محمد فائق راح يحكي عن موعده الذي تأخر 28 عاماً مع «مانديلا»، وعن «سام نيوما» الذي استقبله استقبال الفاتحين في «ناميبيا» بعد الاستقلال، وعن «جيفارا» الذي التقى به مجرداً من شارته، أو قل بالأحرى هالته الأممية في أواخر الخمسينيات. راح يحكي عن شمس حقوق الإنسان التي أضاءت عتمة محبسه، ورصفت له طريق الحرية في المعتقل الذي آثر أن يستمر فيه عمراً كاملاً إذ كان شرط الخروج منه هو الاعتذار للسادات.. راح يحكي أيضاً عن انقلاب المشير النصفي في العام 1962، وانقلاب القصر الذي نفذه السادات بمساعدة من محمد حسنين هيكل في مايو 1971، وحكايته مع الجماهير الغاضبة التي كادت تفتك به ليلة خطاب التنحي معتقدة أنه زكريا محيي الدين نائب الرئيس.. وهذا نص الحوار:
* كنت واحداً من أهم مفاتيح عبدالناصر للدخول إلى إفريقيا، ومساندة حركات التحرر التي كانت تغلي بها القارة.. كيف بدأت علاقتك بإفريقيا؟ ـ في ظل القبضة القوية للاستعمار كنت كأي مصري يجد صعوبة كبيرة في دخول الدول المستعمرة، ولذلك كان لا بد لي من أن أتحايل على ذلك حتى أنفذ أوامر عبدالناصر، وأستكمل الدراسات الميدانية للأوضاع في هذه البلاد، إلى أن تمكنت من الحصول على جواز سفر لبناني باسم مستعار هو «سامي إلياس فايز» ساعدني على التحرك بحرية في دول القارة، وسرعان ما أصبح الأفارقة هم الذين يتحايلون للوصول إلى القاهرة. * أثناء هذه الفترة أسست جهاز المخابرات مع زكريا محيي الدين.. من الذي رشحك للعمل في الجهاز؟ ـ كنت على علاقة مباشرة بجمال عبدالناصر؛ لكنني لا أعتقد أنه من رشحني، فالحقيقة أن زكريا محيي الدين اتبع أسلوباً مختلفاً، إذ حاول أن يأتي بعدد من الضباط المشهود لهم بالكفاءة العالية، ورغم أنه لا يعرفني معرفة مباشرة، فإنه اختارني بعد ترشيحات من جهات مختلفة، وبعد تحريات دقيقة جداً.
* البعض يتحدث عن جبهتين في الحكم الناصري أولاهما جبهة زكريا محيي الدين ووزارة الداخلية والثانية المشير وأجهزة المخابرات؟ ـ الحكم لم يكن بهذا الشكل، لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة أنه في بداية الستينيات انفرد عبدالحكيم عامر بالجيش؛ فعندما حاول مجلس الرئاسة الذي شكله عبدالناصر ضبط الأوضاع داخل الجيش، وتقييد يد عبدالحكيم باشتراط موافقة المجلس على ترقية الضباط إلى رتبة عميد فما فوق بحيث يخضع الجيش للقيادة المدنية، رفض المشير ذلك، وتوجه إلى مرسى مطروح، وبدأ يكتل الجنود وقام فعلياً ب«انقلاب نصفي» انفرد على إثره بقيادة الجيش، وأصبح عبدالناصر معزولاً عن جنوده.
* لكن لم تكن هناك جبهات؟ ـ الجبهة الوحيدة هي للمشير بهيمنته على الجيش وصداقته الخاصة جداً بعبدالناصر، لكن هذا لا ينفي أن زكريا محيي الدين كان شخصاً مؤثراً، فقد كان نائباً للرئيس ووزيراً للداخلية، وشخصيته فذة تمتلك قدرات سياسية هائلة، لكنه لم يشكل جبهة بعيدة عن عبدالناصر. * ما حقيقة خلافه مع عبدالناصر؟ ـ الخلاف نشب بعد 67، وكان التوجه الاقتصادي موضوعه الأساسي، فزكريا كان يميل إلى نظام أكثر ليبرالية، فيما كان عبدالناصر يميل إلى تشديد قبضة الدولة، خصوصاً في ظل مرحلة تصفية آثار العدوان التي تتطلب اكتساب ثقة المواطن، وكان خلافاً حضارياً.
