بغض النظر عن المواقف التفصيلية التي يتخذها مؤلف هذا الكتاب تشارلز دولفر من الأزمة العراقية وتطوراتها خلال العقدين الماضيين، فإن أهمية المادة التي يقدمها من خلال كتابه تتمثل في كشف الكثير من الحقائق التي بدا أن أطرافا عديدة تعمل على طمسها سواء كانت على الصعيد الأميركي أو العراقي، أو حتى على مستوى دول أخرى لعبت دورا فاعلا في تصاعد الأوضاع في العراق ووصولها إلى مرحلة الغزو.

وإذا كان الكتاب يقدم الكثير من التفصيلات والخبايا بشأن مادار سواء خلال عمليات التفتيش أو فيما تبعها من غزو واحتلال، فإن النقطة الأساسية التي يؤكد عليها دولفر تتمثل في أن بغداد لم تكن تملك مخزونات أسلحة دمار شامل ولا برامج لتطويرها عند بدء الغزو الأميركي وهي الحجة الرئيسية التي قامت عليها عملية الغزو، وهو ما ينتهي معه إلى التأكيد على أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ كبير بإساءة تقدير الاستخبارات حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، وهو الخطأ الذي عزز منه عدم فهم الداخل العراقي من أجل الإلمام بما يدور على أرض الواقع. تأتي أهمية الشهادة التي يقدمها المؤلف، رغم اختلافنا معه في العديد من المواضع سواء على مستوى سرد الوقائع أو الرؤى التي يقدمها بشأن تحليله للأزمة في العراق، من المكانة التي كان يشغلها في إطار فرق التفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية.

فقد كان دولفر العضو الأميركي الوحيد الرسمي الذي كان يتعامل بانتظام مع النظام العراقي ، حيث أنه نتيجة لوضعه الوظيفي كنائب رئيس لجنة الأمم المتحدة لنزع التسلح المعروفة باسم «يونسكوم» أصبح معتادا بقدر كبير على التعامل مع الشخصيات والقيادات الكبيرة في النظام العراقي في ظل قيادة صدام. كما كان في الوقت ذاته، على اتصال دائم مع المستويات القيادية في واشنطن. في تأكيده على القيمة الحقيقية التي تمثلها محاولة الخوض في موضوع كتابه يشير المؤلف إلى أن مرور نحو ست سنوات على الغزو الأميركي للعراق كافية لتقديم حكم هادئ وينأى عن المماحكات الجدالية بشأن المسار الذي اتخذته وسلكته الولايات المتحدة في العراق. وحسبه فإن ما تواجهه بلاده الآن إنما يمثل انعكاسا للقرار الذي اتخذه بوش بتغيير النظام في بغداد بالقوة، الأمر الذي استتبعه قضاء فترة كبيرة من رئاسته في محاولة احتواء تداعيات قراره.

اختلاف وضع أوباما... ويشير المؤلف إلى أنه على هدي هذه الخلفية فقد يكون الأمر يبدو بالغ الاختلاف بالنسبة للرئيس أوباما حيث يعتبر الرئيس الأول منذ نيكسون الذي لم يخض في قضايا خلافية مع عراق صدام، غير أن إرث الرئيس الأميركي مع ذلك إنما سيتحدد من خلال النتائج التي تبدو غامضة بشأن العراق، فقد يكون إرثا براقا وقد يكون كابوسيا. وفي هذا الخصوص يشير المؤلف إلى إن عراق ما بعد صدام يظل دولة غير مستقرة في منطقة غير مستقرة، والمخاطر ما زالت عالية. ومع الانسحاب الأميركي من العراق سيصبح من الواضح ما إذا كانت الحكومة المركزية قد استعدت بشكل كاف لتحل محل القوة التي استخدمها صدام للحفاظ على العراق موحدا، وإذا لم يكن الأمر على هذا النحو فإن المصالح الفرعية وارتباطها بالتدخل الإيراني ربما تؤدي إلى قدر أكبر من التفكك أو على الأقل تنتهي بحكومة مركزية ذات طبيعة سلطوية مشابهة.

وفي محاولة لإلقاء التبعة على العراقيين يقول المؤلف أن المسؤولية الأساسية بالنسبة لمستقبل العراق تقع الآن على عاتق العراقيين. مضيفا: هذه الكلمات ربما تكون قيلت من قبل، ولكن التغيير في الإدارة الأميركية يعطي لها معنى أكثر دقة، فالحكومة المركزية في بغداد يجب الآن أن توسع مساندتها وتعزز آلياتها الانتخابية وتحقق تقسيم مقبول للسلطة والموارد وإلا فإن النتيجة ستكون انهيارها، والمؤشرات غير مبشرة، خاصة في ضوء حقيقة أن واشنطن لن يكون في مكنتها التقدم للإنقاذ، كما أن طهران لن يكون في إمكانها ذلك. إن التحول الجاري من نظام صدام إلى شيء آخر يعتبر الآن قد تم وقد بدأت حقبة جديدة، وهو ما يوفر لحظة لتقدير أو تقييم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن وربما من أجل تشكيل قرارات المستقبل في واشنطن وبغداد وطهران وفي أي مكان آخر.

