أكد وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أن موقف الإدارة الأميركية من التجميد التام للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة «لم يتغيّر» على الإطلاق. وتوقع أنه في حال الاتفاق على معاودة المفاوضات فإن واشنطن ستصدر إعلاناً واضحاً بأن الهدف هو إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967 والقدس الشرقية عاصمة لها بجوار دولة إسرائيل.
ونفى المالكي بشدة حصول أي لقاءات بين وزراء خارجية من دول عربية مع وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، مؤكداً أن هناك موقفاً عربياً ثابتاً بأنه «لن تكون هناك أي خطوة مجانية تطبيعية» من الدول العربية مع إسرائيل.
وحمل المالكي، في حوار مع «البيان» خلال حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك الأسبوع الماضي، على حركة «حماس» التي اتهمها بأنها «تفاوض الإسرائيليين» ليس فقط من أجل إطلاق الجندي الإسرائيلي جلعاد شليت، بل «على قضايا كثيرة»، مشيراً إلى اجتماعات تعقدها «حماس» مع الإسرائيليين سراً في سويسرا عبر مستشار رئيس وزراء الحكومة المقالة في غزة أحمد يوسف وغيره.
وفي ما يلي نص الحوار مع المالكي:
باشر الأميركيون أخيراً محادثات متوازية مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في الأمم المتحدة بهدف معاودة مفاوضات السلام في الشرق الأوسط. من الواضح أنه بسبب التعنت الإسرائيلي في موضوعي تجميد الاستيطان والقدس، حصل تحوّل أميركي برز واضحاً من خلال المواقف التي أعلنها الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد القمة الثلاثية مع الرئيس الفلسطيني محمد عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. وهذا ما أزعجكم بالتأكيد. هل يمكن أن نوضح ما الذي حصل؟
نعم، هذا الأمر يجب أن يوضح. أولاً، أكد أوباما في لقائه الثنائي مع عباس أن الموقف الأميركي من موضوع المستوطنات لم يتأثر ولم يتغير، مؤكداً أنه لا يزال مقتنعاً تماماً بأنه يجب وقف الاستيطان بصورة كاملة في كل الأراضي المحتلة بعد عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية. الآن أوباما يقول إنه حاول أن يوصل الجانب الإسرائيلي الى تبني هذا الموقف، غير أن ثمانية أشهر من الحوارات مع الإسرائيليين لم تنجح في ذلك. وبالتالي، قال أوباما: نحن أمام معضلة، نستطيع أن نقول إن الطريق مسدود وهناك قضايا أخرى سألتفت اليها.
ثانياً، هل نستطيع - والكلام هنا لا يزال لأوباما - أن نقول إننا استنفدنا هذا الجهد مع الجانب الإسرائيلي؟ لا، ويجب أن نستمر في هذا الجهد أيضاً لفترة قريبة. ولهذا السبب، اقترح أوباما تاريخ 15 أكتوبر المقبل موعداً آخر للمحاولات الأميركية، ما يعطي الجهد الأميركي برئاسة المبعوث جورج ميتشيل فرصة أخرى للتعاطي مع الطرف الإسرائيلي، لعله يخرج من الإسرائيليين أمراً ما.
لكننا سمعنا أن ميتشيل ومسؤولين أميركيين آخرين عقدوا لقاءات معكم ومع الإسرائيليين قبل موعد 15 أكتوبر؟
نعم، عقد لقاء أولي قبل أيام شارك فيه من الجانب الأميركي ميتشل مع طاقمه بالإضافة الى مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان، ستعقد لقاءات أخرى في واشنطن في الأول والثاني من أكتوبر. وبعد ذلك قد يأتي ميتشيل شخصياً أو مستويات أعلى إلى المنطقة لاستمرار هذا الجهد، بحيث تقوم هيلاري كلينتون في 15 أكتوبر بتقديم تقريرها إلى الرئيس الأميركي لكي يقرر ما هي الخطوة المقبلة. المهم أن الإدارة الأميركية مقتنعة بأن الجهد لم يستنفد بعد.
هل يعني ذلك أن الموقف الأميركي لم يتغير؟
الرئيس الأميركي لم يغير موقفه ولا يزال على قناعة بضرورة التجميد التام للاستيطان. وهذا ما عبر عنه في خطابه أمام الجمعية للعمومية للأمم المتحدة. حتى موضوع القدس، تحدث نتانياهو ألف مرة أن القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل وأنه لن يقبل بالتفاوض والحوار حول مستقبل القدس. وهذا ما قاله في خطابه في جامعة بار ايلان. كل ذلك كان يمهد لإخراج القدس من مجموع مفاوضات الحل النهائي.