إذن ميوله الليبرالية وحبه للاقتصاد الحر هي التي جعلت الجماهير تكوّن له صورة المسؤول ذي الميول الأميركية أو رجل أميركا؟
لا.. زكريا محيي الدين لم يكن أميركيا، ففي أيام عبدالناصر لم يكن هناك رجل أميركا ورجل روسيا، فهذا الكلام لم يكن يقال إلا في الخارج، لكن كانت هناك ملفات مرتبطة بالتوجهات، فزكريا موكول له ملف العلاقات مع أميركا، ولم يكن أميركياً، فيما يتولى على صبري ملف الاتحاد السوفييتي، وهذا لا يعني أنه شيوعي، بل كان معروفاً بعدائه للشيوعيين، والاثنان ولاؤهما للنظام ولعبدالناصر، وكان ناصر على الاتصال بهما واستمر في علاقته بهما حتى بعد أن تركا الحكم.
تردد أنك تعرضت لاعتداء الجماهير الغاضبة والرافضة لاستقالة عبدالناصر في 9 يونيو بسبب ملامحك القريبة من زكريا محيي الدين التي كانت الجماهير ترفض خلافته لعبدالناصر بسبب ميوله الأميركية؟
هذا صحيح فبعد استقالة عبدالناصر غادرت مبنى الإذاعة، وتوجهت إلى منزله في منشية البكري، وفوجئت بحشد جماهيري ضخم يحيط بالمنزل، فدخلت بالسيارة إلى أن أصبح من المستحيل أن تتحرك أبعد من هذا، ففتحت الباب، ونزلت فإذا بمواطن يصيح «زكريا محيي الدين.. زكريا محيي الدين»، وصاح آخر «موتوه.. اقتلوه» فتحلق رجال الحراسة حولي، لكنهم لم ينجحوا في منع الجماهير الغاضبة من الفتك بي، فهذا قام بشد البدلة الخاص بي، وهذا انقض على رقبتي، إلى أن انهمر الدم مني، اعتقاداً من هؤلاء أنني زكريا محيي الدين الذي أوصى به عبدالناصر خليفة له في خطاب التنحي، ودخلت على عبدالناصر، وقلت له: «هذا رئيس الجمهورية الجديد»، وسردت عليه تفاصيل ما حدث، وقلت له: «الموضوع مش موضوع زكريا.. الموضوع أن الناس لن تقبل خليفة لعبدالناصر مهما كان، ومهما كانت وطنيته.. أي واحد بدلاً منك مرفوض».
وكان حديثك دافعاً له لإعادة التفكير في قرار التنحي؟
لم يكن هذا هو الدافع الوحيد، فهناك أشياء كثيرة دفعته لإعادة التفكير، ومنها مثلاً قيام مواطنة بإلقاء نفسها من الدور الرابع احتجاجاً، رغم أنها لا علاقة لها بالاشتراكية ولا الرأسمالية، وهذه الحادثة هزته هزاً عنيفاً، وأنا تعمدت أن أحدثه عنها في التلفزيون، بالإضافة إلى أن أم كلثوم التي جاءت تزورني في مكتبي بالتلفزيون هي وزوجها الدكتور حسن الحفناوي طلبت أن أسمح لها بإلقاء بيان في الإذاعة، وطبعاً رفضت كما رفضت الإذاعة آلاف البيانات التي جاءت، وقلت إن لو فيه شيء سيذاع فسيذاع بعد أن يصدر الرئيس قراراً، وبسبب هذا حدثت مظاهرة في الإذاعة.
مظاهرة ممن؟
بعد استقالة الرئيس أصدرت تعليمات بعدم ذكر اسم الرئيس بناء على طلبه في أي بيانات أو نشرات فوجدت مظاهرة على باب التلفزيون يقودها وكيلا الوزارة علي خشبة وهمت مصطفى وعدد من المذيعين ورؤساء القطاعات احتجاجاً على ما اعتبروه «تغييب» اسم عبدالناصر فبدأت أناقشهم وأفهمتهم أن ما يحدث يتم بناءً على طلب الرئيس نفسه، ووعدتهم بنقل صوتهم إلى مسامعه على أن يلتزموا بأوامري بمنع إذاعة أي شيء في الإذاعة مع السماح لهم بأن يقولوا ما يريدون في التلفزيون الذي لم يكن تأثيره يتعدى حدود القاهرة على أن يوقف إرساله بعد التاسعة.