ويشير المؤلف إلى أنه على هذا الأساس عمل من خلال مادة كتابه على تناول تحليلي للأحداث التي قادت إلى ما يصفه بالمأساة في العراق من وجهة نظر واحد ممن كانوا مطلعين على القضية منذ اللحظة الأولى لولادة قضايا النزاع بين واشنطن وبغداد. في معرض التأكيد على التحول الذي أحدثته الحرب مع صدام يذكر المؤلف أنه ربما حتى قبل الغزو مباشرة لم يكن الكثير من الأميركيين يعرفون أي شيء بشأن نظام صدام حسين، أما الآن فيوجد آلاف الأميركيين الذين يمكن القول أنهم منغمسين في الشأن العراقي.

في محاولة لتقديم رؤية بانورامية بشأن مسار الأحداث بين العراق وبلاده والتي انتهت بغزو واحتلال العراق وحدوث حركة مقاومة ألقت بتأثيرات سلبية على الوضع الأميركي هناك يقول المؤلف أنه من الواضح أن أيا من الجانبين لم يكن يرى الأمور بنفس المنطق. كلاهما ارتكب أخطاء أو أخطأ في نظرته للأمور، وفي بعض الأحيان ارتكب أخطاء قاتلة، وافتراضات بشأن كيف يمكن للآخرين أن يتصرفوا أو يكون رد فعلهم. ويضيف المؤلف أن غياب الاتصال والفهم على صعيد كلا الطرفين سهل من الوصول إلى أو اتخاذ قرارات بالغة السوء. وهنا يعرب المؤلف عن دهشته من محدودية المعرفة بالشأن العراقي في الإدارة الأميركية على النحو الذي ساهم في تعزيز عملية اتخاذ قرارات خاطئة الأمر الذي انتهى إلى جعل الوضع الحالي بالغ الكلفة بالنسبة للولايات المتحدة.

تبلور مواقف بوش

من هذه الخلفية حاول المؤلف، على ما يذكر، أن يبحث في المحطات الرئيسية والأقل أهمية والتي ساهمت في تشكيل مسار الأحداث والقرارات التي انتهت إلى ما نحن عليه الآن. هنا يشير إلى أنه كان واضحا مع 2001 ومع تبلور مواقف واتجاهات إدارة بوش في واشنطن، أن هناك شيئا يجب أن يتم فعله بشأن نظام صدام حسين. فالعقوبات على العراق، حسب الرؤية الأميركية، كان يتم الالتفاف عليها، وكان الموقف الأميركي ينطلق من أن واشنطن تعتمد من الناحية القانونية على الإجماع في الأمم المتحدة بأن العراق لم ينصاع لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بأسلحة الدمار الشامل.

أما على الصعيد العملي فإن الموقف تغير حيث بدأ التضامن الدولي من خلال الدول المحورية في مجلس الأمن وكذلك المساندة التي تقدمها دول الجوار للعراق في التحلل، وعلى ذلك كانت الرؤية أن الموقف يسير في غير صالح الموقف الأميركي وهو ما يتطلب البحث عن صيغة جديدة يمكن من خلالها تعزيز المساعي الهادفة إلى احتواء العراق.

عزز من هذه النظرة ـ أميركيا ـ ما شاب برنامج النفط مقابل الغذاء من فساد بشكل استغله صدام حسين بمهارة لصالحه، حيث أن الروس بما في ذلك أعلى المستويات الحكومية كانت تحقق أرباحا وتنتهك العقوبات بشكل واضح وصريح. كما أن روسيا كانت تضغط لفرض قضية العراق في مجلس الأمن من أجل إنهاء العقوبات.وإلى جانب الروس يؤكد المؤلف على أن السوريين كانوا مستفيدين كذلك من الموقف حيث كانت سوريا بوابة للمساعدة وعبور المواد الممنوعة إلى العراق.

