يقول دولفر إن الرئيس بوش حاول الاستحواذ على هذه اللحظة والتعاطي بفعالية مع تلك المشكلة وخلص إلى أن نظام صدام غير مقبول أو يقف على الجانب الآخر من مصالح الولايات المتحدة الأمنية وإن هناك شيئا ما يجب القيام به في مواجهة ذلك. إن هذا القرار الاستراتيجي كان دفاعيا بشكل أساسي، خاصة فيما بعد أحداث 11 سبتمبر.
ومن الغريب هنا أن يتبنى المؤلف وجهة النظر الرسمية رغم محاولاته التأكيد على بحثه عن الحقيقة وهو الأمر الذي أشار إليه في السطر السابق مباشرة من أن الموقف الأميركي من صدام إنما كان يعكس بشكل أساسي مصادمته للمصالح الأميركية، ما ينفي الصفة الدفاعية التي يحاول دولفر الإيحاء بها.
رفض الخيار السلمي
ويتضح من سياق تناول المؤلف أن الولايات المتحدة ممثلة بإدارة بوش لم تول أهمية كبيرة للاعتبار المتعلق بخيار التعاطي مع تهديد صدام بشكل غير مباشر من خلال إقامة علاقة مع النظام كوسيلة يمكن من خلالها تعديل سلوكه أو الإطاحة به، باعتبار أن التكلفة السياسية لمثل هذا الخيار على المدى الطويل ربما تكون عالية. كما كان يمكن أن يكون هناك كذلك تأثير سلبي على العلاقات مع الأقطار الأخرى في المنطقة وبشكل خاص إسرائيل، ما كان يعني أن مثل هذا السيناريو كان نظريا فقط.
ومن الملفت للنظر في سياق تناول المؤلف إشارته إلى أن بغداد أقدمت على انتهاج مجموعة من الخطوات المنتظمة عبر المؤلف ذاته وعبر آخرين في بحث عن الحوار مع واشنطن، ما ينفي النوايا العدوانية لبغداد تجاه واشنطن تحديدا ويشير إلى حالة من التربص الأمريكي بها على خلفيات أخرى عديدة. ويفصل المؤلف في هذا الصدد .
مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لم تكن تستطيع أن تأخذ في الاعتبار الخيار القائم على إقامة علاقات واضحة مع بغداد في مسعى لتعزيز هدف مغطى يتعلق بتغيير النظام حيث أن ذلك في عالم السياسات الدولية يتطلب ما يوازي جراحة عقلية دقيقة بينما أن حكومة الولايات المتحدة لا تستطيع إجراء تلك الجراحة.
تصاعد خيار تغيير النظام
كان من جراء ذلك أن تصاعد خيار تغيير النظام بالقوة، ومن الملاحظ هنا أن المؤلف يبدو وكأنه أحد أفراد فريق إدارة بوش، وهو كذلك بالفعل، ومن الواضح أن خلافه مع نتائج ما تم يتركز حول التفاصيل المتعلقة بالموقف الأميريكي وليس جوهره.
وهو ما يتأكد لنا بعد ذلك من قوله إن مثل هذا الخيار لم يكن ليحتاج مثل هذه التكلفة العالية الأمر الذي يرجعه إلى أن العديد من الخطوات الحيوية لتطبيق هذا القرار جرى التعامل معها بشكل غير سليم أو نفذت بشكل سيئ فتغيير النظام خطوة ضخمة وبالغة التأثير سياسيا، ومع ذلك جرى إسناد المسؤولية الأساسية عنها إلى البنتاجون. لقد وجهت القيادة السياسية المدنية في مكتب وزير الدفاع الخطط العسكرية وخطط ما بعد الحرب مع قدر من التنافر بين الوكالات العاملة والبيئة التي تتم فيها هذه العمليات بشكل كان يغيب عنه وحدة الهدف أو وحدة الاتجاه.
وعلى ذلك ركزت المناقشات السياسية التي تبعت الغزو على نقص الاستخبارات بشأن أسلحة الدمار الشامل، فضلا عن أنه كان من الواضح أن التقديرات المتعلقة بهذه الأسلحة خاطئة. ولكن الخطأ الأكثر أهمية من وجهة نظر دولفر هو في فهم الظروف السياسية والمجتمعية داخل العراق، وحسب قوله، فإنه إما أنهم ؟ المسؤولين الأميركيين ؟
لم يكونوا واعين بشأن جهلهم أو قرروا أن معرفتهم لم تكن مهمة ويمكن أن تتم من خلال بعض الرموز العراقية في المنفى، والتي تتمثل بشكل أساسي في المؤتمر الوطني العراقي الذي يتمحور حول شخصية أحمد الجلبي.
وهنا يشير دولفر إلى أن الجلبي كان من الشخصيات التي أعلنت بثقة عن وجود أسلحة دمار شامل في العراق، الأمر الذي تلقته الإدارة الأميريكية دون تمحيص وثبت خطأه فيما بعد.
ومع ذلك يوضح المؤلف أنه مع ذلك كان هناك معلومات أكثر من جيدة في إطار المجتمع الاستخباراتي بشأن الأوضاع الداخلية العراقية، غير ان المشكلة على ما يذكر دولفر في نقد لآلية التعاطي الأميريكي مع الوضع في العراق، أن القادة السياسيين لم يطلبوا من المجتمع الإستخباراتي تحليل معمق بشأن مثل هذه المسائل.
بل يؤكد المؤلف أن قادة الإدارة ضغطوا على الاستخبارات من أجل ربط قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية بالقاعدة، فيما لم يطلبوا أي معلومات بشأن إمكانية فرض جماعات المعارضة الخارجية على العراق. ويوضح الكتاب أن السي أي أيه كانت مستبعدة بشكل واضح من المشاركة في التخطيط لما بعد الصراع.
