أحمد العماوي وزير القوى العاملة والهجرة السابق ووكيل مجلس الشورى الحالي «الغرفة الثانية للبرلمان المصري» كشف في حواره مع «البيان» عن الكثير من الآراء التي لم يصرح بها من قبل فيما يخص الأوضاع العمالية الحالية وتأثيرات سياسات الخصخصة عليها.

فضلا عن تقييمه لأداء العمل النقابي في مصر والوطن العربي. بالإضافة لرده الصريح على شكل العلاقة المهنية بينه وبين الوزيرة الحالية عائشة عبد الهادي ورأيه فيها وفي طريقة عملها، بالإضافة لرأيه في أسلوب إدارة رجال الأعمال الجدد لشكل العلاقة العمالية. وقال إن الأوضاع الدولية والمحلية أثرت بشكل كبير على العمل النقابي والتواجد العمالي سواء في مصر أو العالم العربي. ووصف العالم العربي بأنه متخلف كثيرا في المسألة العمالية والعمل النقابي. وأشار إلى أنه طالما التزمت العمالة المصرية في الخارج بالاتفاقيات الدولية التي تنص على حقوق العمال فلن يكون هناك مشاكل للمصرين في الخارج. وفيما يلي نص الحوار:

بداية كيف كان الطريق إلى كرسي وزارة القوى العاملة؟

لم أسع لأن أكون وزيرا للقوى العاملة ولكني شرفت بحمل الحقيبة الوزارية بعدما كنت رئيسا لاتحاد عمال مصر ومديرا عاما مساعدا لمنظمة العمل العربية ومن قبلهما رحلة طويلة من العمل النقابي التي أتشرف بأني خضتها.

هل تلك الخبرة جعلتك تجلس على مقعد الوزارة كل هذه المدة؟

لقد جلست على كرسي وزير القوى العاملة 13 سنة وهي أطول فترة يجلس فيها وزير للقوى العاملة على هذا المقعد.

لقد عاصرت بداية تطبيق فكر الخصخصة.. حدثنا عنها؟

بيع وحدات القطاع العام أو خصخصتها كان أمرا صعبا جدا في بداياته ولا بد أن نعرف جميعا أن الإدارة في القطاع العام فيما يخص علاقات العمل بين النقابات والعمال أسهل بكثير من الإدارة في القطاع الخاص وذلك لأن الإدارة في القطاع العام يكون القائد فيها المسؤول عن الوحدة..

لأنه ليس صاحب عمل بالمعنى الموجود في القطاع الخاص بل مدير ينوب عن الدولة في إدارة العمل، وبالتالي إذا وقعت أي مشكلة للعمال يكون من السهل عليه حلها، وذلك على عكس صاحب العمل في القطاع الخاص الذي كثيرا ما يتعنت في إعطاء الحق للعمال.

ويحاول أن يكسب أكبر قدر من المكاسب وبالتالي العلاقات العمالية في القطاع العام تختلف كثيرا مقارنة بالقطاع الخاص.

في الفترة الانتقالية ما بين الاقتصاد الاشتراكي أو ما تبقى منه واقتصاد السوق الحر.. هل كانت الإضرابات والمشاكل العمالية القدر نفسه الموجودة عليه الآن؟

لا.

لماذا؟

أولا.. لم يكن حق الإضراب قد أُقر في القانون في ذلك الوقت، وهذا كان يدفع بعض الناس إلى الخوف ولكنه سبب جانبي أو فرعى وليس سببا رئيسا.

لكن.. هل كان خوف الناس عاملا كافيا لمنع حدوث الإضراب؟

لا.. لم يكن عاملا كافيا لمنعه.. لأن كل الوحدات كانت قطاعا عاما.. والقطاع العام من السهل فيه حل المشاكل التي تحدث، وذلك نتيجة لوجود رئيس الوحدة أو وكيل الوزارة أو الوزير المختص.

هل تقصد أن فكرة الخصخصة وفكر دخول القطاع الخاص بشكل كبير في اقتصاد الدولة هو الذي ساعد على زيادة الإضرابات؟

نعم.. هناك جانب حقيقي في الموضوع، وهو أن القطاع الخاص أو الخصخصة بشكل أو بآخر لصيق بها إيجاد المشاكل سواء الإضرابات أو غيرها، ومع احترامي القطاع الخاص المصري لا يزال »طفلا».

