في أحدث هجوم عنيف تشهده باكستان التي تخوض حربا ضد حركة «طالبان»، قتل خمسة أشخاص في تفجير انتحاري استهدف مقر برنامج الغذاء العالمي في اسلام آباد، التي تشهد حالة تأهب قصوى خصوصا منذ توعد «طالبان-باكستان» بالانتقام لقائدهم الذي قتل في أغسطس في شمال غرب باكستان بصاروخ اميركي.

وأعلنت مصادر أمنية باكستانية مقتل خمسة أشخاص بينهم باكستانيتان وعراقي من موظفي الأمم المتحدة عندما فجر انتحاري يرتدي بزة عسكرية، قنبلة في المكاتب التابعة لبرنامج الغذاء العالمي التي تخضع لحراسة مشددة في اسلام اباد. وأشارت مصادر طبية الى اصابة ستة الى سبعة اشخاص بجروح يعتقد أن معظمهم من الأجانب. وأوضح وزير الداخلية الباكستاني رحمن مالك ان الانتحاري «كان يرتدي زيا عسكريا لحرس الحدود» وهي وحدة عسكرية مكلفة حماية المقار الدبلوماسية. واضاف ان الانتحاري طلب دخول الحمام وتمكن من تشتيت يقظة أجهزة الامن.

من جهته أعلن امير عبد الله المدير التنفيذي المساعد لبرنامج الاغذية العالمي ومقره

روما في بيان «قتل ثلاثة من موظفي برنامج الاغذية العالمي واصيب كثيرون بجروح اثنان منهم في حالة حرجة». ووصف الهجوم قائلا «إنها مأساة رهيبة بالنسبة لبرنامج الاغذية العالمي ولمجمل المنظمات الانسانية في باكستان».

واضاف «نقدم تعازينا الى اسر القتلى والجرحى واصدقائهم وزملائهم. ان هؤلاء الناس يعملون من اجل مساعدة الاكثر فقرا وذوي الاوضاع الاشد هشاشة في باكستان».

هجوم انتحاري

وحدث الهجوم رغم ان مكاتب الامم المتحدة والسفارات تخضع منذ عامين لاجراءات أمنية مشددة ومحصنة باسوار مضادة للانفجارات. وقال مراسل وكالة «فرانس برس» ان الدخان كان ينبعث من المبنى في حين كان ناجون يغادرونه مضرجين بالدماء. وقال موظف في برنامج الغذاء العالمي هرع خارجا من المبنى «انفجرت قنبلة في المدخل» المقر. وأوضح المفتش العام للشرطة باني أمين قائلا«عثرنا على ساقي الانتحاري ورأسه ونحن نحقق لمعرفة كيف تمكن من دخول المبنى رغم وجود بوابات ترصد المعادن وكاميرات».

وأعلنت الناطقة باسم الأمم المتحدة في باكستان سوزان مانويل ان مكاتب الأمم المتحدة في باكستان كافة أغلقت حتى اشعار آخر بسبب المخاطر الأمنية التي تهدد موظفي الأمم المتحدة. ولم تكشف عن موعد استئناف عمل المكاتب ، موضحة أنه ليس بإمكانها القول متى ستعود مكاتب الأمم المتحدة للعمل.

وندد الامين العام للامم المتحدة بان كي مون «بأشد العبارات» الاعتداء ونعته بانه «جريمة شنيعة». ومعظم الاعتداءات الدامية في باكستان منذ يوليو 2007 تبنتها حركة «طالبان-باكستان» التي ترتبط بتنظيم «القاعدة»، او نسبت اليها.وكانت هذه الحركة توعدت بالانتقام لمقتل قائدها بيت الله محسود في 5 أغسطس في اطلاق صاروخ اميركي على معقله في المناطق القبلية شمال غرب باكستان على الحدود مع افغانستان.