أنت إذن تقطع بأن مظاهرات التنحي لم تكن تمثيلية؟
من يقول ذلك، أما شخص لم يشاهد ما حدث، أو شخص يهذي، فلم يكن بوسع أي قوة في مصر أن تسيّر كل هذه المظاهرات العفوية.
قيل إن اختيار زكريا محيي الدين بالذات خلفاً لعبدالناصر في خطاب التنحي كان مناورة ذكية من هيكل؟
لا علاقة لهيكل باختيار زكريا محيي الدين؛ فالذي اختاره هو عبدالناصر بمنطق محدد، وهو ضرورة اختيار شخص يعتقد في نفسه بإمكانيته التفاهم مع الأميركان، فلم يكن طبيعياً أن يختار علي صبري المسؤول عن ملف العلاقات المصرية السوفييتية، إضافة إلى الدور الكبير الذي لعبه زكريا.
كنت وزيراً للإعلام في فترة النكسة، وبالتالي مسؤولا عن كل ما فيها من بيانات ومنها اقتراب قواتنا من تل أبيب؟
أولاً لم يقل أحد إن قواتنا اقتربت من تل أبيب، والمبالغات كانت فقط في عدد الطائرات التي أسقطناها، فقد قيل حينذاك إننا أسقطنا 130 أو 140 طائرة، رغم أن العدد الحقيقي لم يزد على37 طائرة، والخداع لم يأت من الإذاعة، فنحن ملزمون بإذاعة البيانات العسكرية، كما ترد لنا من قيادة الجيش، لكن الخداع أتى من أن الإسرائيليين حملوا طائراتهم بخزانات وقود إضافية يقوم الطيارون بإسقاطها قبل عودتهم إلى قواعدهم فتشتعل عند اصطدامها بالأرض فيتصور الجنود أنهم أسقطوا طائرة، غير أن هذا لا يعني أنني أدافع عن الأخطاء التي حدثت، فقد كان على قيادة الجيش أن تميز بين الطائرة وخزان الوقود، لكن الخطأ لم يكن ـ في كل الأحوال ـ خطأ الإذاعة.
متى بدأت تعلم بحقيقة الهزيمة؟
كنت أتصل بشمس بدران وزير الحربية آنذاك، وكان يعطيني دائماً أملاً كاذباً بأن الوضع سيتغير، ولذلك عندما اتصل بي زكريا محيي الدين قائلاً: «أنا أكلمك من القيادة.. الريس جنبي، ويقول لك إحنا هنوقف القتال.. هنقبل وقف إطلاق النار.. لازم تذيع بيان بكرة» فانفجرت فيه وثرت عليه ورفضت إذاعته، وطلبت منه التمهيد للناس ببيانين أو ثلاثة، وهذا ما حدث، وكانت هذه أخطر لحظة فكيف تذيع بيان وقف إطلاق النار وأنت مهزوم دون أن تجعل المواطن يشعر بالضياع والانهيار، ولذلك تعمدت أن أسند إذاعة البيانات إلى جلال معوض أكبر المذيعين في ذلك الوقت، لكنه رفض أول الأمر، ولم يقبل إلا بعد نقاش طويل.
لكن كيف استطعتم أن تعيدوا ثقة المواطن في قواته المسلحة؟
ظهرت فكرة «النغمة الصحيحة» وبدأ الناس يسألونني: أين الأغاني العاطفية؟ فلم يكن من الطبيعي أن نستمر في دق الطبول سنتين أو ثلاث، ولذلك فكر «محمد عروق» رئيس الإذاعة في عمل برنامج «ما يطلبه الجنود»، واكتشفنا أن أغلبهم يطلب أغاني عاطفية، وفكرت في عمل البرنامج الموسيقي ل«التحليق على المواطن»، ومنعه من الخضوع للدعاية التي تبثها الإذاعة الأجنبية طبعاً، إضافة إلى إذاعة «أم كلثوم» التي كانت في الأصل إذاعة سرية مقرها الحرس الجمهوري في منشية البكري.