طفل وليد أم لا يعرف شيئا؟

طفل لا يعرف شيئا.

قديما وحديثا

وماذا عن القطاع الخاص القديم؟

قبل ثورة يوليو 1952 لم يكن هناك قطاع خاص إلا القليل أمثال الحاج سيد ياسين، عبود باشا «بنك مصر»، وكان سلوكهم سلوكا يعالج الأمور بشكل أكثر وطنية أما الآن فإن عددا كبيرا من أصحاب الأعمال في القطاع الخاص ليس لديهم الخبرة الكافية في التعامل مع العمال من خلال علاقات عمل سوية المهم عندهم المصلحة الشخصية الخاصة بهم وهو ما صّعد من حدة الخلافات وسأضرب لك مثالا..

القطاع العام مثلا كان يتولى صرف بعض الأجور وكان يراعي العمال رعاية معقولة حتى ولو كان خسرانا «يعنى بالبلدي» كان يصرف أرباحا مع حوافز بدون أسس فكان هناك شيء من التعويض أو أرضاء العاملين.

وهل الموظف المصري كسول بطبعه؟

الموظف المصري ليس كسولا بطبعه، ولكنه لا يملك شيئا من الوعي الذي يجعله مندفعا نحو العملية الإنتاجية والعمل، بل على العكس فقد جاءت فترة كانت الدولة تقوم بتعيين موظفين وعمال في أماكن دون الحاجة إليهم..

طالما الدولة توظف فهي التي تتحمل العبء؟

هذا ليس شيئا ايجابيا بل سلبيا، هناك مثلا الكثير من رؤساء الشركات عندما كان يرشح نفسه للانتخابات العامة أو البرلمان كان في المقابل يقوم بتعيين الآلاف من العمال دون الحاجة إليهم.

الخصخصة والمشاكل

ما تقييمك لفكرة الخصخصة؟ وهل السياسات التي تم اتباعها في مصر ناجحة أم عليها ملاحظات أم ان الإدارة هي التي تسببت في هذه المشاكل؟

لا يمكن القول إن فكرة الخصخصة ناجحة أم غير ناجحة فهذا تعبير غير دقيق، لكن ليس هناك شك في أن فيها عيوبا كثيرة جدا فالطرف الذي يقوم بالشراء يضع نصب عينيه كيف يستثمر أمواله من خلال توفير النفقات والعمالة على حساب مدخلات العمل لكن الحقيقة أن إنتاجية العامل المصري منخفضة نتيجة تخلف التكنولوجيا المستخدمة في كثير من المصانع.

ويقال « إن إحنا مش عاوزين نعمل تكنولوجية حديثة علشان ما نوفرش عمال «، وأنا شخصيا مستغرب من ذلك، فمن الممكن عمل وحدة إنتاجية تنتج إنتاجا متميزا وتصدر وعندها سوف تصبح بلدا صناعيا أو مصدرا.

بعد مرور 7 سنوات على صدور قانون العمل منذ عام ,2003. ما تقييمك له وهل أدى لضبط أداء العمال أم لا؟

أنا اعتز بأن قانون العمل أحد انجازاتي الشخصية.. وأنا المسؤول عنه من الألف إلى الياء.. فقد عكفنا عليه ما يقرب من 10 سنوات قبل صدوره، ولكي نقارن بين القانون الجديد والسابق. لابد من التعرف على بعض القضايا التي كان لا يحتويها قانون العمل السابق.. فحق الإضراب مثلا له ضوابط بالرغم من مطالبات البعض بأن يكون حرا وبالتالي يتحول إلى فوضى.. ولا يوجد إضراب واحد تم حتى الآن مما يقصده قانون العمل.

ولماذا؟

لأن لدينا فهما قاصرا ومازلنا نضع مفهوم إضراب سنة 19 والعشرينات والأربعينات في أذهاننا.

ما هي الثغرة التي تراها حاليا في قانون العمل ولم يتم النص عليها؟

الثغرة ليست في قانون العمل وإنما في عدم تنفيذ بنوده بشكل صحيح ومن لم ينفذها هما الطرفان، العمال وأصحاب العمل.

