في زيارة هي الأولى له منذ اعتلائه عرش المملكة العربية السعودية في العام 2005، وصل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى العاصمة السورية دمشق بعد ظهر أمس وعقد قمة مع الرئيس السوري بشار الأسد بحثت في عدد من الملفات السياسية الشائكة التي تفترق فيها رؤيتا الرياض ودمشق، مثل: الصراع العربي الإسرائيلي ولبنان وإيران، فضلاً عن ملفات التعاون الاقتصادي.
ومع انتهاء مراسم الاستقبال الحار في مطار دمشق الدولي عقد الرئيس الأسد والملك عبدالله قمة في قصر الشعب امتدت على جلستي مباحثات، إحداهما كانت مغلقة والثانية موسعة بحضور أعضاء الوفدين، قالت مصادر مراقبة إنهما بحثتا في ملفات تتعلق بالوضعين العربي والإقليمي، وشهدت الجلسة الثانية التوقيع على ثلاث اتفاقيات اقتصادية هي: تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب الضريبي على الدخل ورأس المال.
وقلد الرئيس الأسد ضيفه، الذي لم يزر دمشق منذ أكثر من أربع سنوات وسط خلافات بين البلدين، وسام «أمية الوطني ذا العقد» وهو أعلى وأرفع وسام وطني في الجمهورية العربية السورية، كما قلد العاهل السعودي الأسد قلادة الملك عبدالعزيز، وهي أعلى وأرفع وسام في بلاده.
وفي السياق، قالت المستشارة الرئاسية السورية د. بثينة شعبان إن أجواء القمة كانت إيجابية.
وأضافت شعبان في تصريحات صحافية إن العلاقات السعودية السورية تشهد تطوراً ممتازاً «يخلق فضاءً عربياً» يساهم في «رفع كلمة العرب على الصعد الإقليمية والدولية».
وكانت تقارير صحافية سورية تحدثت عن أجواء انفراج في العلاقات بين دمشق والرياض، وكتبت صحيفة «الوطن» السورية (المقربة من الحكومة) ان الزيارة الملكية السعودية التي تستمر يومين «تجري وسط ارتياح إقليمي ودولي، شجع خلال الأسابيع الماضية على هذا التقارب».
ويرافق العاهل السعودي وفد رفيع المستوى يضم مسؤولين عدة بينهم رئيس المخابرات العامة الأمير مقرن بن عبدالعزيز، ووزير الثقافة والإعلام عبدالعزيز خوجة ووزير العمل غازي القصيبي ووزير المالية إبراهيم العساف، وعدد من المستشارين. وقالت مصادر مواكبة للزيارة لوكالة الأنباء الألمانية إن اصطحاب العاهل السعودي معه لوفد اقتصادي رفيع المستوى يدل على أن الزيارة لن تتناول فقط العلاقات السياسية.
وكانت مصادر سورية أكدت الأهمية القصوى لزيارة العاهل السعودي واصفة إياها بأنها «تمثل مستشرفا مهما لبلورة الرؤى للخروج بمنجز فاعل لسلام المنطقة». وقالت إن «تعزيز العلاقات السعودية السورية سيأتي بإيجابياته على صعيد التضامن العربي والنهوض بمقوماته التعزيزية المشتركة».
ويقول عدد من المحللين بأن هذه الزيارة التي يقوم بها العاهل السعودي إلى سوريا للمرة الأولى منذ توليه العرش في العام 2005، ترمي إلى وضع حد للخلافات بين البلدين وخاصة في ما يتعلق بالملفين الفلسطيني واللبناني، بالإضافة إلى العلاقات الاستراتيجية التي تربط سوريا بإيران.
من جهته، اعتبر السفير السعودي في دمشق عبدالله عبدالعزيز العيفان، أن زيارة الملك عبد الله إلى دمشق ستدشن عهدا جديدا من العلاقات، موضحا أن العلاقات بين الرياض ودمشق ستشهد مزيدا من النماء والازدهار في الفترة المقبلة.
تفاعل سعودي
ولقي الإعلان عن الزيارة تفاعلا رسمياً وشعبياً كبيراً، كونها الزيارة الأولى للملك عبدالله منذ توليه مقاليد الحكم في العام 2005 إلى جانب أهميتها وما تتضمنه من بحث العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وبحث القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز مسيرة المصالحة العربية العربية.
ووصف محللون سياسيون سعوديون في تصريحات لـ «البيان» هذه الزيارة بأنها تحمل مؤشرات عدة، أهمها الدور الذي يمكن للبلدين القيام به من أجل تعزيز الموقف العربي في مختلف القضايا، وفي مقدمتها قضية السلام والرفض الإسرائيلي للمبادرة الأميركية والتهديدات التي تواجه المنطقة بسبب سياسات إسرائيل، كما سيتم البحث في العلاقات العربية العربية.
وقال المحلل السياسي جاسر الشهري إن «العلاقة السعودية السورية أخذت مسارها الإيجابي لتتجاوز جميع الصعوبات منذ مبادرة المصالحة العربية التي فرضها خادم الحرمين الشريفين على العرب خلال قمة الكويت الاقتصادية». وأضاف الشهري أن العلاقات السورية السعودية تشهد تحسنا ملحوظا منذ مبادرة الملك عبدالله في قمة الكويت الاقتصادية في فبراير الماضي لتحقيق المصالحة العربية، مرورا بقمة المصالحة العربية الرباعية التي ضمت سوريا والسعودية ومصر والكويت في الرياض في مارس الماضي.
