نتابع مع المؤلف في هذه الحلقة جانب من لعبة «الاستغماية» التي تمثل أفضل توصيف لما كان يجري بين النظام العراقي وفرق التفتيش الدولية للبحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية ، بغض النظر عن الحقيقة التي ثبتت مؤخرا بأنه لم يكن هناك شيء من هذا القبيل ما يقوض القضية من الأصل.

وإذا كان المؤلف قد عنون كتابه باعتباره رحلة البحث عن الحقيقة في العراق، فإنه يؤكد في الوقت ذاته على صعوبة الوصول إلى الحقيقة الكاملة، غير أنه يوضح أن التقدم على طريق المعرفة المفصلة وتحقيق خطوات على طريق الفهم الجيد يمثل مؤشرا على التقدم، بمعنى آخر أن الفشل يحدث عندما يتم التوقف عن تحقيق تقدم.

ومن هذه الرؤية ينطلق بنا المؤلف في استعراض جانب من الدور الذي لعبته المنظمة الدولية ـ الأمم المتحدة ـ في القضية العراقية، معتبرا أن المدخل الأساسي الذي وسم أداء المنظمة هو الضعف في ضوء نجاح صدام حسين في تعظيم الاختلافات على خلفية المصالح بين أعضاء المجلس. وهنا فإن المبدأ الذي حكم دول المجلس الأساسية هي مصالحها.

جاء الانقسام الكبير بين دول مجلس الأمن بفعل مساعي النظام العراقي رغم سوء التقدير الكبير الذي لازم صدام على مدى سنوات حكمه خاصة في حربه مع إيران، والتي انتهت بنتائج كارثية كان لها تأثيرات بالغة السوء الأمر الذي حرص صدام معه بعد الحرب على تعزيز وضعه في ضوء حقيقة أن جيشه كان يتجاوز المليون جندي وهو ما يتجاوز حجم أي جيش في الناتو باستثناء الولايات المتحدة، حتى أنه كان يعتبر الجيش الرابع في العالم. كما حرص صدام على التصنيع العسكري الداخلي في بلاده .

غير أن أجواء ما بعد الحرب لم تكن مواتية فقد كان العراقيون يتوقعون السلام فيما كان صدام يتوقع إعفاءه من بعض الديون المتراكمة عليه. فمن وجهة نظره أن العراق هزم «الفارسيين» لصالح كل العرب وأنه على هذا الأساس يستحق المكافأة. إن صدام، حسبما يشير طارق عزيز خلال لقاء له مع المؤلف، كان ينظر لنفسه على أنه قائد العراقيين إلى البناء وأنهم مقاتلون وشعراء وعلماء، وأنه على ذلك يستحق العراق القيادة فيما أن دول الجوار الخليجية ليست سوي غنية بالحظ ولا تملك شيئا اخر.

هنا يستعرض الآثار الكارثية للحرب مع إيران التي دفعت العراق للبحث عن الخروج منها ومن ذلك أنها كلفته أكثر من 500 مليار دولار، كما دمرت البنية الأساسية للصناعات النفطية.

نقمة صدام

ولم يكن صدام راضيا عن المساندة المالية التي تلقاها من الكويت والسعودية. بل كان يشعر بالضيق إزاء ما كانت ترمز إليه، حيث كان يرى أنهم يشترونه من أجل خوض معركتهم. ما كان أسوأ هو أنهم جعلوا سعر النفط أرخص، حسبما كان يرى، الأمر الذي كان يعرقل مشروعات صدام وطموحاته، حيث أن ذلك يحد من إقبال الشركات الغربية على الاستثمار في البنية الأساسية العراقية.

ومع تواصل الانخفاض كانت بغداد تغلي دون أن يأبه أحد في واشنطن لذلك. وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعته للخروج عن طوره بإعلانه في أبريل 1990 عن امتلاكه أسلحة كيماوية مهددا بإطلاق نصفها على إسرائيل، والأمر بتطوير هذه الصناعة حتى أنه مع نهاية حرب الخليج تمكن العراق من إنتاج 2500 رأس كيماوي.

ومع ذلك يشير المؤلف إلى أنه في 12 أبريل من العام ذاته التقي بوب دول وخمسة نواب آخرين بالكونجرس مع صدام وسلموه رسالة من بوش الأب مؤكدين فيها أن واشنطن تعمل على دعم العلاقات الثنائية معه. كما يلحظ المؤلف أنه لم تتوافر بوادر من واشنطن على عمل أو رد فعل سريع على هذا الإعلان العراقي.

