هذا الكتاب يرصد فيه المؤلف أهم ما شهدته سنة 1959 من أحداث كانت فاصلة بحق في التاريخ المعاصر، وفي مقدمتها نجاح السوفييت في غزو الفضاء وفي تحطيم حواجز المسافة والزمن، مما أشعل السباق الفضائي بين كتلتي الشرق والغرب.. ثم يتابع منجزات جاءت أقرب إلى الفتوحات العلمية والبحثية التي أحرزها العقل البشري في عام 1959 وفي مقدمتها شريحة المايكروشب التي طورت استخدامات الحواسيب الالكترونية واضافة إلى التوصل إلى حبة منع الحمل التي أتاحت للبشر إمكانات السيطرة، بشرط أن تكون رشيدة، على عمليات الإنجاب.. هذا فضلا عما شهدته السنة المذكورة من تغييرات سياسية يأتي في مقدمتها ظهور زعامة «مالكولم إكس» بين صفوف مسلمي أميركا من ذوي الأصل الأفريقي، واندلاع ثورة كوبا اليسارية بقيادة فيديل كاسترو، واتساع الهوة الفاصلة بين الأجيال في المجتمع الأميركي ثم المجتمع الغربي والعالمي بشكل عام على نحو ما تجلى بعد ذلك في عقد الستينات.

الفصل الأول من الكتاب يمثل افتتاحية المعزوفة ويكاد يلخص أو بالأدق يبلور بأسلوب التكثيف البليغ مختلف التنويعات التي تتوزع إليها مادة الكتاب ـ وهي تجمع بداهة ـ وعبر أيام سنة بعينها من سنوات القرن العشرين، بين الإنجازات الفضائية والفتوحات العلمية والتحولات السياسية والاجتماعية.. وإن كان يضمها جميعا خيط أو إيقاع موحد تعبر عنه العبارة الموحية التالية: الآفاق الجديدة.. بمعنى استشراف ما يعد به مستقبل البشرية على سطح كوكب الأرض من وعود وآمال. والمعروف في أدبيات السياسة الأميركية المعاصرة أن فكرة الحدود الواعدة وبالتحديد شعار الآفاق الجديدة، هو ذلك الذي رفعه مثقف أميركي شاب ارتقى إلى منصب الرئاسة الأولى في بلاده بعد أن أشاع هذا الشعار معبقا بعطر الأمل في الغد طيلة حملته الانتخابية التي استغرقت زمن عام 1959 بالذات.. وعندما اسلم العام المذكور أيامه إلى يناير من سنة 1960 دخل هذا الشاب إلى البيت الأبيض وسط آمال عراض باسم «جون فيتزجيرالد كيندي» واشتهر عنه الشعار الذي يقول: أقول لكم.. إن الأفق الجديد موجود هنا.. سواء سعينا إلى بلوغه أم لا.

يوضح المؤلف في مستهل صفحات الكتاب أن عام 1959 جاء ليغير المقولة العتيدة التي ظلت ترددها أجيال من الأميركيين.. وهي: غدا يوم آخر. ويسارع المؤلف إلى التعليق من واقع الأحوال الواعدة التي رصدها في بحوثه حول عام 1959 يقول: كان الوعد أيامها هو أن الغد ليس مجرد يوم آخر.. ولكنه كان يعد بانبلاج فجر جديد: يومها كان النجم الصاعد في دنيا السياسة في أميركا هو «جون كيندي» وقد دخل سباق الرئاسة (خلفا لرئيس كان في أقصى خريف العمر هو الجنرال ايزنهاور) وكان شعار المرشح الشاب هو: قيادة من أجل الستينات. كانت تلك، كما يوضح المؤلف، المرة الأولى التي يتم فيها تعريف المراحل والطموحات السياسية لا على أساس الجيل (30 سنة) ولكن على أساس العقد (10 سنوات لا غير) وكان ذلك يعني في آن معا مزيجا من الأمل والخطر.. ولكنه كان يعني التغيير في كل حال.

وربما تجسدت معالم هذا التغيير في أن التقدم في العمر، نحو الكهولة وربما الشيخوخة، لم يعد ميزة للسياسي أو رجل الدولة على نحو ما درج عليه الحال في الماضي..وفي ظل دعاوى الخبرة الطويلة والممارسة المحنكة والتجارب الماضية.. لهذا طرح كيندي شعارا شبابيا وطريفا هو: أنا من مواليد هذا القرن (العشرين). كان ذلك بديهيا حيث كان منافسوه في سباق الرئاسة في عام 1959 من مواليد القرن التاسع عشر بطبيعة الحال. مع ذلك فلم يتردد كينيدي ومساندوه من الإفادة من كاتب أمريكي خرجت أعماله إلى النور مع أواخر نفس القرن التاسع عشر. ففي عام 1893 نشر فردريك جاكسون تيرنر مقاله الشهير بعنوان: الحدود في التاريخ الأميركي.