البعض يدعو - حالياً - إلى إلغاء وزارة الإعلام باعتبار أن هذا زمن الفضاء المفتوح والمؤسسات المستقلة والمجتمع المدني فلم نعد بحاجة إلى السيطرة على أجهزة الإعلام؟
السيطرة مرفوضة، لكن فكرة إلغاء الوزارة أيضاً مرفوضة، فلا بد من وجود هدف وآلية ضبط وتنظيم؛ ففي إحدى زياراتي لبلد عربي ـ يقصد ليبيا ـ أخبروني أنهم ألغوا وزارة الإعلام فسألتهم: «ومن الذي يشرف على المؤسسات الإعلامية حالياً؟، فقالوا وزارة الداخلية، فقلت هذا ألعن وأضل سبيلاً»، القضية ليست الإبقاء، أو الإلغاء، وإنما القضية هي فلسفة الوزارة؛ فأنا مع أن يكون هناك انفتاح أكثر وإعمال للروح الديمقراطية والنهج التعددي الذي يخرج الإبداع الإعلامي، خصوصاً أن الدعوة لإلغاء الوزارة جاءت في ظل تنامي الدعوات إلى تقليص دور الدولة، وهي نظرية ثبت خطؤها خصوصاً في العالم الثالث؛ حيث دور الدولة ومسؤوليتها يتعاظم بالنسبة للفقراء والمهمشين.
تتحدث عن الروح الديمقراطية كمفجر للإبداع الإعلامي.. أين ذلك من عصر عبدالناصر المتهم بالديكتاتورية؟
إبداع عصر عبدالناصر جاء من قناعة الناس بالوطن، والفكرة ممثلة في شخص جمال عبدالناصر؛ فقد كنا نملك القناعة والمشروع العربي والحلم والأفق السياسي والآمال والإنجازات الكبيرة مثل السد العالي، وتأميم القناة، والتصنيع الثقيل، فمصر عندما تتفاعل مع محيطها العربي والإفريقي تصبح قوة كبرى، وهي من الدول المهيأة لهذا الدور من واقع عبقرية المكان.
من واقع مسؤوليتك عن الإعلام أيام النكسة طاب للبعض أن يشبهك بالصحاف وزير الإعلام العراقي إبان الغزو الأميركي؟
هذا مجرد تخريف.
لكن هل سمعت هذه التشبيهات؟
إطلاقا.. الإذاعة بريئة من كل هذا السخف فهناك فارق بين نظام يسعى لتحرير الأرض العربية من الصهاينة ونظام يرغب في عمل إمبراطورية دموية.
إذن ماذا تقول لبعض الناصريين الذين طاب لهم أن يشبهوا صدام حسين بعبدالناصر؟
هذا خطأ كبير، وهؤلاء لا يمكن أن نحسبهم على التيار الناصري، فصدام ارتكب أخطاء كبيرة، لكن هذا لا يبرر الاحتلال ولا إعدامه في هذه المحاكمة الهزلية، فقد كنت أتمنى أن يقدم صدام للمحكمة الجنائية الدولية ضماناً للنزاهة.. صدام ارتكب جرائم وقاد نظاماً ظلامياً بكل معنى الكلمة، لكن عبدالناصر لم يرتكب جرائم.
تابعت كأي مواطن عربي تصريحات الصحاف.. هل كنت تؤمن بوجود مفاجآت كما كان يردد أم كنت تراه يهذي؟
المفاجأة الوحيدة في اعتقادي هي المقاومة، وأذكر أنني في أيام غزو الكويت رفضت الذهاب لمقابلة صدام مع وفد عربي، وحملتهم برسالة تمنيت عليه فيها أن يغادر الكويت، فأكبر ضربة لما كان ينادي به عبدالناصر كان غزو الكويت، بينما عبدالناصر أعطى للسودان حق تقرير المصير، وكان بمقدوره أن يقضي على الانقلابية في سوريا بسهولة، إلا أنه رفض رفع السلاح العربي في مواجهة الإخوة العرب، وعبدالناصر لم يكن ديكتاتوريا، لكنه كان يقود نظاماً شمولياً بمعنى التخطيط المركزي.