وكانت باكستان اطلقت، تحت ضغط واشنطن، الربيع الماضي حملة عسكرية واسعة النطاق على معاقل «طالبان» في شمال غرب البلاد كما كثفت الولايات المتحدة قصفها الصاروخي لتلك المنطقة مستهدفة بشكل خاص مسؤولي «القاعدة» و«طالبان» اعلنت في اسلام اباد منذ عدة اشهر حالة التأهب القصوى واقامت الشرطة والجيش نقاط تفتيش عند مداخلها الرئيسية، وتم تحويل وسط المدينة الذي يؤوي المباني الحكومية والبرلمان والمؤسسات القضائية والجيب الدبلوماسي، الى «منطقة حمراء» اثر اعتداء انتحاري بشاحنة مفخخة دمر فندقا فخما في 20 سبتمبر 2008 موقعا 60 قتيلا واكثر من 250 جريحا.وشهدت اسلام اباد خلال العامين الماضيين 12 اعتداء جلها انتحاري خلفت اكثر من140 قتيلا.

شكوك في التمويل

وفي سياق متصل كشف جنرالان أميركيان رفضا الكشف عن اسميهما، أن الولايات المتحدة تساورها الشكوك بأن معظم مليارات الدولارات التي ترسلها إلى باكستان لمحاربة «طالبان» يجري تغيير أوجه إنفاقها فتستغل في الاقتصاد المحلي أو غير ذلك من المصارف، مثل تمويل القتال مع الهند.

ففي الفترة بين عامي 2002 و 2008، وهي ذات الفترة التي كانت القاعدة فيها تعيد حشد صفوفها، لم يصل إلى القوات الباكستانية سوى خمسمائة مليون دولار من إجمالي ستة مليارات وستمائة مليون هي قيمة المساعدات الأميركية، بحسب ما كشفه الجنرالان في الجيش ل«أسوشيتد برس». وعزز من رواية هذين الجنرالين، اللذين اشترطا حجب هويتيهما لأن القواعد العسكرية تحظر عليهم التحدث علانية، روايات شبيهة من جانب عدد من جنرالات الجيش المتقاعدين ومن هم في الخدمة، كما تعززها روايات عدد من أعضاء الهيكل الإداري الحكومي ووزراء في الحكومة أيضا.

من جهته أكد الجنرال المتقاعد محمود دوراني الذي كان سفيرا لباكستان في الولايات المتحدة أن عمليات تغيير أوجه الانفاق في عهد الرئيس السابق برويز مشرف، الذي كان يتولى منصبي رئيس هيئة الأركان ورئيس البلاد معا، وقال دوراني لم «يحصل الجيش نفسه إلا على النزر اليسير» وأضافت «وجهت المعونات لمصارف أخرى .. وكان الجيش يمول الحرب على الإرهاب من ميزانيته الخاصة».

وتكشفت تفاصيل إهدار المساعدات الأميركية في الوقت الذي تعهدت فيه واشنطن بمزيد من الأموال لباكستان. فمرر الكونغرس تشريعا الأسبوع الماضي يقضي بزيادة المساعدات العامة لباكستان إلى ثلاثة أضعاف.

كما يعتبر التشريع «مثل تلك الأموال ضرورية» للمساعدة العسكرية لباكستان، بناء على عدة اشتراطات. ومن بين هذه الشروط الإقرار بأن باكستان تتعاون في وقف انتشار الأسلحة النووية، كالتزام دائم من جانب باكستان في محاربة الجماعات الإرهابية وألا تقحم قوات الأمن الباكستانية نفسها في العملية السياسية أو القضائية في البلاد.

ويساعد إهدار الأموال في تفسير كيف استطاعت القاعدة، التي فككت في أفغانستان في عام 2001، على إعادة تجميع صفوفها، والتفوق على الجيش الباكستاني الضعيف. وحتى في الفترة الحالية، يشتكي الجيش من غياب التجهيزات الملائمة لمحاربة «طالبان» المتغلغلة في المناطق القبلية.

وبحلول عام 2008، كانت الولايات المتحدة منحت باكستان بثمانية مليارات وستمائة مليون دولار كمعونات عسكرية، فيما حصلت باكستان على اثني عشر مليار دولار إجمالا.

(وكالات)