وفي سطور المقال عمل كاتبه على الربط بين الشخصية الأمريكية وبين اتساع الفضاءات والمسافات من حولها.. بقدر اتساع مساحات القارة الأميركية.. وبمعنى أنه كلما وضعوا حدودا في بقعة من هذه القارة العفيّة الجديدة.. نجمت الحاجة إلى تجاوز تلك الحدود ومن ثم كان التوسع غربا على وجه الخصوص أي من سواحل الأطلسي شرقا إلى حدود كاليفورنيا وسواحل الباسيفيكي.

من هنا تضيف المقالة الكلاسيكية كما يعرفها تاريخهم فإن شخصية الفرد الأمريكي تتسم دوما بالقلق والحركة الدائبة والتوتر بغير انقطاع.. تلك العوامل التي تدفع إلى التماس فرص جديدة «باستمرار» وهي فرص لا تتورع المقالة المذكورة عن تحديد غاياتها فيما يلي: الغزو والاستيطان والتجديد المتواصل. على أساس هذه الخلفية حلّت بدايات عام 1959 الذي جعله مؤلفنا محوره الجوهري لطروحات هذا الكتاب.وقبل أن يفيق الأميركيون والعالم معهم - من احتفالات اليوم الأول من عام 1959 بادرهم يومه الثاني بمفاجأة ألقي إليها الزمان سمعه واهتمامه وهو شهيد.

يقول المؤلف: في يوم 2 يناير عام 1959 فوجئ العالم بأخبار «بونيك» وهي مركبة ـ كبسولة فضائية أرسلها الاتحاد السوفييتي إلى الفضاء الخارجي وحملت الاسم التالي: متشتا. ومعناها: الحلم. جاءت انطلاقة الحلم من كازاخستان وبلغت سرعتها ـ المذهلة بمقاييس 50 عاما مضت ـ 25 ألف ميل في الساعة.. والمهم أن بلغت «متشتا» أو الحلم مدار القمر وخرجت بالطبع من مدار جاذبية الأرض وأصبحت أول طائر من صنع الإنسان يدور حول الشمس وكأنه واحد من الأجرام السماوية.بعد أيام من ذلك الحدث المشهود صدرت مجلة «تايم» لتصف الحدث بسطور تقول فيها: إنه نقطة تحوّل في تاريخ النظام الشمسي الذي يبلغ من العمر عدة بلايين من السنين.

من الفضاء إلى الأرض

لكن الأهم وهو ما يلمحه ويرصده المؤلف هو أن جاء هذا الفتح العلمي في مجال أبحاث الفضاء ليثير مشاعر لم يسبق لها مثيل جمعت بين توتر الكشف وجسارة الاقتحام ثم الخوف من الآتي أو المستور، غير المكشوف. ولم تقتصر هذه المشاعر المختلطة على دنيا العلم بل امتدت آثارها لتشمل ميادين السياسة والمجتمع والثقافة والبحث العلمي بل وعلاقات الجنسين داخل النظام الاجتماعي.. يقول المؤلف أيضا: ساد شعور عميق بأن النجاح في كسر واقتحام حدود وحواجز الفضاء ومقاييس والسرعة والزمن، من شأنه أن يجعل سائر الحواجز قابلة للاجتياز والاقتحام.

هكذا جاءت سنة 1959 لتقول منذ بداياتها ما يلي:

نجحت البشرية في وضع أولى خطواتها عند العتبات الخارجية للفضاء الكوني.. ومن ثم فقد انفتحت أبواب أخرى لعل أهمها أن انكمش الحيز المساحي من كوكب الأرض الذي نعيش على سطحه.. الأمر الذي يتيح أيضا اقتحام وعبور وتجاوز أوضاع وأفكار وأعراف كانت في قرون سبقت في حكم المحرّمات التابوهات.

يلاحظ المؤلف في نفس السياق، أن عام 59 سبقه بشهرين فقط إنجاز كان باهرا في زمانه وحمل بدوره العنوان التالي:

عصر النفاثات

تجسدت إرهاصات هذا العصر الواعد الجديد في أول رحلة بالطائرة النفاثة عبر المحيط الأطلسي بغير توقف قامت بها طائرة البوينغ 707 التابعة وقتها لشركة «بان أمريكان: في طريقها إلى العاصمة الفرنسية باريس.