بماذا تبرر إذن أن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين اختلفوا مع عبدالناصر تم إقصاؤهم، والشخص الوحيد الذي لم يختلف، وهو السادات، ظل في السلطة إلى أن خلف عبدالناصر؟
كانت قواعد اللعبة الأساسية في النظام الناصري أن من يختلف مع المجموعة ينسحب، لكن الثورات الأخرى لم تشهد إلا خلافات دموية فبدلاً من الاستبعاد السياسي يأتي الإعدام والقتل والمقصلة.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
خلافي مع السادات
توليت وزارة الإعلام مجدداً في عهد الرئيس السادات بعد استقالة «هيكل».. من الذي رشحك للعودة؟
السادات هو الذي رشحني فقد كانت علاقتي به طيبة للغاية ولو لم أبادر بالاستقالة في 15 مايو لوصلت لقمة السلطة.. السادات كانت لديه قناعة بأن أميركا تملك 99% من أوراق اللعبة وأن المشكلة لم تكن بين مصر وأميركا بل بين أميركا وعبدالناصر، وبما أن عبدالناصر مات فيمكن أن تحل مع الأميركان، أما أنا فرأيي أن المشكلة بين أميركا ومصر، ولذلك عمد السادات إلى تأجيل الحرب رغم أن توازن القوى في 1971 كان أفضل بالنسبة لمصر من 1973، فلما رفض السادات تفعيل اتفاقنا في مجلس الدفاع بشن الحرب استقلت.
قيل إن استقالتك مرتبطة بمحاولة منع السادات من دخول مبنى التلفزيون؟
هذا لم يحدث، وهذا محض خيال، ولا أساس له من الصحة، فصحيح أنني أعلنت استقالتي قبل أن يقبلها السادات، احتجاجاً على تأجيله لقرار الحرب بعد أن اتفقنا عليه وحددنا ربيع 71 موعداً مبدئياً وتركنا له تحديد اليوم والساعة مع الفريق محمد فوزي وزير الدفاع.
وبالخطة «جرانيت1» التي وضعها جمال عبدالناصر؟
نعم وكانت تتضمن نفس السيناريو الذي حدث في 73 كاقتحام خط بارليف وتذويب الساتر الترابي بخراطيم المياه والعبور بالزوارق المطاطية كما شرح الفريق فوزي في كتابه.
ليس صحيحاً إذن أنكم خططتم للإطاحة بالسادات؟
إطلاقا.. بل السادات كان يرغب في الخلاص من رجال عبدالناصر معتقداً أن هذا سيسهل تعاونه مع أميركا لحل المشكلة.
لكن البعض يقول إن هيكل هو صاحب فكرة أن 99% من أوراق اللعبة في أيد أميركا؟
هذه فكرة السادات أساساً.
هيكل يؤكد في «خريف الغضب» وهو كتاب بعيد كل البعد عن الانحياز للسادات أنكم وضعتم تليفونات كل من يتصل بهم السادات تحت المراقبة أي أن تليفونه كان مراقباً بشكل غير مباشر؟
رغم أنني لست مسؤولاً عن رقابة التليفونات كوزير للإعلام ولا حتى الفريق فوزي وزير الدفاع، فإن معلوماتي تقول إن هذا غير صحيح وأنه تم اختراع مثل هذه الحكايات لتبرير انقلاب القصر.. السادات لم يراقب إطلاقا فلم يثبت أبداً أن وضع تليفون السادات تحت المراقبة.
تليفون السادات لم يراقب لكن الرقابة تمت على تليفونات من يتصل بهم بشكل دائم مثل هيكل؟
عمر ما تليفون هيكل وضع تحت المراقبة.
إذن ما هو تبريريك لإرسال السادات لابنته في طلب هيكل في ذروة أحداث مايو بدلاً من مهاتفته؟
هذه قصص رويت لزوم إخراج سيناريو الانقلاب الساداتي.. لم يكن هناك أي تخطيط لقلب نظام الحكم فهذه هي المجموعة التي جاءت بالسادات.. الاختلاف كان حول الحرب فعندما استشعرنا أنه لا يرغب في دخول الحرب بنا قال بعضنا «نمشي ونسيبه يحارب» خصوصاً أن الجيش كان جاهزاً، أي أنه بعد رحيلنا بدأ الضغط الشعبي يزداد عليه وكتبت هذا في استقالتي قائلاً «لدواعي الأمانة بيني وبين نفسي وبيني وبينك أنا لم أعد قادراً على الاستمرار في منصبي ولذلك أقدم استقالتي وسأكون جندياً في خدمة مصر».
