كلما خيل للبعض أن الأمور بدأت تعود لمجراها الطبيعي، تعلو أصوات الانفجارات وتستأنف أعمال العنف بحق العراقيين جميعا بصفة عامة، وبعض طوائفهم وأقلياتهم بصفة أكثر خصوصية، خصوصا المسيحيين منهم.

فبعد يومين من اختطافه، عثر الأهالي على جثة عامل الصحة المسيحي في أحد الحقول، وهو ما حدا بالمزيد من العائلات المسيحية إلى حزم حقائبها ومغادرة موطنهم القديم شمال العراق. وغادرت عشر عائلات مسيحية على الأقل كركوك خلال الأسابيع القليلة الماضية، خوفا من عصابات الخطف بحثا عن الفدية، والتي وضعت المسيحيين نصب أعينها في واحدة من أكثر المدن العراقية تنوعا عرقيا.

ودفعت أعمال العنف وعمليات الاختطاف الأخيرة رئيس أساقفة الكلدان بكركوك إلى مطالبة الحكومة بحماية المسيحيين ضد «الإرهاب الذي تحركه الدوافع الدينية».

ولا تعد هذه الهجمات جديدة ضد المجتمع المسيحي الصغير ذي الأهمية التاريخية، كما أنها ليست موجهة ضده وحده. إلا أن موجة الرحيل الأخيرة تعد هي الأحدث في سلسلة نزوح مستمرة للمسيحيين في العراق، الذين كانوا احد أهداف أعمال العنف منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد البلاد في 2003.

وكانت بداية مغادرة المسيحيين للعراق في أعقاب حرب الخليج عام 1991، خلال فترة العقوبات الاقتصادية و«الاضطهاد» على يد النظام العراقي السابق. لكن ازدادت موجة الرحيل بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وتصاعد أعمال العنف.

وفر آلاف المسيحيين من شمال الموصل للانضمام إلى ذويهم خارج العراق، وصاروا جزءا من أكثر من 7,2 مليون لاجئ شردوا منذ بدء الحرب عام 2003.

بيد أن العنف في كركوك بدأ يثير قلقا خاصا بالنسبة للمسؤولين العراقيين. فالمدينة، وهي مركز حقول النفط العراقية الشمالية، تقع في قلب الصراع السياسي والثقافي بين الأكراد والعرب والتركمان. ويحتدم التنافس بين هذه الأعراق لدرجة أن كركوك استثنيت من الانتخابات المحلية التي جرت في وقت سابق من هذا العام، وهناك مخاوف من زيادة حدة التوترات قبل الانتخابات البرلمانية في يناير المقبل.

وتزداد مخاوف الأقليات الأصغر في كركوك، مثل الكلدان والأشوريين المسيحيين، من خطر الوقوع ضحية لهذا الصراع. وقال رئيس أساقفة الكلدان في كركوك لويس ساكو أول من أمس، «نعتقد ان هناك طابعا سياسيا لعمليات الخطف هذه التي تعني إجبارنا على مغادرة العراق».

وقبل ذلك بيوم، عثر على جثة عماد إيليا (53 عاما)، وهو موظف بدائرة الصحة العامة في حي المعلمين في كركوك، ملقاة في حقل جنوب المدينة على بعد حوالى 290 كيلومترا الى الشمال من بغداد. وقال ساكو إن ايليا كان قد اختطف قبل يومين، لكن عائلته لم تتمكن من دفع الفدية مقابل إطلاق سراحه. كذلك، اختطف في الشهر الماضي، طبيب أطفال مسيحي معروف في كركوك، لكن أفرج عنه بعد ان دفعت عائلته للخاطفين 100 ألف دولار.

(أ.ب)