وبعد نحو العام ستكون الكارثة الثانية قد حلت بالعراق بدخوله في مغامرة خاسرة بغزو الكويت حيث ستصدر الأمم المتحدة في هذا الشهر قرار وقف النار وتقر العقوبات الأمر الذي سيدشن لإثني عشر عاما أخرى من الصراع.

يريد المؤلف أن يقول أن صدام كان يتحرك على وقع أن الولايات المتحدة لن تتحرك في ضوء مبدأها العام المتعلق بأنها لن تدع العراق يخسر أمام إيران وكذلك تأكيد الرئيس بوش الأب في بيان له بشأن السياسة الأمريكية تجاه الخليج بأن العلاقات الطبيعية مع دول المنطقة تصب في مصلحة الولايات المتحدة. بل اقتراح الإعلان كذلك تقديم تحفيزات للعراق والإشارة كذلك إلى أن استخدام الأسلحة الكيماوية وليس امتلاكها هو الذي سيؤدي إلى فرض عقوبات.

استهانة برد الفعل الأمريكي

وفي تأكيد على ذلك يذكر المؤلف أنه وفق رواية أحد المسؤولين العراقيين الذين التقاهم فإن صدام كان يعتقد أنه لن يوجد رد فعل أمريكي جاد على غزوه للكويت وأن الأمر لن يتجاوز بحال من الأحوال إذا ما تم الغزو بشن القيام غارات على بلاده على شاكلة تلك التي قامت بها إدارة ريغان على ليبيا على خلفية النزاع مع القذافي.

كما أن الولايات المتحدة لم تتصرف تجاه استخدام العراق للأسلحة الكيماوية ضد القري الكردية إن لم تكن تجاهلته. ومن الغريب أن صدام سيكرر حساباته الخاطئة مرة ثانية عام 2002. يضيف المؤلف : لم يقل أحد من مستشاري صدام له أنه إذا غزا الكويت فإن الولايات المتحدة ستبني تحالفا من 32 دولة وتنشر أكثر من نصف مليون جندي لدحر الغزو.

يعرض المؤلف بعد ذلك لجوانب من لعبة العراق مع اليونسكوم فيذكر أنه في أواخر نوفمبر 1993 وخلال زيارة مقر الأمم المتحدة في نيويورك أعلن طارق عزيز أن بغداد قبلت في نهاية المطاف قرار الأمم المتحدة الثاني المتعلق بإنشاء نظام رقابة دائم من قبل يونسكوم في العراق.

ومع قبوله القرار ضغط العراق على اليونسكوم أن تقوم بمهامها بأسرع فرصة ممكنة حيث قامت اللجنة بإنشاء نظام رقابة محكم تم إسناده من قبل رالف إيكوس إلى المؤلف وعلى ذلك كان مطلوبا وجود نحو 120 شخصا كأعضاء باللجنة بشكل دائم في العراق. من أجل القيام على هذه المهمة يشير المؤلف إلى أنه تم إجراء ما يمكن وصفه بعملية مسح شامل لحصر كل تسهيلات ذات صلة بأي إمكانية أو احتمال لإنتاج أسلحة دمار شامل. بما في ذلك أي مواقع صناعية أم عسكرية أم طبية أم جامعات.

كما تم جمع معلومات تفصيلية بشأن المواد التي يتم استهلاكها، والطاقة المستخدمة والإنتاج ومعدات المعامل. فضلا عن ذلك فقد طلب من العراق أن يقدم بشكل دوري كل ثلاثة أو عدة شهور استمارة بشأن أنشطته في المواقع التي تحظى بالاهتمام الأمر الذي كان عملا شاقا على الجانبين. كما جرى كذلك تثبيت العديد من أجهزة المراقبة والتتبع وصلت نحو 120 كاميرا في مواقع حول العراق.

كما جرى اختبار عينات كان يجري الحصول عليها. و قامت اليونسكوم بتصميم برنامج مراقبة شامل بطائرات الهليكوبتر لكل المواقع التي يجري مراقبتها. وجرى التخطيط للتحليق فوق كل العراق باستثناء بعض المناطق مثل القصور جرى تقييد الطيران فوقها.

عمليات بالغة التعقيد

يقول المؤلف إن هذه العمليات كانت بالغة التعقيد وتتطلب دقة واهتمام بالغين بالنسبة للعمليات العسكرية ؟ معظم أفراد الطاقم كانوا من العسكريين. وجرى التنسيق مع الجهات المختصة بالمراقبة الجوية في العراق من اجل تجنب اطلاق النار على الطائرات سواء من قبل العراقيين أو حتى من قبل الولايات المتحدة.