هل أعلنت الاستقالة مسببة؟
لا.. لم نذكر الأسباب لدواعي سرية المعركة، فلا يمكن أن نتحدث عنها على الملأ فوظيفتي كوزير الإعلام هي تهيئة الناس للمعركة واستعادة ثقة المواطن ومصداقية إعلام الدولة، فلم نكن نقول أي كلمة دون أن نتأكد منها لدرجة أنني فوجئت بالسفير بيرجس المسؤول عن مكتب رعاية المصالح الأميركية يقول لي تعليقاً على إحدى معارك حرب الاستنزاف «أنتم أسقطتم عدداً من الطائرات الإسرائيلية أكبر من العدد الذي أعلنتموه»، وهناك قصة الغواصة الإسرائيلية التي نجحنا في تدميرها في حرب الاستنزاف لكننا لم نستطع أن نعلن ذلك لأننا لم نتأكد من تدميرها، وإسرائيل هي التي اعترفت بذلك بعد الحرب.
السادات فسر الاستقالة الجماعية على أنها «محاولة لخلق فراغ دستوري» على حد وصفه؟
السادات كان يضفي اللمسات الإعلامية على انقلابه، وركز على كلمة كانت متداولة بين شعراوي جمعة، وزير الداخلية، وعلي صبري، نائب الرئيس، وهي «لما يكون فوزي جاهز» وفسروها على أنها جهوزية للانقلاب وليس للحرب كما هي حقيقة الأوضاع.
ضياء الدين داوود اعترف في حوار خاص بأنكم أخطأتم التقدير عندما رفضتم الإطاحة بالسادات قائلاً إن الميول الأميركية للرجل كانت واضحة جداً؟
أنا شخصياً أرفض هذا، ولا أعتبر السادات أميركيا، فهو وطني بلا شك لكن حساباته خاطئة.. «مش عايز أقول مش وطني لكنني أرفض منطق التخوين، مش كل واحد رأيه مختلف عن رأيك تقول عليه خاين، ده رئيس دولة».
اختلفت إذا مع جريدة «العرب» عندما وصفته ب«الخائن الأعظم»؟
مفيش شك.. فلا يجوز أن نهيل التراب على قادتنا عندما نختلف معهم.
بمناسبة «لما يجهز فوزي» هيكل عرض في «خريف الغضب» وثيقة أمر قيادي من الفريق فوزي للفريق محمد صادق في 21 أبريل 1971 باتخاذ عدد من الخطوات لتأمين القاهرة بترتيب مع المخابرات الحربية والفرقة السادسة الميكانيكية؟
مثل هذا الأمر طبيعي جداً، فتأمين القاهرة مسؤولية وزير الدفاع.
كيف رأيت زيارة السادات للقدس؟
مصيبة. ففي هذه الزيارة أعطى السادات هدايا مجانية كثيرة للإسرائيليين دون أن يحصل على ثمنها ورأيي أن «البلاوي» الكثيرة التي حدثت لنا بدأت مع هذه الزيارة، لكن هذا لا ينفي مسؤولية العرب عما حدث فبعد «كامب ديفيد» كان عليهم أن يحتضنوا مصر لا أن يستبعدوها بقطع العلاقات.
بصراحة هل ارتحت لمقتل السادات بعد حادث المنصة؟
أنا لا أحب منهج الاغتيالات، لكن بمجرد حدوث الواقعة عرفت أن كل متاعبي في السجن ومع السجانين انتهت لكن هذا لم يمنعني من القلق على مستقبل مصر فلم أكن أعرف من الذي يقف وراء الاغتيال ولا السلطة التي سيؤول لها الأمر.. صحيح أن مبررات سجني في اعتقالات سبتمبر انتهت، وهذا أمر أسعدني، لكن القلق على مستقبل البلاد لم يسعدني.
