من مساعي لقاء عبد الحميد سكرتير صدام والإيحاء بأنه سيقدم ما يتم الكشف عنه، وهو ما لم يحدث، ينقلنا المؤلف إلى الحديث عن تفاصيل عمليات استجواب صدام بشكل يوحي بأنه مستودع أسرار، ورغم أن ذلك قد يكون حقيقيا إلا أنه على صعيد القضية الأساسية التي يسعى المؤلف إلى الكشف عن خباياها ليس صحيحا.

حيث انتهت كل الاستجوابات لصدام وغيره من المسؤولين العراقيين دون الكشف عن أسلحة دمار شامل القضية الأساسية التي بنت عليها إدارة بوش مشروع غزوها للعراق.واستكمالا للمعلومات التي تشير إلى أن سكرتير صدام كشف عنها يذكر المؤلف أن من بين هذه المعلومات قضية التعامل العراقي مع الأمم المتحدة. فقد أمر صدام، وفق رواية سكرتيره، طارق عزيز في 1991 بالتعامل مع الأمم المتحدة للخروج من العقوبات. إذا كان صدام سعى إلى تحقيق هدف تجاوز العقوبات وبسرعة فإنه يبدو من رواية عبد الحميد أن أداء عزيز لم يعجب صدام كثيرا وهو ما جعله يلومه قائلا: «لقد أعطيت كل شيء للأمم لمتحدة ولكن لم تنجح في الحصول منها على شيء في المقابل». كما انتقد باقي أعضاء اللجنة عزيز على هذه النتيجة.

وينقل عبد الحميد عن صدام قوله لعزيز إزاء ضيق الخناق عليه بشأن التفتيش على برامج التسلح العراقية إن عليه أن يخبر العلماء أن يحتفظوا بالخطط في رؤوسهم وأنه سيأتي اليوم الذي سيخرج فيه العراق من الحصار ويستمر في نشاط تصنيع الأسلحة ويحقق التوازن الدولي ويحمي كرامة العراق والعراقيين والأمة العربية.

تفتيش رأس صدام

على شاكلة عبد حميد جرى احتجاز صدام في معسكر السجن العسكري الذي أقامته الولايات المتحدة على خلفية الغزو. غير أنه على خلاف عبد الحميد وآخرين كان صدام موضوعا في مكان وحده في مبنى منفصل دون أن يسمح له بالاختلاط مع الآخرين. وفي عودة إلى التأكيد على الأهمية التي يحتلها صدام يقول دولفر: لقد استطعنا القيام بتفتيش كل المواقع واعتقال أغلب المطلوبين غير أن ما كان يجرى البحث عنه كان يوجد في رأس صدام نفسه.

وبعبارة بليغة يقول المؤلف لقد كان صدام هو النظام العراقي. فلكي يفهم المرء النظام وآليات عمله فإنه يجب عليه ان يفهم صدام. كان ذلك عاملا معقدا وبسيطا في الوقت ذاته. فمن ناحية فلكي نفهم أفعال الحكومة يجب فقط أن تفهم رجل واحد والنظام حوله. ومن ناحية أخرى فإن هذا الرجل ليس شخصا عاديا.. فقرارات امتلاك او عدم امتلاك أسلحة دمار شامل كانت قرارات تتعلق بشخص صدام.

وكذا قرارات أن تستخدم أو لا تستخدم هذه الأسلحة كانت تخصه هو. واذا ما كان لنا أن نفهم هذه القرارات ونتعلم منها فإنه كان من الحيوي أن نفهم صدام. لقد كان محور المأساة العراقية كيف تصرف صدام وكان رد فعله على الأحداث والسياسات سيبين كيف سارت الأشياء خطأ وكيف يمكن لها ان تسير الوجهة ذاتها مرة أخرى؟

ولذلك كان من الحيوية البالغة رؤية كيف رأى صدام العالم؟ وعلى ذلك يقول المؤلف إنه حاول التسلل إلى عقله ما أمكن ذلك. الكثير من القرارات عبر العقود الثلاث الماضية كانت تقوم على أساس رؤية صدامية كرتونية. لم يكن هو ذاته كرتونيا ولكنه كان عبقري وموهوب على نحو كارثي وبطريقة سوداوية. إن صدام يفهم ما يحرك الناس في مستوياتهم الأساسية وقد كان لديه موهبة استعمال القوة وكان يمزج بين المكافأة والعقوبة بطرق سيطر بها على الدولة التي كانت أوضاعها تؤهلها للإنفجار. وقد فرض على العراقيين طاعته مدة تتجاوز ربع القرن وعلى العالم أن يأتي إليه كذلك.