من جانبهم أدرك العراقيون أن تلك المهمة ستكون ذات تأثيرات بالغة الخطورة بالنسبة لأمنهم. وعلى ذلك فإن المخابرات استهدفت اليونسكوم داخل وخارج العراق. فقد جرى إنشاء منظمة موازية ليونسكوم برئاسة اللواء حسام أمين هي دائرة الرقابة الوطنية كانت تمثل حلقة الوصل بين الحكومة العراقية ولجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل العراقية والتي تشكلت بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة .

كانت مهمتها المعلنة هي تيسير مهمة فريق المراقبة الدولي فإذا طلبت اليونسكوم مثلا وثائق من الحكومة العراقية عليها أن توجه الطلب إلى المنظمة وإذا ما أراد فريق اليونسكوم زيارة موقع مثلا فإنه يرتب له ذلك ويرافق فريق التفتيش.

وكان الهدف المعلن أن اللجنة ستسهل تحركات المفتشين وتجنب المشاكل مع القوى الأمنية العراقية. وقد كان ذلك كما يذكر المؤلف صحيحا بشكل جزئي. غير أن اللجنة في الحقيقة كانت تحاول كذلك منع المفتشين من العثور على أي شئ لا يريده العراق أن يجدوه.

نجم عن ذلك العديد من المشاكل. ففيما كان فريق التفتيش يريد القيام بجولات مفاجئة كان ذلك مرفوضا. وقد نجح العراق حسبما يقول المؤلف بنسبة 99% في الحيلولة دون مثل هذا الأمر من خلال منظمة الأمن الخاصة التي كان يرأسها قصي نجل الرئيس صدام. كما كانت دائرة الرقابة الوطنية تقوم بشكل أساسي برقابة مفتشي الأمم المتحدة وبشكل خاص نحو 50 عضوا يشكلون عصب نشاط اللجنة في العراق. كان العراق يحتفظ بسجل عن كل مفتش. وكان لديه معرفة بمن هو الشخص النافذ والمؤثر ومن هو غير ذلك.

كانوا يراقبون المكالمات والإشارات الراديو ويفتشون غرفهم في المكاتب وفي الفنادق. لقد كان الأمر حسب المؤلف بمثابة لعبة كبرى. وقد كان العراقيون الذين يجرى اللقاء بهم من المرؤوسين يعلمون أن أي تعليق يقولونه للمفتشين سيصل العلم به إلى رؤسائهم.

وعلى مدار عام 1994 تم إجراء العديد من المقابلات مع الأفراد الذين كان لديهم دور في أسلحة الدمار الشامل من القمة إلى القاعدة. ويضيف المؤلف كنا على ثقة بأن العراقيين سيجدون صعوبة بالغة في الإبقاء على القضية في طي السرية، فالمفتشون مؤهلون وجرى تدريبهم على أساليب التحقيقات من خلال دورات في «الإف بي أي».

التضييق على فرق التفتيش

غير أن المؤلف يشير إلى أن أسلوب المقابلة كان فعالا وإن لم يكن مريحا، فالقيود من الدائرة الوطنية كانت صارمة ومن ذلك أن خوف العراقيين كان يحول دون تعاونهم مع المفتشين وعلى ذلك كانت اللجنة إذا رأت ما يشير إلى تعاون أحدهم تحرص على أن لا يناله أذي وكانت تطلب إعادة مقابلته مرة ثانية لتتأكد من أنه لم يناله شئ.

ومع ذلك فقد كان هناك اثنان نهايتهما لم تكن سعيدة حيث لقي الأول حتفه جراء أزمة قلبية والثانية في حادثة. ومع ذلك فقد كاد الأمر يصل إلى طريق مسدود في بعض المراحل. ففي ذلك العام حذر العراق يونسكوم من أن اللجنة يجب أن تعلن نظام كامل للمراقبة في تقرير مجدول إلى مجلس الأمن في 7 أكتوبر وإلا فإنه لن يلتزم بالتعاون.

يقول المؤلف أنه حرص على صياغة برنامج للمراقبة يتسم بالكفاءة ويسمح باكتشاف الانتهاكات العراقية حتى بعد رفع العقوبات. وعندما بدا أن إيكوس سيمنح العراق ضمانة بشأن طلبه، فكر المؤلف في الاعتزال رغم إشارته إلى احترامه لإيكوس باعتبار أنه ينبغي عليه أن يوازن بين الاعتبارات السياسية ومن ذلك مواقف فرنسا وروسيا وضغطهما للتوافق مع المواقف العراقية. كانت الدولتان تأملان في بيان أكثر إيجابية يشير إلى أن العراق أوفى بكامل التزاماته وأنه يمكن الآن رفع العقوبات.

الصفحات: 522 (متوسط)

الكتاب: الاستغماية.. البحث عن الحقيقة في العراق

تأليف: تشارلز دولفر

عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق

الناشر: ببليك آفيرز