يومها ترأست مامي ايزنهاور قرينة رئيس الدولة - حفل تدشين الرحلة الأولى العذراء كما يسمونها للطائرة الجسورة.. وألقت على مقدمتها زجاجة كانت مملوءة بمياه المحيط معلنة تعميد الطائرة التي دارت محركاتها على أنغام النشيد الوطني الأمريكي. وفي اليوم التالي كتبت جريدة نيويورك تايمز تقول: ها قد لاحت، بل تحققت إمكانية أن نطوي مساحات محيط متنقلين من قارة إلى أخرى..

ومن عالم إلى عالم غيره في مدى ست ساعات من عمر زماننا، محققين بذلك رغبة طالما تاقت إليها النفوس ولكنها لم تعد مجرد أحلام يقظة.. لماذا. لأن الطائرة النفاثة أصبحت طوع بناننا. لهذا كله جاء عام 59 ليروج فيه الشعار الغريب المستجد بكل مقياس على الأسماع والأفهام: غزو.. الفضاء. ومن ثم اندلع سباق الفضاء بين قطبي الحرب الباردة التي بلغت ذروة لها في ذلك العام وهما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.

عن الجغرافيا الجديدة

ومع هذه المستجدات جاءت أفكار وطروحات ومفاهيم لم يسبق لها مثيل.

كتبت الصحف والمجلات عن ظاهرة غير مسبوقة بدورها اسمها: «الجغرافيا الجديدة» وكانت تقصد جغرافية المجموعة الشمسية وما تضمه وما يجاورها من كواكب ونجوم سابحة كلها في أجواز الفضاء.. وبدأت عبارة العد التنازلي «كاونت داون» ومعها عبارة كل شيء على ما يرام ولخصتها لفظة «أوكي» الأميركاني تنتشر وتذيع في طول العالم وعرضه نقلا بالذات عن وكالة الفضاء الأميركية «ناسا».. وبعدها انتقلت العبارات والشعارات والمفاهيم إلى ماديسون افنيو، الشارع الرئيسي الشهير في قلب جزيرة مانهاتن ـ نيويورك حيث تقيم وتعمل كبرى وكالات الإعلان التي لم تكذّب خبرا كما يقولون، بل اندفعت تزيّن موادها الإعلامية بشعارات «عصر الطيران النفاث»، أو شعارات «عالم المستقبل» أو شعارات «العد التنازلي نحو المستقبل»..

ومن دنيا الفتح العلمي ودنيا الكوزموز الفضائية ودنيا الإعلانات البراقة.. كان لابد وأن تجد هذه الشعارات والمفاهيم الجديدة طريقها إلى الحياة اليومية في أميركا ومنها بحكم التأثر والتأثير إلى أصقاع العالم الخارجي.

دنيا الفن والإبداع الفني كانت في مقدمة الميادين التي تأثرت عميقا بكل هذه المستجدات. لقد اقتحم العلم حدود المسافة والزمن مع بداية عام 1959. لهذا تصور الفن أن بإمكانه اقتحام حدود التقاليد المتعارف عليها، والأوضاع المتفق على توارثها، والأفكار التي كانت على مدار عقود بل قرون مضت موضعا للتوقير إلى حد التسليم.

يقول الكتاب في هذا السياق: نبغت فئة من فناني الكوميديا.. وكانوا يسمونهم «أهل الخُبث الضاحك» لأنهم لم يتورعوا عن الإطلالة من منظور السخرية والتهكم على موضوعات لم يكن جائزا التطرق إليها قبل عام ,1959.

وتغطي مجالات تتنوع مابين الأصل العرقي أو العقائد الروحية أو الأفكار والممارسات السياسية. وجاء الروائيون فكان أن أرخوا العنان وارتضوا لأنفسهم مزيدا من التحرر إلى حد الانفلات في أساليبهم وتصاويرهم والشخصيات التي يرسمونها في سطورهم، وقل الشيء نفسه عن سينمائيين صوروا أفلامهم الطليعية، المتمردة إلى حد التجاوز غير المقبول أحيانا بعيدا عن سطوة هوليوود.. وكذلك الرسامون الذين شقوا طرقا غير مسبوقة في لوحاتهم وتهاويمهم وموضوعاتهم.

نفس التغييرات المتمردة ـ إلى حد الثورة وجدت طريقها إلى عالم الموسيقى والغناء.. التي كان جانبها السلبي يتمثل في قوالب موسيقى الجاز والروك آند رول الصاخبة الزاعقة في معظمها، فيما كان جانبها الإيجابي يتمثل في فسح المجال أمام جماعات من الفنانين المنتمين إلى الملّونين، الأفروـ أميركيين في الولايات المتحدة ممن لا تزال بصماتهم الفنية محسوسة وباقية حتى الآن في مجال الإبداع الموسيقي الأميركي.

