نتابع مع المؤلف في هذه الحلقة تفاصيل عملية انتهاء مهام لجنة الأمم المتحدة المكلفة نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق، والخبايا التي أحاطت بهذه العملية ومثلت صراع إرادات بين بغداد وواشنطن وكيف أن الأولى نجحت في مسعاها ذلك بفعل تعاون ومساندة روسيا وفرنسا، وهما اللذان يشير المؤلف إلى أنهما كان يمثلان عقبة في طريق فرض المزيد من العقوبات على العراق، في ضوء وعدهما لبغداد برفع العقوبات على نحو ما أشرنا في الحلقة السابقة، الأمر الذي كان من الواضح أن جهود «يونسكوم» قد تقف حائلاً دون تحققه.

على ذلك بدأ العراق على وقع هذا الفهم تحريك قواته بما في ذلك قوات الحرس الجمهوري إلى جنوب العراق بشكل يهدد معه الكويت. كان نتيجة ذلك أن وجد الرئيس كلينتون نفسه مضطراً لاتخاذ وضع لاستعداد العسكري في المنطقة. يذكر المؤلف أنه في جهد من روسيا لمساعدة العراق توجه وزير الخارجية الروسي أندريه كوزيروف آنذاك لمقابلة صدام وبعد الاجتماع وافق العراق على عودة قواته. وقد ضغطت روسيا كذلك على العراق من أجل قبول الاعتراف بالحدود مع الكويت رسميا. وطبقا لطارق عزيز وقياديين عراقيين آخرين فإن الروس قالوا أنه إذا أقر العراق تلك الخطوات فإن روسيا ستضغط على المجلس من أجل رفع العقوبات، الموقف الذي كان له تأثير محبط على بغداد جراء فشل موسكو في تنفيذ وعدها.

ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى نهاية عمل «يونسكوم» فيذكر أنه في يونيو 1997 استقال السفير رالف إيكيوس لكي يصبح سفيراً للسويد في واشنطن ومن الأمور التي يجدر الإشارة إليها هنا ولم يتطرق لها المؤلف التصريحات التي أدلى بها إيكيوس فيما بعد استقالته وتشير إلى وجود أهداف أميركية من عمليات التفتيش تتجاوز أهداف المنظمة الدولية حيث أشار في أحد تصريحات إلى أنه ليس هناك أي شك في ان الولايات المتحدة أرادت من خلال التأثير على المفتشين ان ترتب مصالحها الأساسية وقد اهتم عدد من المفتشين والأميركان خاصة ـ المفترض أن المؤلف من بينهم أو على رأسهم بمعنى أصح - بجمع معلومات عن مجالات أخرى خارج نطاق عملهم مثلاً عن تنظيمات الدوائر الأمنية وقدرة العراق من السلاح التقليدي. ويضيف إيكيوس أنه «أثناء رئاستي للـ «يونسكوم» كنت أدرك ان هذه النشاطات تعني سوء استخدام اقصد نشاطات مثل محاولات جمع المعلومات عن مجالات أخرى في العراق لم تكن ضمن تفويض الأمم المتحدة وقد كان خطأ كبيراً ان تستخدم المنظمة الدولية غطاء لمثل هذه النشاطات وهذا أعطى الحق للعراق للشك في جميع أجهزة التفتيش.

تحيز باتلر لواشنطن

المهم أن كوفي عنان اختار الأسترالي ريتشارد بتلر خلفا لإيكيوس لكي يصبح رئيساً للجنة. لقد جاء باتلر في وقت حرج ومختلف حيث التفكك سمة عمل مجلس الأمن فيما بدأ صبر العراق ينفد. وكانت تفاصيل القضايا المتعلقة بمهام عمل «اليونسكوم» دخلت مرحلة تفصيلية من الصعب على الوافد الجديد استيعابها فيما أن العراقيين لديهم كل تفاصيلها.

وعلى هذا حاول العراقيون انتزاع كل ما يمكنهم جراء هذا التطور. وفي أول لقاء رسمي لباتلر مع عزيز في بغداد حاول الأخير أن يستحوذ عليه من خلال الصداقة. الأمر الذي لم يلق الترحيب من قبل أعضاء اللجنة الذين رأوا أن جهدهم يمكن أن يضيع هدرا وأن الأمور قد تنتهي إلى حل للجنة.

يقول المؤلف انه كتب مذكرة إلى باتلر لكي يضعه في حقيقة الموقف بشأن العراق، وأن الأمر ليس على غرار محادثات نزع التسلح في أوروبا وأن الطرف الآخر ومن يمثلهم على مائدة المفاوضات بعيداً عن السيجار الكوبي أو غيره قتلوا بشكل مباشر أو غير مباشر الكثيرين من الناس، وأن دوافعهم وأفعالهم ستكون مختلفة وأن هؤلاء العراقيين سيستغلون أي ميزة تشير إلى نوع من الليونة أو الضعف في الموقف الدولي.

من الغريب أن المؤلف هنا يشير إلى سلبيات الموقف العراقي دون أن يتطرق في ثنايا تناوله إلى الأبعاد الخاصة بالموقف الأميركي على نحو ما أشرنا إليه من خلال تصريحات إيكيوس على سبيل المثال.

وإثر ذلك قرر باتلر التعامل مع العراقيين بطريقته وبشكل لم يلق الترحيب من قبلهم حيث كان رد فعلهم معاملته، حسب توصيف المؤلف، باحتقار ودمغه بأنه عميل لواشنطن والسعي في الوقت ذاته لتقويض مهامه في مجلس الأمن من خلال روسيا وفرنسا.

غير ان المؤلف يشير إلى أن باتلر كان في الحقيقة بالغ القرب من الإدارة الأميركية وفي بعض الأحيان كان قريباً بشكل مبالغ فيه. ويقول ان إدارة كلينتون غوته وأولته المزيد من الاهتمام وبدأت في استغلال ذلك كميزة من أجل أهداف داخلية.

وبعد نحو ثلاثة شهور من تولي باتلر مهمته وجد العراق نفسه مدفوعاً لتعاون محدود وفي سبتمبر 1997 أقر باتلر خطة تم تطويرها لإغراق العراق بطوفان من فرق التفتيش وقد نجح في ذلك. يقول دولفر: كان هناك العديد من العقبات والمواجهات التي أسفرت عن الوصول إلى أدلة على خداع عراقي فيما يتعلق بأنشطته غير أن فرق التفتيش لم تستطع أن تحدد ماهية ذلك الخداع بشكل كبير.

هجوم دبلوماسي عراقي

إثر تلك الأوضاع بدأ العراق هجوماً مضاداً من أجل تقسيم مجلس الأمن حيث طلب نائب السفير العراقي سيد موسوي أن يرى المؤلف. لقد كان يلتقي الاثنان في لقاءات روتينية ويناقشان ما يريانه مناسباً غير أن موسوي هذه المرة أخبره أن عزيز سيعلن أن العرق لن يقبل مفتشين أميركيين ضمن الفرق الدولية في يونكسوم ـ 2 وأنه لن يضمن أمن اللجنة في العراق.

يقول المؤلف ان صدام لا بد أن يكون أقر هذا الأمر إن لم يكن هو صاحب الفكرة الأساسية. وعلى الفور قرر باتلر وقف كل أعمال التفتيش من قبل كل الجنسيات إذا لم يسمح العراق للأميركيين معلناً أن العراق ليس في وضع يسمح له باختيار جنسيات المفتشين أو أي شيء يتعلق بهم. بعد نحو أسبوعين طلب العراق من كل الأميركيين الموجودين ضمن فرق التفتيش أن يغادروا العراق بالبر عن طريق الأردن على الفور.

وكان موقف باتلر بالغ الحدة فإما أن يخرج كل المفتشين أو يبقوا كلهم. كان الروس يتحفظون على موقفه ولكنهم لم يجدوا أمامهم سوى مساندته. لقد تجاوز العراق كافة الخطوط، الأمر الذي انتهى بتراجع العراق إثر مفاوضات بين موسكو وبغداد.

في المقابل راحت موسكو تفرض المزيد من القيود على عمل «يونسكوم». فمثلاً طالبت بتغيير في إجراءات اللجنة كما أوصت بأنه بدلاً من وجود نائب واحد لرئيس اللجنة أميركي ـ هو المؤلف ـ فإنه يجب العمل على أن يكون هناك خمسة نواب واحد من بين كل دولة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

وقد عارض باتلر ذلك غير أن السفير الروسي نجح في أن يفرض على باتلر قبول مستشار سياسي روسي في طاقمه التنفيذي وقد كان دور المستشار هو تمثيل المصالح الروسية وأن يتابع عن قرب مسار النتائج التي تتوصل إليها اللجنة. كان من جراء هذه التطورات أن وجد باتلر نفسه منغمساً بشكل أكبر مع الأميركيين.

في تلك الأثناء ظهرت في الأفق ملامح فضيحة قضية مونيكا لوينسكي في يناير 1998 وقد قرأ العراقيون في الفضيحة ما يشي بتحول الموقف لصالحهم. هنا يشير المؤلف إلى أن العراق استغل ذلك التطور لصالحه حيث استطاع استمالة موقف عنان بشأن صلاحيات اللجنة معتبراً أن مطالب اللجنة بتفتيش المناطق الحساسة من دون أساس وهو ما لقي تأييداً من روسيا وفرنسا والأمين العام.

عنان وسيطاً

وقد عرض عنان نفسه كوسيط في الموضوع وهو ما قوض عمل اللجنة وبشكل خاص باتلر خاصة في ظل التقارير السلبية التي جرى تقديمها لعنان بشأن دور باتلر وما أثاره من مشاكل مع العراق.

كان مصدر الحرج أن واشنطن هي التي عززت فوز عنان وعلى ذلك راح كلينتون يهاتف يلتسين الرئيس الروسي آنذاك في محاولة لإقناعه بالتدخل من أجل تليين موقف عنان، مهدداً بأنه إذا لم ينصاع صدام بالدبلوماسية فإن القوة قد تكون سبيلاً لتحقيق ذلك. وعلى ذلك قرر عنان القيام بزيارة لبغداد لبحث الشكاوى العراقية بشأن المواقع الرئاسية التي يشير إليها العراق وقد التقته اولبرايت قبيل الزيارة في محاولة لوضع الخطوط التي يجب عليه ألا يتجاوزها وترى واشنطن وجوبيتها.

وفيما بين أغسطس ونوفمبر كانت هناك سلسلة من المناقشات الحامية بشأن التوصل إلى إجماع عما إذا كان العراق سيقبل التفتيش الكامل مرة ثانية. وفي 31 أكتوبر 1998 أعلنت بغداد انتهاء كل أعمال وأنشطة «يونسكوم» بما في ذلك فرق المراقبة وفيما بعد في اليوم ذاته وقع الرئيس كلينتون لتقرير أو إعلان تحرير العراق وهي الوثيقة التي توجه بمساندة الولايات المتحدة لجماعات المعارضة العراقية خاصة أحمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني وقد أعطى ذلك مؤشراً على استعداد الإدارة للمضي قدماً في سيناريو تغيير النظام.

رأت بغداد في الخطوة بمثابة تأكيد من واشنطن على عدم جديتها بشأن عملية نزع السلاح ورفع العقوبات. وبدا أن الحوار الأممي يسير في طريق مسدود وأن إدارة كلينتون تعد لضربات جوية.

تكثفت المحاولات لحل المشكلة واجتهد السفير العراقي نزار حمدون في التواصل مع فرنسا وروسيا على أساس يسمح بعودة المفتشين وأخيراً كان النجاح من قبل روسيا في التواصل مع سفيرها في بغداد وأن موسكو يجب أن توقف مبادرة واشنطن لشن هجمات على العراق.

وقد وافق مجلس الأمن على مد فترة التفتيش لمدة شهر، على أن يتم تقديم تقرير من قبل باتلر بشأن التزام العراق بشكل مرض وكان ذلك بمثابة نهاية اللعبة المتعلقة بالتفتيش. وعلى ذلك تم إرسال المفتشين مرة ثانية للتفتيش بما في ذلك المواقع الرئاسية وكانت النتائج غير مبشرة حيث هناك العقبات مرة ثانية فضلاً عن عدم إجابة العراق على الكثير من الأسئلة.

فوضى مجلس الأمن

يقول المؤلف ان المجلس كان يريد تقريراً من باتلر بأن الأمور تسير على ما يرام وأن الآلية التي تم تطبيقها منذ عام 1991 تعمل، غير أن الحقيقة ؟ وفق رؤية دولفر - أن المجلس لم يكن يستطيع إلزام العراق دون عقوبات أو عمل عسكري والتهديد العسكري لا يمكن أن يتم سوى من خلال الولايات المتحدة، وهو أمر بالغ الكلفة.

وفي 15 ديسمبر كتب باتلر تقريراً يقول فيه ان العراق غير متعاون بما فيه الكفاية. وعلى ذلك جرى إخلاء فرق «يونسكوم» إثر إشارات بأن هناك عملاً عسكرياً ضد العراق، وهو ما كان بالفعل.

حيث شنت الولايات المتحدة وبريطانيا حملة عسكرية محدودة تم توقيتها بعناية بين مغادرة كلينتون إسرائيل وبداية شهر رمضان في عشرين ديسمبر 1998 ما أدى عملياً إلى انتهاء مهمة «يونسكوم».

وكان المجلس يعيش حالة اضطراب حيث لم يكن هناك تفويض باستخدام القوة وراحت واشنطن تؤكد أن ذلك ليس ضرورياً في الوقت الذي أبدت فيه فرنسا وروسيا استياءهما من الموقف الأميركي. وقد راح عنان يعلق على ذلك مؤكداً أن العملية الأميركية تمثل يوماً محزناً في الأمم المتحدة والعالم مؤكداً أن السلام بأي ثمن أفضل من الحرب.

إضاءة

فيما يكشف عن استغلال أميركا لفرق التفتيش على العراق، أشار رالف إيكيوس رئيس اليونسكوم في تصريح له بعد استقالته من اللجنة إلى أنه ليس هناك أي شك في ان الولايات المتحدة أرادت من خلال التأثير على المفتشين ان ترتب مصالحها الأساسية وقد اهتم عدد من المفتشين والأميركان.

خاصة بجمع معلومات عن مجالات أخرى خارج نطاق عملهم مثلاً عن تنظيمات الدوائر الأمنية وقدرة العراق من السلاح التقليدي وأثناء رئاستي للـ «يونسكوم» كنت أدرك ان هذه النشاطات تعني سوء استخدام اقصد نشاطات مثل محاولات جمع المعلومات عن مجالات أخرى في العراق.

الصفحات: 522 (متوسط)

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: ببليك آفيرز