أنا قصدت قانون العمل بشكل عام والذي تعتبره أحد انجازاتك هل هناك في هذا الابن شيء معوج أم أنه كامل الأوصاف؟

لا.. ليس هناك شيء كامل الأوصاف في أي مكان والاعوجاج يتمثل في عدم وجود الجزاء.. بمعنى كيف تعاقب الطرف الذي خالف القانون؟ فهذه الجزئية غير موجودة بالقانون، لأن القانون السابق كان عبارة عن مسائل مفتوحة لصاحب العمل يستطيع التحايل عليها. مثل فصل العامل قبل تعيينه وهو لا يزال موجودا إلى الآن. لكننا في قانون العمل الصادر سنة 2003.

وضعنا نصا يحمي العامل من هذا إلى حد ما، غير أن الطرف المهم القوي في قانون العمل هو صاحب العمل، فإذا كان صاحب العمل غير مقدر لقيمة العامل وجهده فسوف تكون هناك ثغرات كثيرة جدا بسبب زيادة المعروض. بمعنى أنه عندما تحتاج إلى عامل ماهر فإنك تبحث عنه في كل مكان وتعطيه ما يريد، ولكن في مصر الكل سواء، وهذا يجعل التعامل بقانون العمل صعبا.

الوزيرة الحالية

كيف كان شكل العلاقة بينك وبين الوزيرة عائشة عبد الهادي؟ وهل كانت هناك مشاكل بينكما عندما كنت وزيرا للقوى العاملة؟

لا.. لم تكن هناك مشاكل بالمعنى المعروف للناس ولكن كانت هناك بعض الأشياء، فهي تلميذتي وبيننا تقدير متبادل، لأنها زميلة في النقابة التي كنت رئيسا لها، لذلك اعتبرها تلميذتي.

وفي بعض الأحيان كنت أقدمها على أنها عضو نسائي نشيط، فالعضو النسائي في ذلك الوقت كان يكاد يكون معدوما، فقد كان عددهم في حدوده 5 أو 6 سيدات وكانت عائشة عبد الهادي في ذلك الوقت صغيرة السن حيث كان عمرها في حدود 18 سنة، ما أعطاها فرصة للتعامل مع كل القيادات العمالية ابتداء من أنور سلامة، وعبد اللطيف بلطية، وأسد راجع وأنا.

وهل هي وزيرة نشيطة وناجحة؟

نعم.. ناجحة.. ونشيطة لكن موقعها كوزيرة من الممكن أن يحد من نشاطها العمالي الحر، فموقع الوزير من الممكن أن يحد من نشاطك، لأنك عندما تكون ممثل الحكومة، لا يصح أن تخرج عن هذا التمثيل وتفتعل المشاكل مع الحكومة. ومن هنا جاءت فلسفة عدم الجميع بين منصبي الوزير ورئيس الاتحاد العام لعمال مصر.

في نظرة مقارنة كيف ترى الحالة العمالية الآن في مصر؟ وماذا تتوقع لها؟

لا أستطيع القول إن الحالة العمالية مرتبطة بالنقابات الحالية وإنما ترتبط دائما بالسياسة الاقتصادية وتوجه الدولة. والآن للأسف الشديد القيادات العمالية أصبحت قليلة وتدخلت بعض الأمور أدت إلى اشتباك الرؤية بين المصلحة الخاصة ومصلحة الناس.

وماذا عن المستقبل؟

والله.. الأحوال الدولية والمحلية تؤثر تأثيرا شديدا على التواجد العمالي أو النقابي أو التقدم النقابي وأنا أرى إننا متخلفون كثيرا مقارنة بالعالم.

متخلفون كثيرا في أي شيء بالضبط بالنسبة إلى العالمية؟

في المسألة العمالية الدولية وبالمناسبة مش مصر فقط، ولكن مجموعة الدول العربية التي تعمل التنظيمات العمالية التي ورثت النشاط النقابي من بعض الدول الأجنبية مثل فرنسا، فهناك شيء ايجابي إلى حد كبير بالرغم من هبوط المستوى.. مثل بعض دول شمال أفريقيا إلا أنهم تعاملوا مع النقابات الفرنسية، ودرسوها دراسة جيدة.

ولكن للأسف مستوى هذه النقابات هبط إلى حد كبير ولكنها أفضل من الشرق العربي.