لقد قوض ذلك من عملية تحجيم قدرات العراق وبدا أن الأمم المتحدة تشرف على عملية لم تفلح فيما يصفه المؤلف بالتجارة الممنوعة وأن نجاحها توقف فقط عند تأخر ظهور التهديد الذي يمثله صدام. وحسبما يذهب المؤلف، وهو هنا يبدو متحاملا على العراق، بغض النظر عن صحة ما يشير إليه أم لا فإن ما عزز من هذا التحول إدراك صدام لنجاح اللعبة التي خاضها بشأن إفراغ العقوبات من مضمونها وهو ما كان له أثره في الكشف عن بزوغ صدام ونظامه كقوة إقليمية يحسب حسابها بل وحتى قوة عالمية بفضل تأثيرهم على سوق النفط.

خيارات الإدارة الأميركية

وقد واجهت الولايات المتحدة، في ظل الإدارة الجديدة، خيار من بين ثلاثة خيارات عامة، فمن ناحية يمكن لها أن تحاول عبر الجهود الدبلوماسية تعزيز القيود المفروضة على العراق بقدر الإمكان، وعلى أطول مدى ممكن، على أمل أن تحقق بفعل هذه السياسة أفضل حل. وهو خيار كان يبدو أنه سلاح ذي حدين فقد ينتهي إلى الانهيار البطيء لسياسة الاحتواء، وربما ينتهي إذا ما كانت الإدارة محظوظة بوفاة صدام.

فيما كان الخيار الثاني يقوم على الاعتراف بأن الوقت قد حان من أجل اتخاذ قرارات شديدة اللهجة بشأن العراق، مع الأخذ في الاعتبار في الوقت ذاته إمكانية التوافق أو الحوار مع النظام بشكل يهدف إلى تعديل سلوكه. وأما الخيار الثالث الذي كانت تواجهه واشنطن فيتمثل في أنه ربما يكون من الأفضل لها أن تقدم على سلوك عملي يهدف إلى توفير الظروف التي يمكن لها من خلالها تطبيق سياسة طويلة الأمد بشأن تغيير النظام انطلاقا من أن العراق منذ وقوعه تحت حكم صدام كان مرة ثانية يمثل تهديدا للمصالح الأميركية.

وفي تحديده لما جرى على أرض الواقع يذكر المؤلف أن الخيار الأول القائم على الجهود الدبلوماسية جرى تطبيقه، بقدر من الارتباك، من قبل الحكومة بسبب كونه الأسهل في ألا تقوم بشيء. كما أن تغيير الإستراتيجية في أغلب الأحوال يكون له تبعاته السياسية وتكلفته العملية، والفوائد المستقبلية في الغالب ما تكون ضبابية. وفيما يتعلق بالعراق كان نهج فرض عقوبات طويلة المدى على العراق يبدو سهل وغير مكلف على المدى القصير، غير أنه مع عام 2001 بدا واضحا أن طريق العقوبات لم يقود إلى شيء ذي قيمة على صعيد الأهداف التي تم انتهاجه من أجل تحقيقها.

تقويض سياسة العقوبات

وكان من بين الأسباب التي قوضت من تلك السياسة نجاح صدام في اكتساب تعاطف الشعب والحكومات في الفترة 1999 ؟ 2002 بفعل سعر برميل النفط . وهنا يقول المؤلف: تخيل التأثيرات عندما قفز سعر البرميل إلى 100 دولار للبرميل. إن مليارات الدولارات التي أصبح نظام صدام يقوم على توفيرها من خلال التجارة غير المشروعة قبل 2003 سوف تصبح بدلا من ذلك عشرات المليارات. وقد مرر صدام الدخل غير المشروع في إعادة بناء جهازه الأمني وبنية النظام وبرامجه للتسلح، بما في ذلك الصواريخ الباليستية المحظورة، بعبارة أخرى يقول المؤلف أن صدام لم يفسد فقط حكومته بل كذلك الأمم المتحدة وعدد من أعضائها من الدول.

المؤلف في سطور

تشارلز دولفر عمل نائبا للرئيس التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الخاصة بالعراق (يونسكوم) من 1993 حتى انتهاء عملها عام 2000. خلف ديفيد كاي المستشار الخاص للشؤون الإستراتيجية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية في يناير 2004 وكان مسؤولا عن توجيه السياسة العامة للبحث عن أسلحة الدمار الشامل بالعراق. كما عمل دولفر كباحث في السياسة العامة بمركز وودرو ويلسون للدارسين والباحثين الدوليين.

شغل قبل 1993 منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون السيطرة على التسلح وشؤون الدفاع المتعددة الأطراف. ومن 1990 إلى 1992 كان مسؤولا عن الشؤون التجارية الخاصة بالدفاع بصفته مدير المركز التجاري للدفاع ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون السياسة العسكرية. وهو خريج جامعة كونيتيكات وحاصل على الماجستير في العلوم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق