قبل نحو عشر سنوات أبدت مجموعة من الطلاب والطالبات ممن يدرسون في علم الآثار والفنون الجميلة بالجامعات الجزائرية، اهتمامهم بلوحات الفسيفساء الرومانية، وقدموا مشروعا لجمعها وترقيعها... كانت البداية مجرد فكرة لتجسيد هواية وحب استطلاع... المجموعة صارت اليوم فريقا متخصصا محترفا.
وتوسعت حتى صار بالإمكان تصدير خبراتها إلى دول أخرى، بفضل الرعاية التي وجدتها من السلطات في الجزائر وايطاليا ومنظمة اليونسكو. فكيف كانت الانطلاقة وما الذي تحقق حتى الآن؟
بدأت في عام 2003حلقة تكوين تجريبية بمدينة جميلة الأثرية في ولاية سطيف شرق الجزائر، دامت عشرة أيام وشارك فيها 13 شابا من الجنسين، بناء على اتفاق بين الحكومة الجزائرية ومنظمة اليونسكو.
المعهد المركزي للترميم بروما أشاد بالمبادرة وباركها، وحشد لها الدعم بإيفاد خبراء واختصاصيين من ذوي المستوى العالي، كما قدم مساعدات مادية مهمة. وعرض تمويل حلقات تكوين متواصلة لبناء فريق قوي من المرممين الجزائريين المهرة، بهدف بعث التراث الروماني عموما، والفسيفساء النفيسة على وجه الخصوص.
وفي ظرف وجيز تحولت حلقات التكوين إلى ورشة عمل دائمة بمدينتي سطيف وجميلة اللتين أسسهما الرومانيون في أواخر القرن الأول، وبداية القرن الثاني للميلاد باسمي سيتفيس وكويكول على التوالي.
وتم دعم الفريق بعناصر مهتمة بفن الترميم من خريجي وخريجات الجامعات في مجال الآثار والفنون الجميلة.
وشجعت الخطوة الجهات الحكومية في البلدين وعملت الوزارة الايطالية للأملاك والنشاط الثقافي بجد لشد أزر الفريق الجزائري الناشئ وساعدت بدورها وربطت صلات مع وزارة الثقافة الجزائرية وصار موضوع ترميم الفسيفساء خصوصا والآثار الرومانية عموما من بين النقاط الدائمة في جدول أعمال اللقاءات بين مسؤولي البلدين.
وتحدد هدف مشترك عمل له الطرفان بجد وهو تكوين فريق جزائري كبير وبمستوى تقني عال يؤهله للتكفل بترميم تلك التحف النفيسة التي تنفرد سطيف وجميلة ومدن جزائرية أخرى مثل تمجاد وتيبازة يبعضها ولا يوجد مثيل لها في أي مكان آخر من العالم. ويعتبرها الجانبان تراثا مشتركا يستحق العناية.
وبالنسبة للايطاليين فالأمر في غاية الأهمية كون الجزائر ـ حسب ما ورد في كتابات أوروبية موثقة ـ ذات أكبر مخزون للآثار الرومانية بعد روما الأم، وبها عشرات المدن الكبيرة والمتوسطة.
كما أنها من أجمل مدن حوض البحر المتوسط في زمانها وتعج كلها بقطع ثمينة من الفسيفساء ذات الرسوم والأبعاد والرموز المتنوعة والمعبرة، تعكس قوة وعظمة الإمبراطورية الرومانية وطرق عيش سكانها ومستواهم الفني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي.
تحول النشاط إلى قصة حب جميلة بين شباب جزائريين وماضيهم العريق بما يحمله من تناقضات بين الانصهار في تلك الإمبراطورية العظيمة حينا والثورة عليها أحيانا أخرى من باب أنها كيان غريب.
فحين يتحدث الشباب الذي يشكل فريق الترميم عن شغله تحس بعناق وعشق بين المهنة ومحترفها، ومنهم من ينساق إلى كلام شاعري حين يتحدث عن الفسيفساء وتفاصيلها كما لو كان يصف محبوبة استولت على قلبه.
وقال نور الدين محمد:ترقيع الفسيفساء بقدر ما هو متعب لكنه ممتع، تلك المتعة التي تذيب التعب وتجعله حلوا... هذا الشغل يستدعي التركيز لأن الأمر يتعلق بمتابعة «ملمترية» لتفاصيل دقيقة جدا على لوحة بعدة أمتار مربعة تحمل قيما جمالية تفرض احترامها، والغوص فيها حتى تعود كما كانت قبل عشرين قرنا، أو أكثر باستخدام مواد حالية يجري تكييفها بحسب تلك التي أنجزت بها الفسيفساء في أصلها.
لقد اجتهد الايطاليون وبحثوا في الطبيعة عن ذات المواد التي صنعت بها اللوحات في عصرها وطوروا طرقا حديثة من خلائط من المواد تضمن عمرا طويلا لنقاط الترقيع وقد تعلمنا عنهم هذه التقنية في دورات تدريب مكنتنا من تشكيل فريق قوي يتكفل الآن بمفرده بكل ما يلزم لبعت تلك التحف النادرة من جديد.
وبالمستوى الذي بلغناه وتراكم التجربة نسعى لتطوير إضافات على طرق التعامل مع الفسيفساء القديمة لتجديدها وإطالة عمرها قرونا أخرى».
نور الدين وآخرون عشاق من نوع خاص يتعاملون مع الجمال ويبعثون تحفا كان الدهر أبلاها ورمى بها في سراديب النسيان.