اعتقالات سبتمبر شملت هيكل عدو الأمس القريب.. كيف وجدته؟ هل تعاملتم مع الرجل الذي هندس انقلاب مايو؟
المعتقل لم يضم هيكل فقط، فقد ضم أيضاً أحمد حسن الزيات الرجل الذي اقتحم مكتب وزير الإعلام واستلم بدلا منى، وحكى لنا قصصاً مرعبة عن الأحكام التي وضعت لنا، خصوصاً أنه كان مقرباً جداً من السادات، وعرفنا منه أن السادات كان «ناوي يعدم عدد معين من الذين سماهم مراكز القوى».
مثل من؟
علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف وفريد عبدالكريم.
السادات إذن هو الذي وضع الأحكام؟
حسب رواية الزيات أو بالأحرى اعترافاته لي، فإن بدوي حمودة، أحد قضاة المحكمة، رفض أن يصل الأمر إلى الإعدام، وقال للزيات «لو ده حصل.. هرمي نفسي من كوبري قصر النيل»، فالزيات أبلغ السادات فثار في وجهه، وقال له «قل له هينفذ ويبقى يرمي نفسه من الكوبري».
ولماذا لم تحدث الإعدامات؟
الذي أوقف الإعدامات هو الجيش، فالمحكمة العسكرية التي كانت تحاكم الفريق محمد فوزي رفضت إعدام واحد من أهم رموز العسكرية المصرية، فأسقط في يد السادات فكيف يعدم قادة الانقلاب دون أن يعدم وزير الحربية الذي هو حلقة التنفيذ الرئيسية للانقلاب «الذي تحدث عنه» وبالتالي تم الترتيب مع المستشارين لتخفيضها إلى المؤبد، وهذا ما تم.
وهل أبدى الزيات ندمه على تعاونه مع السادات؟
نعم ندم ندماً شديداً فالرجل وضعه في السجن «بمجرد أن اختلف معه».
وماذا عن هيكل.. هل تعاملتم أو حتى تناقشتم معه في السجن؟
الكلام عن هيكل في هذا الوقت خطأ حتى لا أساهم في الحرب الدائرة عليه لكننا اتفقنا على أن السادات أجهض نصراً كبيراً وأن السياسة خذلت ما حققه الجنود.
رغم سنوات الألم في السجن فإنك رفضت التقدم بالتماس للعفو عنك؟
لأنني كنت على قناعة بأن الاعتذار للسادات معناه أن أفقد نفسي للأبد وهذا ما قلته للقيادة الأمنية الكبيرة التي جاءت تبشرني بقرب الإفراج عني إذا تقدمت باعتذار مكتوب وهذا أقصى درجات الصدق مع النفس وهذه الكلمة ضايقت السادات جداً فكيف لي أن أعتذر لشخص سجنني 5 سنوات دون أي ذنب؟!. وقلت وقتها «إذا كان هناك من ينبغي أن يعتذر للآخر فهو المطالب بالاعتذار لكن أن أعتذر عن خطأ لم أرتكبه فسأفقد نفسي إلى الأبد أما إذا كان لي عمر فسأخرج» وأذكر أن السادات حكى هذه القصة بنفسه لعبدالقادر حاتم.
هل هناك من رفض كتابة الالتماس مثلك؟
علي صبري رفض ومحمد عروق وفريد عبدالكريم.
من الذين تتذكرهم من نجوم الإذاعة في ذلك الوقت؟
طبعاً أحمد سعيد الذي أصيب بالانهيار بعد صدمة يونيو وأميمة عبدالعزيز التي رفضت الانضمام للتنظيم الطليعي وعباس أحمد وسميرة الكيلاني وهمت مصطفى وكانت «عظيمة جداً لكنها فعلت أشياء ساذجة في الفترة الأخيرة بعدما التقت بالسادات» وطبعاً ليلى رستم وحمدي قنديل.
الثورات الإفريقية
بوصفك مسؤولاً عن ملف إفريقيا في المخابرات ثم رئاسة الجمهورية هل توافق على حق تقرير المصير للسودان؟
بكل تأكيد فلم يكن ممكناً الاحتفاظ بالسودان بحق الفتح، علماً بأن الاعتراف بحق تقرير المصير للسودان هو الذي سمح لنا بالانطلاق في إفريقيا، وكان هناك أمل في الوحدة على أن تكون طوعية وهذا هو الفارق بين ناصر وصدام.