ولكن ما حصل في اللقاء الثنائي هو أن الرئيس محمود عباس أكد للرئيس أوباما مركزية القدس في موضوع التفاوض، وإخراج القدس من المفاوضات يعني إفشال المفاوضات. وفي اللقاء الثلاثي أكد أوباما على محورية القدس في مداخلته أمام عباس ونتانياهو في اللقاء المغلق. ومن ثم أشار في خطابه أمام الجمعية العمومية الى مواضيع الحل النهائي وذكر القدس بالإسم. وكما تعلمون أن السبب الرئيسي لإفشال مفاوضات عام 2000 في كامب ديفيد كان التعنت الإسرائيلي في ما يعلق بالقدس ومستقبلها.
هل ستذهب وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون الى المنطقة قريباً؟
لم يزل من غير المعروف بعد إذا كانت كلينتون ستزور المنطقة.
الأمر يعتمد على تطور الأوضاع وعلى الحديث الأميركي مع الإسرائيليين. إذا اقتنعوا بأن هناك ما يشجع على مثل هذه الزيارة، سيكون الأمر منطقياً أن نرى كلينتون في المنطقة. أما إذا لم يكن هناك ما يشجع، فلا أعتقد أن كلينتون تبحث عن فشل لزيارة بمثل هذه الأهمية.
المفاوضات المباشرة
هل ستجرى مفاوضات بينكم وبين الإسرائيليين في واشنطن؟
لا، ستتواصل الاتصالات التي كان يعقدها ميتشيل مع الجانب الإسرائيلي على حدة ومع الجانب الفلسطيني على حدة. ولن تكون هناك أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة على الإطلاق، بل استمرار للآلية السابقة على غرار الجولات التي كان يجريها ميتشيل بين القدس المحتلة ورام الله.
هل خذلكم الموقف الأميركي في تراجعه عن المطالبة بتجميد الاستيطان تماماً قبل البدء بالمفوضات؟
نحن لن نصدر تعابير كهذه على الإطلاق. ما أريد أن أقوله هو أنه كانت هناك توقعات مختلفة مرتبطة بمنسوب التصريحات بدأت من الإدارة الأميركية واستمرت بالنمطية ذاتها. وبالتالي، ارتبطت التوقعات بتلك التصريحات. غير أن الذي تمت الإشارة إليه يتعلق بالموقف الإسرائيلي لا بالموقف الأميركي الذي لم يتغير.
ضغوط أميركية؟
غير أنكم تتعرضون لضغوط أميركية. وبعدما كان موقفكم هو أنكم لن تذهبوا إلى طاولة المفاوضات إلا إذا توقف الاستيطان، هل في الوارد الجلوس الى طاولة التفاوض من دون ذلك. وهذا هو ربما سبب غضبكم...
حتى هذه اللحظة لا يوجد حديث عن العودة الى المفاوضات. الحديث هو هل ستكون هناك الظروف المناسبة التي تسمح لهذه المفاوضات أن تبدأ. ما قاله أوباما هو أنه سيعطي ميتشيل فرصة إضافية لبذل جهد آخر لعله يستطيع أن يحقق ما لم يتمكن من تحقيقه خلال الأشهر الثمانية الماضية. نحن لا نريد أن نستبق الأمور، ولكن مع بدء المفاوضات رسميا سعلن أوباما عن تصوره لدولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ما هو الحد الذي تقبلون به للجلوس مع الإسرائيليين كنقطة انطلاق لعملية التفاوض؟
إن البدء في المفاوضات يستوجب قبولاً من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود عام 1967 بتعديلات طفيفة يجري الاتفاق عليها عبر التفاوض مع القدس الشرقية عاصمة لها.
هذه نقطة مهمة لأن الأميركيين يعلنون أنهم يريدون من الدول العربية القيام بخطوات ملموسة من أجل التطبيع مع إسرائيل. والوزيرة كلينتون طالبت بهذه الأمور في اجتماع مع نظرائها العرب في نيويورك...
صحيح أنها طلبت. لكنك لم تذكر لي ماذا أجابوها. لم تحصل منهم على شيء. هناك موقف عربي كامل صدر عن مجلس وزراء الخارجية العرب قبل عدة أشهر في القاهرة يقول بكل وضوح إن الجانب العربي سينظر بايجابية إلى أي تطور ايجابي يأتي من الجانب الإسرائيلي، وتحديداً وقف النشاط الاستيطاني. وقبل ذلك لن تكون هناك أي خطوة مجانية تطبيعية من الدول العربية.
وماذا عن اتهامات حماس للسلطة الفلسطينية بتقديم تنازلات تمهيداً لمعاودة المفاوضات؟
حماس في قطاع غزة تعاني وضعاً صعباً للغاية، مالياً وإدارياً وتنظيمياً وأمنياً وسياسياً. وهم غير قادرين على تقديم خدمات أساسية. هناك فشل كامل ومطلق في كل شيء. والاستطلاعات في غزة تؤكد أن الشعب الفلسطيني يرفض استمرار السيطرة العسكرية الفاشية لحماس على القطاع وأن الناس يريدون العودة إلى السلطة. وفي حال حصلت الانتخابات اليوم أو غداً أو بعد غد، فإن حماس ستفشل فشلاً ذريعاً في غزة أكثر مما ستفشل في الضفة الغربية.
نيويورك ـ علي بردى