قرارات خاطئة
تمثل هذه الرؤية الأساس الذي يبني عليه المؤلف موقفه الماثل في أن هذا الجهل وحده فقط هو الذي يفسر القرارين الكاسحين عاليي الكلفة والذي اتخذا فيما بعد الحرب ؟ الأول الخاص بتفكيك حزب البعث في العراق، والثاني الخاص بحل الجيش العراقي وكل المنظمات الأمنية المرتبطة به.
لقد كان القراران بمثابة انتكاسة على صعيد إدراك العراقيين ورؤيتهم لماهية السياسة الأميركية. فضلا عن ذلك فقد قضت على أي أمل لدى الملايين من العراقيين الذين كان يمكن لهم تقديم المساعدة من أجل تأمين وضع أفضل في عراق ما بعد صدام، بشكل قد يكون اتجه بهم إلى القيام بأعمال تصب في الجانب الآخر وهو مقاومة الوجود الأميركي.
فيما يؤكد أن المؤلف يركز على انتقاد الأداء وليس الاستراتيجيات بشأن التعاطي الأميركي في ظل إدارة بوش الابن مع القضية العراقية إشارته إلى أنه بينما كانت الحكومة ـ الأميركية ـ تعمل على عدم الخلط بين العمل الإستخباراتي وصنع السياسة فإن ذلك، من وجهة نظره ، في مجال الممارسة أمر لا يعد ممكنا أو حتى مطلوبا.
وهنا يعرض المؤلف من واقع خبرته لجانب مما يراه تقصيرا في حق الجهاز الذي ينتمي إليه وهو جهاز الاستخبارات مؤكدا على دوره الكبير معتبرا أنه الجزء الوحيد في الحكومة الأميركية الذي يسعى في النهاية للبحث عن الحقيقة. ويضيف أنه فيما يتعلق بالعراق شعر جهاز الاستخبارات بأنه بعيد كثيرا بشكل يصعب تصوره عن تطورات الواقع.
في هذا السياق كان لدى المؤلف الفرصة لكي يحاضر بشأن خبراته ودروسه فيما يتعلق بالعراق. وقد كانت كل محاضرة تمثل فرصة لإعادة التفكير في التاريخ الخاص بتوجهات الولايات المتحدة وسياساتها العراقية والأحكام الإستخباراتية.
هنا يشير إلى العديد من النقاط منها أن الأحداث الأساسية وتوابعها جرى فهمها كلية بشكل مختلف اعتمادا على الجهة التي نظرت للأمر وما إذا كانت واشنطن أم بغداد. هنا يؤكد دولفر على أن الإدراكات كانت بالغة الاختلاف في واشنطن وفي بغداد إلى الحد الذي جعله يصل إلى حد التشكك في أن هناك حقيقة عامة قائمة.
تقديرات تفتقد الصواب
إن التقديرات والتوقعات كانت بعيدة عن أي تقديرات صائبة على كلا الجانبين. وفي الوصول إلى هذا الوضع تعرض التفكير النقدي وبطرق مختلفة لانتكاسة، وساد التحيز الواضح لفرض الأدلة التي تؤكد صحة الافتراضات المقدمة. بتعبير المؤلف : لقد كان يجري رؤية ما يسود التوقع برؤيته. وعملت العديد من الجهات الأميركية على فرض منطق واشنطن على بغداد غير أن ما كان منطقيا في واشنطن لم يكن على الدوام منطقيا في بغداد. وبدا هذا التباين بين الجانبين هائلا.
ورغم ذلك فإن المؤلف يلتمس الأعذار لوجود مثل ذلك الأمر رغم ما يبدو من نفوره الشديد من ذلك الوضع الذي يراه ألقى بتأثيرات بالغة السلبية على مسيرة الأوضاع في العراق.
حيث يقول أن التحليلات الاستخباراتية تواجه هذه المشاكل أو الجوانب بروتينية، مدللا على ذلك بمثال يشير من خلاله مثلا إلى الجدل الحاصل حول أزمة القوقاز التي كانت فصولها قد اشتدت حميتها خلال فترة إعداد الكتاب. فيشير إلى أنه حتى تلك اللحظة كان يوجد قدر كبير من الجدل بين أولئك الذين يرون انقضاض روسيا على جورجيا علامة على تجدد قوتها العسكرية والسياسية وأولئك الذين ينظرون للأمر باعتباره علامة على ضعفها البالغ. إن كلا من الرؤيتين يمكن الدفاع عنه، ولكن من غير الممكن أن تكونا صحيحتين في الوقت ذاته، مضيفا أنه بدون شك يوجد نقاش مماثل بشأن نوايا الولايات المتحدة في الكرملين.
وفي عودة إلى تذكر الماضي يقول المؤلف أنه من الواضح أن المحللين الذين قاموا على التعامل مع القضية العراقية وبشكل خاص قضية أسلحة الدمار الشامل، لم يكن لديهم سوى خبرة محدودة إن لم يكونوا معدومي مثل هذه الخبرة بالسياق السياسي أو المجتمعي لمثل هذه البرامج في العراق، منتقدا في هذا السياق اقتصار الأمريكيين على تشكيل معرفتهم عن الآخرين عبر قنواتها غير الطبيعية أو من خلال ما يصفه بالشاشات الإلكترونية فقط.
وحرصا على عدم التعميم يشير إلى أنه باستثناء بعض القادة العسكريين فإن المحللين الجدد أو معظمهم لم يكن لديهم خبرة شخصية مع أي من النزاعات أو أسباب بشأن الكثير مما يجري في العالم.
