» (معاريف 5/ 10)

وفي الواقع فإن صورة إسرائيل (في الغرب) لم تعد، كما في السابق، تتأسّس على كونها واحة للديمقراطية والحداثة في «صحراء» الشرق الأوسط، إذ أن هذه الدعاية استهلكت وبدلاً منها ظهرت إسرائيل على حقيقتها باعتبارها دولة استعمارية وأصولية وعنصرية، خارجة عن القانون وتستخدم القوة للسيطرة على شعب اخر، وباعتبارها من عوامل التحريض على ما يسمى «صراع الحضارات»، وسببا من أسباب تأجّج المشاعر العدائية ضد الغرب، في هذه المنطقة الإستراتيجية من العالم.

وقد أسهمت أحداث الانتفاضة الأولى (انتفاضة أطفال الحجارة 19871993)، وقيام إسرائيل بشن هجمات عسكرية همجية على الفلسطينيين، ومحاصرتها لهم، منذ عام 2002، وصولا إلى الحرب التي شنتها مؤخرا على قطاع غزة، في تحقيق كل هذا التحول في الرأي العام الغربي.

ويجدر بنا هنا التذكير بنتائج استطلاع للرأي كانت نظمته المفوضية الأوروبية، قبل سنوات قليلة، وبيّن أن غالبية الأوروبيين يعتبرون إسرائيل خطرا على السلام العالمي (هولندا 74 بالمئة، ألمانيا 65 بالمئة، بريطانيا 60 بالمئة، فرنسا 55 بالمئة)؛ والأهم أن إسرائيل في هذا الاستطلاع تقدمت على إيران وكوريا الشمالية والولايات المتحدة وأفغانستان، في تهديد السلام العالمي.

توتر وعجرفة

وبرغم أن إسرائيل تعتبر نفسها مدينة لأوروبا في نشوئها واستقرارها إلا أن ردة فعلها، على التحولات الأوروبية هذه، اتسمت بالتوتر والعجرفة ونكران الجميل، فهي: أولاً، رفضت أي دور سياسي لأوروبا في عملية التسوية وفي مجمل الترتيبات الإقليمية الشرق أوسطية؛ وثانيا، عملت على تسعير الخلافات الأوروبية ـ الأميركية لاسيما المتعلقة بشؤون المنطقة العربية؛ وثالثا، تعمدت اتهام الأوساط الأوروبية المعارضة لها باللاسامية، لمجرد أن هذه الأوساط عارضت السياسات التي تنتهجها ضد الفلسطينيين، والقائمة على الاحتلال والعنصرية والإرهاب؛ وهو ماجرى مؤخرا في الأزمة التي اشتعلت بينها وبين كل من السويد والنرويج.

أيضا، وفي الولايات المتحدة ذاتها باتت إسرائيل تجد نفسها في مواجهة انتقادات حادة ومتزايدة، رغم التأييد والدعم اللذين تحظى بهما هناك، إذ باتت بنظر بعض الأوساط أحد مصادر كره العالم العربي للولايات المتحدة، ومن أهم محرضات نشوء جماعات التطرف والإرهاب فيه، وعاملا مهما من عوامل ضعف الاستقرار في هذه المنطقة، بل إنها باتت أيضا من عوامل الخلاف الأوروبي ـ الأميركي. وإذا كانت انتقادات الرئيس الأميركي باراك اوباما لإسرائيل معروفة، فثمة انتقادات حادة وجهها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر لإسرائيل التي اتهمها في كتاب له بالعنصرية، وثمة تصريحات عديدة لوزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر طالب فيها إسرائيل أن تلزم حدودها، وأن تضع حدا لأوهام إسرائيل الكبرى.

وقد وصل الأمر ببعض الأوساط في الولايات المتحدة حدّ التجرّؤ على تحميل إسرائيل مسؤولية احتلال الولايات المتحدة للعراق، باعتبار أن ذلك تم لضمان أمن إسرائيل، بحسب تصريح كان أدلى به كل من الجنرال المتقاعد أنطوني زيني وإرنست هولينغز عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي. كذلك ظهرت في المرحلة الماضية انتقادات للوبي اليهودي في واشنطن («الإيباك»)، لدرجة اتهامه بالتدخل في توجيه السياسات الأميركية الشرق أوسطية، بما يضر بالمصالح الأميركية. ومن المهم هنا التنويه إلى الدراسة الشهيرة التي وضعها الاختصاصيان في العلوم السياسية جون ميرشايمر وستيفن والت، حول سياسات الإيباك، وضررها على السياسات الأميركية، لصالح إسرائيل (نشرت في «ذي لندن ريفيو أوف بوكس» عام 2006).

اليهود ينتقدون إسرائيل

اللافت أكثر أن انتقاد إسرائيل بدأ يشق طريقه في أوساط النخب اليهودية في العالم أيضا (لاسيما في أوروبا وأميركا). فهذه النخب باتت تتبرأ من سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحملها مسؤولية ازدياد نعرة العداء لليهود في العالم، رافضة في ذلك ادعاءات إسرائيل المتعلقة بالمساواة بين أي نقد لها وبين اللاسامية؛ معتبرة نقد إسرائيل شرعيا، وينسجم مع نقد أي اتجاه عنصري.

الأهم من ذلك أن هذه الاتجاهات باتت ترى أن إسرائيل، وبسبب سياسات حكامها، هي أكثر دولة تهدّد فيها حياة اليهود لكونهم يهودا، وتأخذ على إسرائيل تحولها إلى دولة أصولية متطرفة، ولا تراعي الشرعية الدولية، ولا القيم الإنسانية، بعد أن بات المستوطنون والمتدينون المتطرفون يتحكمون في دفة السياسة فيها، ويبطشون بشعب اخر تحت سمع العالم وبصره. ولنا في ذلك عديد من الأسماء من مثل هنري سيغمان السياسي الأميركي، وريتشارد فولك مبعوث الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، والقاضي ريتشارد غولدستون، وثمة غيرهم كثيرون من الأكاديميين الإسرائيليين (مثل ايلان بابيه) الذين حضوا الجامعات الغربية على مقاطعة الجامعات الإسرائيلية.

وثمة ما يفيد بأن بعض الأوساط اليهودية الفاعلة في الولايات المتحدة أنشأت منظمة لوبي يهودي جديد، (منافس لـ «إيباك»)، باسم «جاي ستريت» (J'Street) واسم مؤسسها ومديرها التنفيذي جيريمي بن عامي، وهي تحمل أفكارا تقدمية، وتتشاطر نفس الأفكار مع الرئيس أوباما، وتعمل على تشجيع الإدارة الأميركية على إنقاذ إسرائيل من نفسها. ووفقاً لـ «بيان المبادئ» لهذه المنظمة، فإنها تؤيد «إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة بالاستناد إلى حدود 1967 مع مقايضات متبادلة ومتَّفق عليها».

وتصرّ «جاي ستريت» على أن معظم اليهود الأميركيين يشاطرونها آراءها حول الشرق الأوسط. إنهم ليبراليون بطريقة موثوقة في مسائل الحرب والسلم. وتدلل على ذلك بنتائج استطلاع واسع أجرته لآراء اليهود حول مسائل الشرق الأوسط (يوليو 2008) تبين منها أن اليهود الأميركيين يعارضون بناء مزيد من المستوطنات (60 مقابل 40 في المئة)، وأن غالبيتهم تدعم الاقتراح بأنه على الولايات المتحدة أن تنخرط بفاعلية في عملية السلام حتى لو اقتضى ذلك أن «تعلن على الملأ اختلافها في الرأي مع إسرائيل». واللافت أن المجيبين عموما وضعوا إسرائيل في المرتبة الثامنة ضمن لائحة انشغالاتهم؛ ولم يضعها سوى 8 في المئة في المرتبة الأولى أو الثانية.

لم تعد أهلًا للثقة

ويستنتج من ذلك أن دولة إسرائيل لم تعد بنظر قطاعات من يهود العالم موضع ثقة بالنسبة لهم، لا سيما أن هذا الأمر بات يضعف من مكانة هؤلاء في أوطانهم. ولعل هذا ما يفسّر قيام جماعات يهودية أوروبية مناهضة للصهيونية وإسرائيل، مع منظمات عربية، بنشاطات للحيلولة دون إطلاق اسم «هيرتزل» على إحدى ساحات العاصمة النمسوية (فيينا) في احتفال رسمي بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لوفاة مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هيرتزل(يوليو 2004).

وفي الولايات المتحدة حيث نفوذ الحاخامية اليهودية (الإصلاحية والمحافظة) ثمة تبرم من سياسات إسرائيل، حيث اعتاد الحاخام اريك يوفا (زعيم التيار الإصلاحي ـ 5,1 مليون عضو)، انتقاد إسرائيل ودعوة اليهود الأميركيين لممارسة نفوذهم لدفع الإدارة الأميركية نحو إجبار إسرائيل لتقوم بما لا يوجد لديها استعدادا لتقوم به بنفسها. وقد وصل الأمر بارثور هرتسبرغ (من قادة يهود الولايات المتحدة) حد دعوة يهود الولايات المتحدة إلى العصيان وعدم ترك مصير إسرائيل بيد السياسيين المصلحيين، الذين يُكوّنون حكومتها..معتبرا أن يهود العالم من حقهم التقرير بسياسات إسرائيل، لإنقاذها.

وهذا النقد يؤكد على حقيقة أساسية مفادها أن إسرائيل تخسر برغم من إحساسها بالربح الناجم عن القوة وشعور الغطرسة والتفوق. على ذلك فثمة مفارقة كبيرة في وضع إسرائيل اليوم، فهي تبدو أكثر انكشافا وأقل شرعية، وهي تبدو على شكل دولة حائرة في مصيرها وقلقة على مستقبلها، برغم قوتها وتفوقها في مختلف المجالات. فهل ترضخ إسرائيل أمام هذه العاصفة النقدية أم تواصل تجبّرها وتجاهلها لحقائق التاريخ والجغرافيا والبشر في هذه المنطقة وفي العالم؟.

ماجد كيالي