لحظة الإعتقال

هنا يعرض للحظة التي جرى فيها القبض على صدام في 13 ديسمبر 2003 بعد نحو تسعة شهور من الغزو. لقد أرشد مخبر من بلدته عن مكانه وعندما جرى القبض عليه راح يقول: «أنا صدام حسين رئيس العراق. إنني مستعد للتعاون مع الرئيس بوش». يشير إلى أن الوصول إلى هذا المخبر لم يكن سهلا حيث جاء بعد سلسلة طويلة من الاستجوابات التي قامت بها الـ «سي أي ايه» للمقربين من صدام خاصة الدائرة المقربة منه

في واشنطن كانت التوقعات كبيرة بأن يكون اعتقاله نقطة تحول في مسار الاحتلال. وأن العنف الذي يتنامى في بغداد بعد الغزو وكذلك أن كل العناصر الموجودة للحكومة السابقة ستنهار. كان الافتراض أن العنف نتج بشكل أساسي من العناصر المحدودة من البعثيين السابقين. وبشكل خاص الحرس الجمهوري وقوات الأمن أو ما يسمى بالعناصر السابقة في النظام وعلى ذلك راح بوش يعلن في اليوم التالي أن القبض على ذلك الرجل كان حيويا من أجل تعزيز حرية العراق.

وكان الأمل أن إدراك الناس ان صدام لن يعود سيجعلهم يتخلون عن مواصلة القتال. كان هناك رفض لوصف المعارضة بأنها تمرد كما لم يكن الرئيس أو رامسفيلد أو بريمر يرون تنامي عوامل الانقسام على الصعيد الطائفي. لم يكن بريمر يدرك أنه قضى على البنية الأساسية في العراق دون أن يوفر البديل او الأمل بأنه سيكون هناك مستقبل لمن تم تشتتيهم من الجيش أو من عناصر البعث الذين كان لديهم المعرفة الكافية بكيفية إدارة الأوضاع بما في ذلك عملية إدارة المياه والكهرباء.

ما بدا واضحا أنه ليس صدام أو حتى جماعة المؤتمر الوطني العراقي هم الذين يملكون التأثير على الطريق الذي تنتهجه المعارضة والتي تطورات لتصل حد المقاومة المسلحة، وهي مقاومة لم يكن هناك وحدة تجمعها أو حتى أهداف مشتركة.

يعرض بعد ذلك لاستجواب صدام حيث تم تسجيل إجاباته على الأسئلة التي كانت توجه له. كما تم كذلك تسجيل وصف صدام لقراراته التي اتخذها منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية حتى اليوم. ورغم ذلك فإن دوافع صدام للحديث كانت محدودة. كان تركيز فريق الإستخبارات على القضايا التي تهم واشنطن وعلى رأسها أسلحة الدمار الشامل، التمرد أو المقاومة الجارية في العراق، والروابط الخاصة بالإرهاب. لم يحصل المحققون على الكثير بشأن برنامج أسلحة الدمار الشامل، أو التمرد ولكن على الكثير من التفصيلات بشأن رؤى صدام للتاريخ والتي بدت مذهلة. كان صدام يحاول السيطرة على نفسه بشكل كبير وعلى نحو بالغ الحذر.

وقد تمكن المحققون، على ما يذكر المؤلف، من الحصول على مادة ستصبح يوما ما لا تقدر بثمن للمؤرخين، وقد عملوا في البداية على كسب ود صدام من خلال تقديم العديد من التسهيلات له في السجن مثل تزويده بالكتب ومنها كتب نجيب محفوظ.

تبخر آمال الهدوء

وعودة إلى واشنطن فإن دفعة الأمل بأن صدام يمكن أن يكشف موقع أسلحة الدمار الشامل وأن المقاومة يمكن أن ينهار ذابت مع حلول الانتخابات الأميركية المقبلة، فردود صدام بشأن تعليقات صدام بشأن أسلحة الدمار الشامل كانت وجيزة. لقد أكد أن العراق لا يملك شيئا من هذه الأسلحة ثم أضاف: إذا كنتم استطعتم الوصول إلى خائن حدد موقعي فلماذا لا تتمكنون من العثور على خائن يحدد لكم موقع أسلحة الدمار الشامل؟ ومع حلول منتصف يناير بدا من الواضح أنه لن يكون هناك تطورا ذي قيمة على هذا الصعيد، وهو ما أدى إلى تحول التركيز على مسائل يمكن لها في النهاية أن تستخدم في المحكمة وعند هذا الحد تحول استجواب صدام إلى الإف بي آي وفق رواية المؤلف.

يقول المؤلف: لقد كان واضحا لي أن صدام مختلف وأن استجوابه يجب أن يكون مختلفا كذلك. لم يكن يجري السماح لأحد بزيارة صدام سوى وفد من الصليب الأحمر، كما جرى السماح بزيارة واحدة لوفد من الحكومة الإنتقالية ضم عدنان باجي جيه وموفق الربيعي وعادل مهدي وأحمد الجلبي زاره في اليوم التالي للقبض عليه. وكان يتم السيطرة والتحكم في المعلومات التي تصل إلى صدام والذي كان يعرف أنه يمكن أن يواجه المحاكمة وأن أي شئ يقوله قد يستخدم ضده.

المهم أن استجواب السي أي ايه انتهى مع نهاية يناير 2004. وحسب ما يذكر المؤلف فإن صدام كان واقعيا بما فيه الكفاية ليدرك أن المستقبل أمامه محدود. وفي إطار محاولة الوصول إلى ما كان يضمه في ثنايا تفكيره وما يخفيه من أسرار جرى تعيين محقق خاص له من أصل لبناني يدعى جورج بيرو وجعله وسيلة صدام الوحيدة للنظر إلى العالم وكان المؤلف يلتقي بيرو ويناقشان سير جلسات التحقيق.

من خلال الجلسات بدا صدام غير متأثر بمقتل ولديه قصي وعدي حيث لدى إثارة أمرهما معه لم يبد أي مشاعر كان ذلك رد فعل غريب. لم يبد حتى ضيقه أو نقمته على الولايات المتحدة بشأن موتهما.

ومع ذلك يشير إلى أنه تم التوصل إلى الكثير من الحقائق من خلال الحوارات التي تم إجراءها مع صدام. ففي الأيام الأولى كان صدام يتعامل على أنه الرئيس،وشيئا بشئ توثقت العلاقة بين صدام وبيرو كثيرا حتى أنهما كانا يستفيضان في كل الموضوعات وكان من بين ما تطرق اليه صدام ارتباطه بالمرأة حتى أنه كان لا يتوانى عندما يتم إجراء فحص الدم له من قبل ممرضة أميركية أن يبدي إعجابه بها فيرد بيرو قائلا: لقد راحت عليك. كما راح صدام يكشف لبيرو أن قصوره الـ 37 إنما جاءت لخداع الولايات المتحدة حتى لا تنجح في استهدافه. من بين احتياطاته الأمنية ما يشير أليه المؤلف من أن الترزي الخاص به كان يصمم بنطلونات صدام وقد ضمت جيبا غير ظاهر يتمكن من خلاله من إخفاء مسدس.

الإسترسال في الحديث

ومع حلول ابريل كان صدام قد استرسل في الحديث دون أن يدري أنه قدم معلومات يمكن ان تستخدم ضده في المحاكمة. ومن ذلك أنه أقر باستخدام المدنيين كدروع بشرية خلال تمرد 1991 حيث كان يتم ربط المدنيين في مقدمة الدبابات.

من متابعته لحوارات صدام مع بيرو يقول المؤلف انه كان يناقش الأمر كما لو كان يناقش أحداث رواية لم يشارك في صنعها. وخلال لقاءاتهما يخبر صدام بيرو أن من بين كتبه المفضلة رواية إرنست همنجواي العجوز والبحر. كان صدام يحب الحديث عن أيام الثورة الأولى واعاد الحديث مرات عن قصة كيف أنه حاول اغتيال قاسم في 1959 وأنه هرب على ظهر حصان وعبر سابحا في نهر دجلة. كما قدم صدام الكثير من الرؤي بشأن باقي أفراد القيادة العراقية التي كانت تساعده في الحكم.

وبغض النظر عن كل ذلك فإن الأمر الأساسي الذي لم يتم انتزاعه من صدام لأنه لم يكن موجودا هو القضية الخاصة بأسلحة الدمار الشامل التي استدعت كل ما دار على صعيد العراق خلال العقدين الماضيين، ولتنتهي لعبة الإستغماية التي حرص الطرفان الأميركي والعراقي على خوضها بحقيقة أنه لا يوجد شئ بشأن مثل هذه الأسلحة وأن الأمر لم يكن يعدو سوى مغامرة غير محسوبة العواقب سواء من صدام الذي انتهت لعبته بالقضاء على حكمه أو من الولايات المتحدة التي انتهى الأمر بها إلى ورطة لا تحسد عليها في العراق.

الصفحات: 522 (متوسط)

الكتاب: الاستغماية.. البحث عن الحقيقة في العراق

تأليف: تشارلز دولفر

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: ببليك آفيرز