كتب المعلم في مذكرة الاستجواب الداخلي الذي أرسلها مديره ليسأله عن سبب غيابه لأكثر من أسبوع كامل عن المدرسة: «لقد كنت محرجا مما جرى لي وأعلمكم إني لن أعود إلى المدرسة، خاصة وانأ خائف، لذا بقيت طوال الوقت في المنزل، ولم أخرج منه، بعد أن هددني أحد طلابي بأنني سأندم بل وقام بالاعتداء علي، وكنت قد أبلغتك بذلك، ولكن الأمر زاد حتى تعرضت للضرب وتكسير زجاج سيارتي.. أنه أمر لا يمكن احتماله».

ما حدث أن المعلم تعرض للضرب المبرح مع زميلين كانا معه بالصدفة أثناء خروجهم من حرم المدرسة على يد طالب وأقاربه وعدد من أصدقائه، ما أسفر عن كسر بسيط في يده ورضوض في مختلف أنحاء جسده، وذلك ما حدث أيضاً لزميليه.

بالنسبة إلى أنظمة وزارة التربية والتعليم فإن واقعة ضرب هذا المعلم انتهت قبل نحو 10 أيام وأصبحت في ذمة التاريخ، بعد أن جرى معالجتها بفنجان قهوة سادة ؟ وفق الأسلوب العشائري- ولكنها بالنسبة إلى المعلم فهي أمر بات مزعجا إذ لم تكف عن إيقاظه، بعد أن تحولت ليلا إلى كوابيس، ونهارا إلى تعليقات ساخرة في المدرسة.

جرم المعلم الذي بسببه نال العقاب من تلميذه، أنه أوصى إدارة المدرسة بمعاقبة الطالب كونه متسربا فكانت النتيجة علقة ساخنة. ولم تكن تلك الحادثة هي الأولى، ففي مدينة العقبة الشاطئية أقصى جنوب المملكة قام أحد أولياء الأمور بجلد معلم بسوط أمام الطلبة في الطابور الصباحي لكونه ضرب ابنه. وفي العقبة أيضا، قامت إحدى الأمهات قبل أشهر باقتحام إحدى المدارس وهي تحمل سكينا هددت بها أحد المعلمين.

ووفق زملاء المعلم الذين تعرضوا مع زميلهم للاعتداء فإن مثل هذه الاعتداءات تكاد تكون شبه يومية، خاصة ان بعض الطلبة يستعينون بذويهم وأصدقائهم لضرب المعلمين.

ويحمّل معلمون أردنيون مسؤولية ما يجري لوزارة التربية والتعليم لعدم وقوفها مع المعلم بسحبها البساط من تحت أقدامه حتى لم يعد قادرا على إسكات الطالب داخل الصف.

ووفق تعبير المعلم «س. الطراونة» المعلم في حال الدفاع عن نفسه فالقوانين المطبقة لا تفرق بينه وبين الطالب وبالإمكان وضعهما معا في «نظارة مخفر الشرطة»، واقتيادهما معا إلى المحكمة.

ويسأل الطراونة: كيف يمكن أن يعود العلم الذي يحمله هذا المعلم محترما بعد ذلك؟

ويقول «م. إسماعيل» إن الثقافة السائدة حاليا إن المعلم مجرد موظف يتلقى راتبا مقابل ما يقوم به، وهذا كل شيء.

وإسماعيل يرفض هذه النظرة ويقول يجب أن ينظر إلى المعلم أولا انه صاحب رسالة من شأنها أن تطيح بالمجتمع بأسره أو ترفعه إلى السماء.

ووفق مصدر في مديرية شرطة العقبة إن حادثة الاعتداء جاءت على خلفية فصل احد الطلبة المتسربين من المدرسة، فما كان منه وعدد من إخوته وأصدقائه انتظاره خارج المدرسة، وأثناء خروج المعلمين قاموا بالاعتداء عليه وعلى زملائه وأشبعوهم ضربا وتكسيرا.

ووفق التقرير الطبي فإن الاعتداء أسفر بالنسبة للمعلم المستهدف عن ارتجاج في المخ وكسر في الذراع ورضوض أخرى مختلفة، ومجرد جروح طفيفة لزملائه.

وعلّق مدير تربية العقبة الدكتور جميل الشقيرات قائلاً: لقد تلقينا كتبا جماعية من قبل معلمي المدرسة تطالب بنقلهم من المدرسة، والإصرار على عدم العودة إليها مهما كان الثمن.

ويضيف د. الشقيرات إن هذا الأمر يبعث على الأسف بأن تصل الأمور في المدارس إلى هذا الحد، فالمعلم مرب يبذل جهدا عقليا وفكريا يجب ألا يقابل بتصرف أحمق من تلاميذه.

وأشار إلى أن العنف والإساءة ليس هما السبيل الناجع لحل أي مشكلة، بل وسيلة لمضاعفة المشكلة، مشددا على ضرورة إيجاد عقوبات رادعة تحمي المعلم.

وقال أستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية في العقبة دكتور فيصل مطالقة إن أسباب ما يمكن تسميته ظاهرة يعود إلى ثقافة العنف في المجتمع، إضافة إلى غياب التربية الأسرية حول احترام المعلم وتقديره.

وأضاف في السابق كان للمعلم مكانة ومركزا اجتماعيا إضافة إلى أن الصلاحيات الإدارية والتأديبية التي كان يملكها كانت كفيلة برفع مكانته في المجتمع، ولكن كل ذلك تراجع تدريجيا إلى أن أصبح المعلم مجرد موظف فقط.