بين السلب والإيجاب

هكذا جاءت أوائل هذا العام الأشهر، 1959 لتشهد كل هذه التطورات الفاصلة والحاسمة بحق في عالم النصف الثاني من القرن العشرين. وكان أن صاحبتها ظاهرتان متعارضتان في حياة أميركا والعالم.. الأولى كانت إيجابية والثانية كانت سلبية.

تمثلت إيجابيات الظاهرة الأولى فيما صدر داخل أميركا نفسها من قوانين وأحكام: منها مثلا إصدار لجنة الحقوق المدنية أمرها بإجراء سلسلة من التحقيقات عن حوادث التمييز العنصري في مجالات الانتخابات والإسكان والتعليم.. ومنها أحكام المحكمة العليا برفع القيود عن حرية التعبير والإبداع الأدبي.

من الناحية الأخرى، تمثلت السلبيات في سحابة من الهواجس التي ساورت الناس بشأن تطورات غزو الفضاء.. بما قد تجلبه من شبح حروب الصواريخ العابرة للقارات، ومن ثم تصاعد الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب وما قد تنطوي عليه من خطر استخدام القنابل الذرية في صراعات الدول والشعوب.

يقول المؤلف مع ختام الفصل الأول من الكتاب: هذا الشعور المزدوج بين آمال بغير حدود ورعب مستبد إزاء خطر الفناء بالصواريخ أو القنابل الذرية كان المنطلق الذي أضفى طابعا خاصا بالغ التميز وأطلق شرارة النشاط الإبداعي الذي شهدته سنة 1959.

إضاءة

هذه الحلقة تبدأ مع إطلاق المركبة الفضائية السوفييتية «ميشتا» بمعنى «الحلم» في 2 يناير 1959 بكل ما شكلته أيامها من خطوات لوصول الإنسان إلى حيث التحليق حول الشمس، حيث سبق هذا الحدث انطلاق أول رحلة بالطائرة النفاثة لتقطع فضاء المحيط الأطلسي من أميركا إلى فرنسا بغير توقف..

وتركز الحلقة على شعار«الآفاق الجديدة» الذي رفعه الشاب «جون كيندي» مرشحا للرئاسة الأميركية، وترصد التأثيرات الناجمة عن غزو الفضاء وتجاوز حواجز السرعة والمسافة على مجالات السياسة والفن والعلاقات الاجتماعية، فيما تؤكد أن هذه الإنجازات انطوت على مؤثرات متناقضة: ما بين إيجابية الأمل في تطوير حياة الإنسان وسلبية التوجس خوفا من اشتداد الصراعات في مجالات الصواريخ والطاقة الذرية.

ولأن المؤلف يحترف الكتابة الصحفية فقد جاءت الفصول الخمسة والعشرون مصاغه بلغة الصحافة التي تتسم برشاقة العبارة وتكثيف المعاني وطلاوة الأداء.

وكل فصل يحمل عنوانا رشيقا بحيث تجمع مادة الكتاب بين دسامة المادة ورصانة البحث العلمي التاريخي وبين قدرة المؤلف على تركيز مادته في فقرات وسطور تتميز أساسا بجاذبية التعبير.

ولا نبالغ حين نقول ان الكتاب يكاد يعزف عملا موسيقيا أقرب إلى كونشرتو التاريخ.. حيث تتوزع المعزوفة إلى تنويعات شتى ونغمات وإيقاعات متباينة.

المؤلف في سطور

«فِرِدْ كابلان» كاتب أميركي ينشر مقالاته ودراساته عن إبداعات الفن، وتأملاته في التاريخ المعاصر وتغيرات الحياة اليومية في كبرى الصحف بالولايات المتحدة وفي مقدمتها نيويورك تايمز وواشنطن بوست وكبرى المجلات مثل نيويوركر الأسبوعية وأتلانتك الشهرية، هذا فضلا عن تحقيقاته البحثية في مجالات السياسة والعلاقات الدولية التي كان ينشرها في «بوسطن غلوب» حيث فاز بجائزة «بولتزر» الرفيعة للصحافة عن تحقيقاته التي كانت تغطي أنشطة وسياسات البنتاجون العسكرية والحياة في روسيا بعد المرحلة السوفييتية.

يحرص كابلان أيضا على المشاركة بالكتابة في مدّونات الحاسوب على الشبكة العالمية ولاسيما في مجالات الإبداع الموسيقي وله كتب منشورة من أهمها كتاب «الحالمون» الذي عرض فيه للأفكار الكبرى التي غيرت الحياة في أميركا من حيث أساليبها وإمكاناتها.

الصفحات: 332

الناشر: جون ويلي، نيوجيرسي، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي