دقت أكثر من ثلاثين منظمة وهيئة جزائرية وإقليمية ودولية ناقوس الخطر أمام تنامي ظاهرة تعنيف المرأة في الجزائر سواء في البيت أو في الشارع وحتى العمل. واشتكت تلك المنظمات والهيئات وكذا عدد كبير من الشخصيات من ثغرات في القوانين تمكن المعتدين من عدم نيل العقاب.
وصدرت عن عدة جهات رسمية وحقوقية تقارير حملت إحصائيات مخيفة لعدد النساء اللاتي يتعرضن للضرب والاهانة والتحرش الجنسي ومختلف أنواع العنف الجسدي واللفظي، ودعت الحكومة الجزائرية إلى تعزيز القوانين وإيجاد آليات لحماية النساء.
وأرجعت دراسات ميدانية سبب العنف ضد المرأة إلى عوامل منها على وجه الخصوص صعوبة المعيشة التي تعكر صفو العلاقات العائلية، وأفادت أن أكثر من 80 بالمئة من حوادث الاعتداء الأسري على النساء يقع في الأوساط الفقيرة، بينما يندر العنف لدى العائلات الميسورة إلا ما يتعلق بالشرف.
وقالت سهام دالي وهي اختصاصية نفسية أن الوضع الاجتماعي يؤثر على سلوك الرجل الذي يعيل الأسرة ويخلق مساحات توتر مستمر تكون الزوجة في معظم الحالات هي نقطة الصدام. وقالت إن من بين الأسباب أيضا انتشار تعاطي المخدرات وسط قطاع واسع من الجزائريين من مختلف الأعمار، خاصة الشباب وهو توتر إضافي وفر شروطا جديدة للعنف ضد المرأة.
وأكدت مسؤولة قسم الأحداث بالمديرية العامة للشرطة خيرة مسعودان من جهتها أن اعتداء الأبناء على الأمهات زاد بصفة محسوسة في السنوات الأخيرة وهي ظاهرة خطيرة تعود لعدة أسباب بينها تعاطي المخدرات وأنواع الانحراف المختلفة في صفوف الأحداث والشباب.
وقد أشارت دراسة صدرت عن المعهد الوطني للصحة العمومية آخر العام 2008 وشملت أكثر من تسعة آلاف امرأة من مختلف الأعمار وقعن ضحية نوع من أنواع العنف أن 55 بالمئة منهن تعرضن للضرب والجرح المتعمد والاهانة في الوسط العائلي، خاصة من الزوج ومن الأشقاء وفي حالات قليلة من الأبناء.
وأن الباقي تعرضن للعنف في مواضع أخرى كمكان العمل والشارع والسوق وغير ذلك. وأفاد تقرير آخر أنجزه محققون وخبراء بأن واحدة من كل عشر نساء تعرضت للابتزاز والتحرش الجنسي غالبا من مسؤوليهن في العمل.
وقدم التقرير عينات من نساء وشابات ضحايا منهن من خضعن لشروط المسؤولين للحفاظ على مناصبهن وأخريات طردن بسبب حفاظهن على شرفهن.
وسألنا فؤاد بأي عن أسباب استفحال التحرش بمواقع العمل فقال ان الأمر يتعلق بوضع عام، فالمرأة التي تشتغل هي بحاجة إلى الأجرة وهي تريد دائما الحفاظ على أجرها. وضع نسبة عالية من عائلات الجزائر هش للغاية والفقر انتشر بصفة واسعة والحفاظ على منصب الشغل أمر حيوي لأن فقدانه يعني البطالة لقلة عروض العمل، وهذا المسؤول أو ذاك يعرف هذا الأمر فتجده يتجرأ على التحرش بالموظفات.
ووصفت المقررة الخاصة لدى الأمم المتحدة باكين أرتورك لدى زيارتها للجزائر وضع المرأة بالخطير كونها تعاني من شتى أنواع العنف ولا تجد ما تقاوم به. وانتقدت القوانين التي تترك المجال واسعا لإفلات المعتدين من العقاب.
واطلعت الموظفة الأممية لدى لقاءاتها مدة عشرة أيام بالجمعيات والمسؤولين وعشرات الضحايا على حالات مؤثرة منها مثلا القتل العمدي بداعي «مسح العار» أو ما يسمى عادة جرائم الشرف، ونساء طردن من العمل بعد رفضهن الفاحشة مع مسؤوليهن وأخريات دخلن المستشفى وأصبن بإعاقات دائمة وتشوهات بسبب تعرضهن للضرب والتعذيب من أزواجهن وأخوانهن.
فضلا عن حالات الاغتصاب التي تقع للمتشردات في شوارع المدن والتي أدت إلى إنجاب آلاف من الأطفال غير الشرعيين، وهي مشكلة أخرى كبيرة تمتد إلى جيل آخر.
أما المحامية صافية مداد فوصفت الذي يجري بالإرهاب الاجتماعي والجماعي وقالت ان معظم حالات تعنيف المرأة كانت غير مؤسسة ولم يكن لها مبرر غير غطرسة الجاني إن كان أخا أو زوجا أو أبا أو أي آخر.
وأعطت مثالا بفتاة في التاسعة عشرة قتلها إخوتها في منطقة القبائل بداعي الدفاع عن الشرف لعلاقتها بشاب، لكن بعد قتلها عرضت على الطبيب فوجد أنها عذراء ولم يسبق أن مسها شخص. وأكدت أن حالات مثل هذه كثيرة لكن يجري التكتم عنها لطبيعة المجتمع الرجالي المعقد.
وقالت المحامية فاطمة الزهراء بن إبراهيم إن الأرقام التي تشير إلى العنف ضد المرأة بما فيه الجسدي واللفظي والتحرش الجنسي لا تعبر أبدا عن الحقيقة، فهي النسبة اليسيرة مما يحدث في المجتمع من قهر يمس المرأة. فمعظم النساء لا يبلغن حين يتعرضن للضرب والإهانة من أزواجهن أو أشقائهن أو حتى أبنائهن حفاظا على تماسك الأسرة. ثم إن الكثيرات منهن لا يعرفن القانون وهن يعتبرن أن هذا الواقع هو ذاته القانون.
وقالت إن معظم من يبلغن حين يتعرضن للعنف يحملن قدرا من المعرفة تدفعهن للجرأة وتسمح لهن بالاجتهاد لبحث حقوقهن. وبخصوص التحرش الجنسي قالت «إن مهمة التبليغ في هذه الحالة أكثر تعقيدا.
فالمجتمع لا يرحم وتبدو المرأة التي وقع عليها التحرش سببا فيما وقع لها ولا يراها ضحية إلا القليل من الناس، وهي تفضل لذلك عدم التبليغ وتدرك أنها حتى لو كسبت القضية قانونا ستخسرها اجتماعيا، لأن المجتمع ينظر إليها من باب أنها باعت نفسها ثم اشتكت وهي نظرة تحجب الجرم على الجاني وتبقيه في وضع مريح، وخوفا من العار يتم التستر على الجناة».
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
