عندما يأتي الحديث عن «التعايش السلمي» عادةً، يتبادر إلى الأذهان صور لتلك الدول التي ابتليت بانقسامات في مجتمعاتها جعلت من الصعوبة بمكان لمكوناتها أن تتقاسم رغيف الوطن وتلتحف سماءه.
ولكن أن تكون العبارة جزءاً من العرف السياسي في بلدٍ ألهمت ثورته قبل أكثر من قرنين أحرار العالم ليتخلصوا من قيود «تعايشٍ» غير مرغوب فيه مع جلاديهم، فذلك ما لم يخطر على بال رواد الثورة الفرنسية عندما قرروا اقتحام سجن الباستيل قبل نحو 2640 شهراً !!.
تفرض التقاليد السياسية في فرنسا حالةً من التوازن بين منصبي الرئاسة ورئاسة الوزراء في وضعٍ عرف على الدوام على أنه «تعايشٍ اضطراري» بين حاملي المنصبين خاصةً إذا كانا من حزبين متنافسين. فبحسب الدستور هناك، يتوجب على الرئيس أن يعين رئيس حكومة يتبع حزب الأغلبية في البرلمان. وهو ما يعني أن على سيد قصر الإليزيه أن يشاطر صلاحيته مع سياسيٍ منافس يشكل بالنسبة إليه تهديداً مباشراً لديمومة حكمه بصفته المسؤول عن السياسات الداخلية والفائز في الانتخابات التشريعية، في حين يلتفت الرئيس على وجه التحديد إلى رسم السياسات الخارجية والدفاعية.
وعليه، شهدت الجمهورية الخامسة في فرنسا فتراتٍ عديدة كان لزاماً على سياسييها أن «يتعايشوا» سويةً بما عناه ذلك من كرهٍ موجود و وودٍ مفقود. وكان أبرز تلك الفترات إبان حقبة الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران الذي أمضى عامين بين 1986 و1988 مع غريمه الديغولي جاك شيراك قبل أن يكررهما مع إدوار بالادور بين 1993 و1995.
وكان شيراك نفسه، والذي خلف ميتران في الإليزيه، عرضةً لفترة تعايشٍ دامت خمسة أعوام كاملة شهدت الكثير من الشد والجذب مع رئيس الحكومة الاشتراكي ليونيل جوسبان الذي حاول عبثاً خلافته قبل أن يخسر الانتخابات الرئاسية بهزيمةٍ مدوية العام 2002. وكان الرهان الخاسر الذي أوصل شيراك إلى قبوله مكرهاً بجوسبان قراره حل البرلمان العام 1997، الذي شبهه كثيرون بلعبة الروليت، عله ينجح في إبعاد الاشتراكيين فجاء هؤلاء بأغلبيةٍ ساحقة اسودت معها الحياة السياسية أمام عيني شيراك.
أما الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، فيعيش هذه الأيام تفاصيل «محكمة العصر» مع رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان الذي نافسه على خلافة شيراك قبل عامين ونصف وسبقه في وزارة الداخلية. وتعود تفاصيل الحكاية إلى خمسة أعوام خلت حينما حاول الرجلان نيل ثقة يمين الوسط تمهيداً لانتخابات الرئاسة العام 2007 فزعم أن دو فيلبان ضلل العدالة وشوه سمعة ساركوزي بإلصاقه تهماً زائفة بالأخير تتعلق بتلقيه رشيً لتسهيل صفقة أسلحة مع تايوان.
ويكمن عزاء الفرنسيين أنهم ليسوا الوحيدين على ساحة «التعايش» المكروه، حيث امتدت تلك اللعنة إلى النظام السياسي الأوكراني الذي ينتظر انتشاله من حالة الجمود التي يعاني منها بسبب خلافات حليفي الأمس وخصمي اليوم رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو والرئيس فيكتور يوشينكو. وتبدو الحال مشابهة إلى حدٍ كبير أيضاً على المسرح الفلسطيني الذي ينوء برئيسٍ «فتحاوي» ورئيس حكومةٍ «حمساوي» باعد بينهما قدر السياسة وفرقتهما أصوات الناخبين.
رؤوف بكر