لكن ما رأيك في إسناد ملف السودان لصلاح سالم عديم الخبرة؟
صلاح شخص ذكي جداً «وعمل حاجات كويسة وحاجات وحشة» إلى أن أسند الملف لزكريا محيي الدين وأنا معه وكنت آمل أن نحتفظ بوحدة طوعية مع السودان.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
27
حول ما تردد عن أن المشير دبر الانقلاب العسكري يوم 27 أغسطس قبل سفر عبدالناصر لحضور قمة الخرطوم عام 1967. قال محمد فائق نعم، كانت هناك شواهد كثيرة تؤكد ذلك؛ فهو لم يستجب لقرار عزله وحول بيته في الجيزة إلى قلعة، لكن عيوننا حتى داخل هذه القلعة أكدت وجود نوايا انقلابية لإعادة المشير للجيش، وهو ما لم يقبله عبدالناصر فقرر حسم الموقف.
موقف
قبل محمد فائق عضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي يتهمه البعض بأنه ديكوري لا يستهدف إلا تجميل صورة الدولة حيث ان إنشاء المجلس أحد مطالب الأمم المتحدة التي اشترطت توافر صفات معينة سميت بشروط باريس، وأهمها الاستقلالية عن السلطة التنفيذية، وأذكر أننا قاومنا قبل ذلك لجنة أنشأتها الحكومة ولم تتوافر فيها شروط الاستقلالية، غير أن هذا المجلس له دور حقيقي تنويري وتثقيفي بالأساس، وليس مطلوباً منه أي دور تنفيذي، وأعتقد أن نشر مجلس ينتمي للدولة تقريراً عن حقوق الإنسان يعترف بوجود حالات تعذيب أو قتل أو تجاوزات وانتهاكات يعتبر إنجازاً مهماً وهو بمثابة بلاغ أقدمه لرئيس الدولة يضعه في الصورة ويحمله المسؤولية، أما الدور التثقيفي فلا يقل أهمية، فهناك دورات لرجال القضاء والشرطة والسلك الدبلوماسي لتعليمهم مبادئ حقوق الإنسان.
مسؤولية النكسة
بشأن المسؤول عن الهزيمة وهل هي القيادة السياسية التي زجت بالجيش في معركة غير محسوبة، أم القيادة العسكرية غير المؤهلة التي لم تكن على مستوى الاحتراف، أوضح فائق ان الاثنتين معاً، لو أعفينا عبدالناصر والقيادة السياسية فنحن نلوي رقبة التاريخ، لكن مسؤولية المشير أكبر بكثير؛ فلا يمكن تبرير الهزيمة، بل يمكن تفسيرها بنجاح الانقلاب النصفي الذي قاده عامر، فهي الخطوة الأساسية التي أوصلتنا إلى النكسة، غير أن هذا لا ينفي أن عبدالناصر وقع في الفخ المنصوب له، والدليل على ذلك تحديد جونسون موعداً لمقابلة زكريا محيي الدين نائب عبدالناصر يوم 6 يونيو رغم أنه يعرف بموعد الحرب في 5 يونيو أي أنه شارك في خطة خداع مصر.
وعن مقتل المشير كما ذكر كثيرون، قال هذه مجرد قصص، فهذه القضية خضعت لأوسع التحقيقات التي أشرف عليها أحد رجال المشير وهو الدكتور عصام حسونة، وزير العدل آنذاك.
اضاءة
باسم مستعار وجواز سفر لبناني مزور نجح الرجل في الدخول إلى مجاهل إفريقيا ليصبح أذن ولسان جمال عبدالناصر في القارة السمراء، ومن الإذاعة الوليدة أدار باقتدار كل معارك حركات التحرر الوطني الإفريقية حتى نجح أغلبها في انتزاع الاستقلال من براثن الاستعمار، ومن الإذاعة أيضاً قاد ببراعة معركة إعادة بناء ثقة المصريين في قواتهم المسلحة، ومنها أيضاً أذاع بنفسه بيان استقالته مع كل من سماهم السادات «مراكز القوى».
إنه وزير الإعلام الشهير وداعية حقوق الإنسان الأبرز وشيخ الحقوقيين العرب محمد فايق الذي آثر أن تكون «البيان» محطته التي يبث منها اعترافات طوي عليها شغاف قلبه طويلاً، ويكشف لقرائها حقائق تعمد أن يخفيها عقوداً



