فاز الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس بجائزة «نوبل» للسلام لما رأت اللجنة «جهوده الاستثنائية من اجل تعزيز الدبلوماسية الدولية والتعاون بين الشعوب». وبينما انقسم العالم بين مرحب ومتفاجئ ومنتقد.. رأى الرئيس الفائز أنه «لايستحق الجائزة» وأنه «فوجئ» بمنحه إياها، معتبراً أنها تأكيد على طموحات يتطلع لها العالم و«نداء للعمل».

وكان قرار فوز أوباما بالجائزة، من بين 205 مرشّحين، مفاجئاً، لكن البعض رأى فيه تكريما لأوباما في أول عام له بالسلطة واعتمد على وعوده أكثر من انجازاته وأثار إشادات وانتقادات في أنحاء العالم. من جانبها، أشادت اللجنة النرويجية التي تمنح جائزة نوبل للسلام بأوباما «لجهوده غير العادية لتعزيز الدبلوماسية الدولية والتعاون بين الشعوب» واستشهدت بمحاولته الوليدة لنزع الأسلحة النووية وتواصله مع العالم الإسلامي..

لكن المنتقدين وصفوا قرار لجنة نوبل بأنه متسرع بالنظر إلى أن أوباما لم يحقق حتى الآن سوى بضعة نجاحات ملموسة في الوقت الذي يجاهد فيه لحل أزمات عالمية تتراوح من الحرب في أفغانستان والصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى مشكلات نووية مع إيران وكوريا الشمالية. لكن أمام هذه الانتقادات، قال رئيس اللجنة ثوربيورين ياغلاند ان «اللجنة علقت أهمية خاصة على رؤية أوباما وجهوده من اجل عالم خال من الأسلحة النووية».

وأضاف ياغلاند أن الفائز بالجائزة «بصفته رئيسا، اوجد أوباما مناخا جديدا في السياسة الدولية. لقد استعادت الدبلوماسية المتعددة الأطراف موقعا محوريا، مع تركيز على الدور الذي يمكن للأمم المتحدة وباقي الهيئات الدولية ان تقوم به». وتابع القول إنه «نادرا ما نجح شخص في استقطاب انتباه العالم برمته وإعطاء سكانه الأمل بمستقبل أفضل، مثلما فعل أوباما».

ودافع رئيس لجنة «نوبل» عن قرار اللجنة منح الجائزة للرئيس الأميركي الذي لم يمض على توليه رئاسة الولايات المتحدة سوى أقل من تسعة شهور، فقال ان «كل ما حدث في العالم منذ تولي أوباما حكم أميركا وكيف تغير المناخ الدولي يعتبر أكثر من كاف للقول إن أوباما اوفى بما جاء في وصية ألفريد نوبل ألا وهو ضرورة منح الجائزة لمن بذل أكثر من أجل التآخي العالمي ونزع السلاح خلال العام السابق، ولمن دعم التعاون والحوار».

ورداً على اتهام لجنة نوبل بأن قرارها منح الجائزة لأوباما كان قرارا «شعبويا» قال الاشتراكي ياغلاند الذي تولى من قبل منصب رئيس الحكومة النرويجية ومنصب وزير الخارجية «ان على من يرى ذلك أن يضع الواقع العالمي نصب عينيه، ليس لدي ما أقوله أكثر من ذلك».

أوباما: نداء للعمل

من جانبه، قال الرئيس باراك أوباما انه فوجئ بفوزه بالجائزة، لكنه أضاف أنه قبل التكريم كـ «دعوة للدول كي تتحرك لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين». وقال للصحافيين في حديقة الورود بالبيت الأبيض: «فوجئت وأشعر بامتنان عميق لقرار لجنة نوبل». وأضاف: «لا أنظر إليه (القرار) على أنه اعتراف بانجازات حققتها وإنما كتأكيد لقيادة أميركية من أجل طموحات يتطلع إليها الناس في أرجاء العالم»، قائلاً إنه «يشعر بالتواضع إزاء هذا الشرف» ويعتبر الجائزة «نداء للعمل».

ثالث ديمقراطي

وسيتم تسليم الجائزة في أوسلو في العاشر من ديسمبر الذي يصادف ذكرى وفاة مؤسس الجائزة الصناعي ورجل الخير السويدي نوبل، وهي تتضمن ميدالية وشهادة وشيكا بقيمة 10 ملايين كورون سويدي (حوالي مليون يورو).

وأوباما هو ثالث مسؤول ديمقراطي أميركي كبير يفوز بجائزة نوبل للسلام في غضون أعوام قليلة بعد جيمي كارتر (2002) وآل غور (2007). وكانت قائمة المرشحين للفوز بجائزة نوبل للسلام هذا العام حطمت رقما قياسياً، إذ بلغ عدد المرشحين لنيلها 205 بين أفراد ومنظمات.

تباين في المواقف

على الصعيد الدولي تباينت ردود الأفعال، وكان الأسرع من إيران التي أملت في أن يكون بداية صفحة جديدة، فيما أعرب كثيرون، من بينهم الروس، عن الدهشة.ففي إيران، أعلن مستشار الرئيس الإيراني علي اكبر جوانفكر أن منح الرئيس الأميركي جائزة نوبل للسلام يجب أن يحثه على إنهاء الظلم في العالم.

من جهتها، أبدت روسيا ترحيبا مصحوبا بالدهشة. ورأى نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الروسي (دوما) ليونيد سلوتسكي أن تكريم أوباما بهذه الجائزة يعزز «الحراك الذي بدأ في العلاقات الروسية الأميركية». وقال زعيم الشيوعيين جينادي زيغانوف في «دوما» إن قرار منح أوباما جائزة نوبل لم يكن متوقعا وأنه جاء بمثابة «عربون مقدم للثقة» وأن تكريم أوباما يعتبر «مطالبة واضحة له بألا يسعر الحرب ضد إيران». وفي المقابل، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن أوباما «يجسد روحية جديدة من الحوار».

ترحيب عربي

على الصعيد العربي، أعرب الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عن أنه «سعيد جدا» بفوز أوباما معربا عن أمله في أن يسهم ذلك في دفع جهود السلام في الشرق الأوسط.وأضاف موسى أن هذا الفوز «تعبير عن اقتناع العالم بما تحدث عنه (أوباما) في خطته سواء فيما يتعلق بنزع السلاح النووي في العالم أو تدخله للوصول لحل عاجل للمشاكل العالمية بما فيها الصراع العربي الإسرائيلي».

وفي فلسطين، هنأ الرئيس محمود عباس الرئيس الأميركي عن أمله في أن يتحقق السلام في عهده. وفي المقابل، رأت حركة «حماس» انه على لايزال أمام أوباما الكثير ليقدمه «ليستحق» الجائزة، وقال الناطق باسم «حماس» سامي أبوزهري إن «أوباما لم يقدم شيئا للفلسطينيين إلا الوعود والنوايا مقابل دعم مطلق للاحتلال الإسرائيلي».

ردود فعل متباينة في العالم الاسلامي

أرسل العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني برقية تهنئة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد نيله جائزة نوبل للسلام، معربا عن «الحرص للعمل مع الرئيس اوباما لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة وفق المرجعيات المعتمدة التي تضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني وتعيش بأمن وسلام إلى جانب اسرائيل».

العراقيون: أفضل من بوش

أما في العراق، حيث انسحبت القوات الاميركية من المدن الكبرى بناء على قرار لاوباما، فاعتبر سكان في بغداد ردا على سؤال لوكالة فرانس برس ان الرئيس الأميركي يستحق هذه الجائزة «لأنه أفضل من سلفه جورج بوش وكان قادرا على تهدئة الوضع في العراق وبلدان أخرى وحقق تقاربا بين الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية». وبينما خرج أبناء البصرة من ذوي البشرة السمراء في احتفالات راقصة بالفوز.. قال كاظم حسين احد سكان بغداد: «نامل ان يفي بوعوده التي قطعها حول الانسحاب ومساعدة الشعب والحكومة العراقيين».

وفي الخليج، بعث امير دولة الكويت الشيخ صباح الاحمد الصباح ببرقية تهنئة الى اوباما، ومثله الرئيس اليمني علي عبدالله صالح.وفي أفغانستان وباكستان، جابت مسيرات منددة بإعطاء الجائزة إلى أوباما بينما هو يحشد القوات في أفغانستان.

«نوبل».. جدل وقرارات غريبة

أثارت جائزة نوبل للسلام الكثير من الجدل عبر مسيرتها التي دامت أكثر من قرن، ففي حين بلغ المرشحون لنيل الجائزة لهذا العام 205 أشخاص وهو رقم قياسي، رفضت الأم تيريزا التي رحلت العام 1997 حضور مأدبة تقام للفائزين بالجائزة في العاصمة النرويجية أوسلو عندما حضرت لتسلم جائزتها العام 1979 قائلة إن الفقراء «سينتفعون بشكل أكبر من النقود». وألغيت المأدبة نتيجة لذلك.

أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر فهي أكثر من فاز بالجائزة بعدما حازت عليها أعوام 1917 و1944 و1963. تقاسم مؤسس اللجنة السويسري هنري دونانت الجائزة الأولى العام 1901، في ما ألقى محتجون كرات من الثلج على السفير الأميركي في أوسلو عندما حضر لتسلم الجائزة نيابة عن وزير الخارجية هنري كسينجر العام 1973 للعبه دور الوسيط في اتفاقية سلام فاشلة لإنهاء الحرب في فيتنام. ورفض زعيم فيتنام الشمالية لي دوك تو الجائزة المشتركة وهو الأمر الذي اعتبر الأكثر إثارة للجدل في تاريخ «نوبل».

ولعل الإثارة لم تغب حينما رشح الزعيمان الألماني النازي أدولف هتلر والسوفييتي جوزيف ستالين، في وقتٍ كان فيه الأول حظر على شعبه قبول الجوائز تعبيراً عن استيائه بعد أن ذهبت جائزة العام 1935 للكاتب الألماني المناهض للنازية كال فون أوسيتزكي. وأثر هذا القرار على ثلاثة علماء ألمان فازوا في مجالات الكيمياء والطب أواخر الثلاثينات.

(وكالات)