وقال أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود د. أحمد بن راشد بن سعيد إن توقيت هذه الزيارة المتزامن مع ذكرى حرب أكتوبر له دلالته، وأضاف أن هذه الزيارة «تتم في إطار محاولة إحياء التضامن العربي الذي تمثل مصر والسعودية وسوريا بأضلاعه الثلاثة»، مشيرا إلى أن اللقاء السوري السعودي كان على الدوام مصدر خير عام للأمة العربية كونه احد اهم اللقاءات العربية المؤهلة لتحقيق المصالحة العربية وإعادة اللحمة إلى الصف العربي الممزق.
وقال المحلل السياسي السعودي خالد الدخيل إن «السوريين يحتاجون إلى هذه الزيارة بأي ثمن لتفادي عزل الدول العربية لها». وشدد الدخيل على أن هذه الزيارة من شأنها أيضا أن تزيل الشك في أن دمشق كان لها دور في اغتيال الحريري كما من شأنها أن تمهد الطريق لزيارة نجل الحريري لدمشق وهو ما قد يمثل «مكسباً كبيراً للسوريين».
من جهته، قال المحلل السياسي السوري د. رأفت نقشبندي إن زيارة العاهل السعودي إلى سوريا في الوقت الذي تحتفل فيه بالذكرى الـ 36 لحرب أكتوبر «تستعيد ذكرى بطولاتها الخالدة التي ألهمت الأجيال العربية وأسَّست لنهج المقاومة وتبعث أملا قويا في إحياء التضامن العربي الذي تحول العرب بسبب غيابه إلى لقمة سائغة لقوى الهيمنة والتسلط ولحقت بقضاياهم وفي مقدمتها قضية فلسطين أفدح الخسائر».
ألغام في طريق مستقبل العلاقة السعودية السورية
شهدت العلاقات السعودية السورية عدداً من القضايا الخلافية على مدى الخمس سنوات الماضية، وإن برزت بشكل واضح في الملف اللبناني وقضية الصراع العربي الإسرائيلي بالإضافة إلى التحالف الاستراتيجي بين سوريا وإيران. ويعتبر لبنان الساحة التنافسية الأساسية بين الرياض ودمشق كما انه أكثر الأطراف استفادة من التقارب الذي طرأ على علاقاتهما خلال هذه السنة.
ويأمل اللبنانيون بأن تساعد القمة بدفع ساسة البلاد المتنافسين على التوصل الى اتفاق بشأن تشكيل حكومة جديدة.وتدهورت العلاقات السورية السعودية بسرعة العام 2005 عقب اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري واتهام دمشق بالوقوف وراء مقتله، ووقفت الرياض وراء دعوات من الدول الغربية لسوريا بإنهاء 29 عاما من وجودها في لبنان.
وفجر اغتيال الحريري الأزمة السياسية بين الفصائل اللبنانية المتحالفة مع سوريا بما فيها حزب الله ضد المدعومين من السعودية والولايات المتحدة. وتحولت الأزمة إلى صراع مسلح لم ينزع فتيله إلا بتعاون كل من الرياض ودمشق اللتين ساهم تحسن علاقاتهما على نطاق واسع العام الماضي في حفظ الاستقرار في لبنان والسماح بإجراء الانتخابات البرلمانية في يونيو بسلاسة.
دعم حزب الله وحماس
وشكل دعم سوريا لحزب الله وحركة «حماس» اللتين تعارضان السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي مادة خلافية مع السعودية ومصر. وزاد تدهور العلاقات بين سوريا والسعودية في العام 2006 عقب الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في أعقاب خطف حزب الله جنديين إسرائيليين ما دفع السعودية إلى اتهامه بجر لبنان إلى الحرب فرد حينها الرئيس السوري بشار الأسد مهاجما القادة العرب، دون أن يسمي العاهل السعودي تحديدا إلا أن هجومه شكل نقطة تحول في الأزمة بين البلدين.
من جهة ثانية، فان الفجوة القائمة بين سوريا والسعودية حول التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي خرجت إلى العلن خلال مجزرة «الرصاص المصبوب» على غزة في وقت سابق من هذا العام.
وشاركت سوريا التي تستضيف رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل في اجتماع طارئ للقادة العرب عقد في قطر وتجاهلته السعودية. كذلك فان الرياض حملت دمشق مسؤولية جزئية بشأن انهيار اتفاق الوحدة بين حركتي «حماس» و«فتح» في مكة المكرمة في العام 2007. وأطيح بالاتفاق عندما سيطرت «حماس» على قطاع غزة في يونيو من العام نفسه.
التحالف مع إيران
ويشكل تحالف سوريا مع إيران مصدر إزعاج للسعودية التي تشعر بالقلق من تنامي نفوذ طهران في جميع أنحاء المنطقة. وتشعر السعودية أن النفوذ الإيراني بدأ ينمو منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، مفسحا المجال أمام الجماعات التي لها صلات وثيقة مع طهران بممارسة تأثير كبير في بغداد والمنطقة.
وترتبط السعودية بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة ما وضعها في قلب مجموعة من دول عربية تنظر إليها واشنطن على أنها من «المعتدلين».
الضغوط الأميركية
من ناحية أخرى فان سوريا واجهت مجموعة من الاتهامات الأميركية من ضمنها أنها قوضت الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في العراق.
وبدأت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بالحوار مع سوريا هذا العام حيث تغيرت سياسة العزل التي اتبعها الرئيس السابق جورج بوش الابن. ومع ذلك فان أوباما أبقى على تمديد العقوبات الأميركية على دمشق.
دمشق - أحمد كيلاني الرياض - عبدالنبي شاهين