العاملون بالخارج

كيف ترى أسلوب التعامل مع العاملين المصريين بالخارج الآن؟

دائما البعض يجمع، ويقول العاملين بالخارج هناك فرق بين الدول، فلو تكلمت عن العاملين المصريين في الغرب مثلا فالأمر مختلف، مثلا المهاجرون المصريون في كندا في وضع جيد وأفضل من الكندي نفسه أو أميركا أو استراليا أو اليونان أو ايطاليا وطالما التزمت بالاتفاقيات الدولية التي تنص على حقوق العمال، فلن يكون هناك مشاكل عمالية للمصرين في الخارج.. ولكن هذا ليس كل شيء فهناك أيضا السلوك العمالي نفسه الذي قد يؤدي إلى حدوث مشكلة بين العامل وصاحب العمل.

هل تتذكر أول مرة جلست فيها على كرسي الوزارة وفي أي عام؟

نعم كان ذلك سنة 1993.

ومن أبلغك بحمل الحقيبة الوزارية؟

كان الدكتور عاطف صدقي رئيس مجلس الوزراء «رحمه الله»، وكان كمال الشاذلي وقتها في الحزب، وكانت الوزارة بتتشكل في الحزب »وقالوا لي تعالى« والحقيقة فقد سألاني وساعتها كنت متضايقا جدا من قرار تكليفي.

لماذا؟

لأنني وقتها كنت أشغل منصب مدير مساعد في منظمة العمل الدولية وكنت أتقاضى خمسة آلاف دولار وكان وقتها الدولار ب«4» جنيهات، أي المبلغ يصل إلى 20 ألف جنيه مصري، وعندما كلفت بالوزارة وجدت أن الوزير يتقاضى 1000 جنيه، نصفه مرتب ونصفه بدل تمثيل.

لكن الموضوع الآن اختلف؟

لا أعرف.. كل ما أعرفه أن الموضوع اختلف من حيث الأجر أو البدل.. لكن يبدو أن واضع النظام كان يعتقد أن كل الوزراء رجال أعمال وأصحاب أراض ورأسماليون ولم يدرك أن العمال ومحدودي القدرة المالية سوف يدخلون الوزارة.

كم تتقاضى معاشا عن التقاعد من الوزارة الآن؟

معاشي ألفا جنيه مصري وهو معاش جديد، وأعتقد أنهم جمعوا معاشي من عملي الأصلي قبل تولي الوزارة، ومعاشي من الوزارة وعملوا متوسطا له». الدولار الأميركي يساوي 5,5 جنيهات بالمصري.

رحلة الزواج كام سنة؟

رحلة طويلة جدا وهى من سنة 1960. وقد توفيت زوجتي العام الماضي.

أداء متصاعد

ما رأيك في أداء مجلس الشورى المصري؟

أداء مجلس الشورى أداء متصاعد، بمعنى انه بدأ ضعيفا ثم أخذ يتصاعد، وهذه مسألة طبيعية، فأي نشاط يبدأ ضعيفا ثم يتصاعد ومن ثم يكتشف النشاط الذي يجب أن يمارسه.

أنت ابن عمدة وأصبحت وزيرا للعمال وليس للزراعة؟

طبعا.. لأنني بدأت في العمل العام مع العمال، فقد كنت أعمل في شركة من شركات الأدوية ثم ترشحت في الانتخابات النقابية والعمالية، وأنا كنت قارئا جيدا من صغرى حتى في المدرسة والجامعة، وأنا في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، قرأت كثيرا في المسائل العمالية.

هل أنت راض عن رحلة عطائك؟

جدا.

ملامح

في قرية صغيرة بمحافظة كفر الشيخ تدعى «منشأة عقل».. كانت نشأة وزير القوى العاملة والهجرة السابق ووكيل مجلس الشورى الحالي «الغرفة الثانية للبرلمان المصري» أحمد العماوي واحد من أهم كوادر العمل النقابي في الحقبة الأخيرة من التاريخ المصري المعاصر.

فيما يخص المنظومة العمالية وما يتعلق بها، تلك المنظومة التي أصبح بعد ذلك وتحديدا في العام 1993 المسؤول الأول عنها بعد تكليفه بحمل الحقيبة الوزارية للقوى العاملة والهجرة في مصر.

وعلى غير المتوقع ظل خريج الحقوق، الذي نزح من قريته وعمره 22 عاما إلى القاهرة باحثا عن فرصة عمل في إحدى الشركات، جالسا على مقعد وزير القوى العاملة لمدة 13 عاما متصلة وذلك بالرغم من انه لم يستقبل خبر ترشيحه للوزارة بالفرحة المعتادة لكل من في مكانه.

سباعي إبراهيم