اتفقت باحثات اجتماعيات وأكاديميات وناشطات سعوديات على أن العنف ضد المرأة يعد من أكثر أشكال العنف انتشاراً في المجتمع السعودي بسبب النظرة الدونية للمرأة لدى البعض، والتفسير الخاطئ للدين من قبل بعض العلماء فيما يتعلق بحقوق المرأة وسوء الفهم لمبدأ القوامة ورسوخ ثقافة مجتمعية ترى أن ضرب المرأة حقاً مشروعاً يمارسه الأب والزوج والأخ الكبير والصغير.

وذكرن أن هناك أسبابا متعددة ومتشابكة تؤدي لحدوث العنف الأسري منها الاقتصادية كالفقر والبطالة، والقانونية كتدني الوضع القانوني للمرأة في المجتمع وعدم إلمامها بحقوقها، وأكدن عدم وجود إحصاءات دقيقة حول حجم المشكلة، وأن ما يتم رصده وتوثيقه قليل جدا مقارنة بأعداد حالات العنف على اعتبار أن معظم حالاته لا تصل إلى الأجهزة الضبطية الرسمية ومن ثم لا يتم تدوينها.

وقالت الباحثة الاجتماعية نوف الحسيني ان العنف ضد المرأة يتم غالبا خلف أبواب موصدة وما يجري خلف تلك الأبواب يعد في نظر الكثيرين بما في ذلك المرأة المعنفة نفسها أمورا خاصة لا يجوز عرضها على الآخرين. مشيرة إلى أن ذلك يفاقم الوضع ويجعل من العسير دراسة حجم المشكلة وسبل حلها على الرغم من الجهود الكبيرة التي بدأت الدولة مؤخرا في تكريسها لمعالجة الظاهرة من خلال إنشاء العديد من المراكز المتخصصة ودور الإيواء للمعنفات.

وأضافت «نحن في مجتمع ذكوري بتوسع ومحافظ بحرص ومنغلق إلى حد كبير وينظر كثير من أفراده إلى المرأة على أنها مخلوق ضعيف لا تستطيع اتخاذ القرارات السليمة ويرتبط ذلك بالمفهوم الخاطئ للقوامة التي تفهم على أنها تسلط وسيطرة من قبل الرجل».

وقالت الحسيني «المرأة التي تتعرض للعنف الأسري تتردد كثيرا قبل ان تبلغ الأجهزة الرسمية بل حتى أهلها خوفا من الفضيحة والطلاق أو تجنبا لعنف أكبر قد يمارسه الزوج أذا عرف بشكواها».

وكانت دراسة حديثة عن العنف الأسري في العاصمة الرياض، قد أشارت إلى تزايد عدد حالات العنف ضد المرأة لتصل إلى نحو 417 حالة في الشهر الواحد، فيما وصلت عدد محاولات الانتحار المسجلة رسميا نتيجة هذا العنف إلى 27حالة شهريا.

وقالت مريم الحكيم وهي ربة منزل أن ما يفاقم مشكلة العنف الأسري ضد المرأة عدم وجود عناصر نسائية تعمل في السلك القضائي أو في المحاماة يستطعن الترافع عن المرأة المعنفة وبالتالي فإن الكثير من النساء لا يستطعن البوح بما يتعرضن له للقضاة أو المحامين الرجال.

وأضافت «قبل كل ذلك تظل قضية الثقافة السائدة والعادات والتقاليد والفروق الصارخة بين الجنسين التي تهمش دور المرأة، وأبوية المجتمع، وذكوريته الطاغية، من الأسباب الرئيسية التي تخلق بيئة خصبة تساعد على انتشار العنف الأسري ضد المرأة».

وذكرت الحكيم ان المرأة المتزوجة تقع في الغالب ضحية عنف الزوج أكثر من أي شخص آخر، بينما تقع غير المتزوجة ضحية عنف الأخ بدرجة تفوق عنف الأب أو الأطراف الأخرى.

وطالبت بإيجاد محاكم أسرية للنظر في القضايا التي تتعلق بالعنف ضد المرأة على اعتبار أن هناك العديد من النساء اللاتي لا يجدن من يذهب معهن للمحاكم، في الوقت الذي لا تنظر المحاكم السعودية مثل هذه الدعاوى بدون ولي أمر أو معرِّف، مما يضطر بعض الزوجات المسكينات للانتظار سنين طويلة دون النظر في دعواها أو الاستماع لشكواها.

وقالت مريم الحكيم «كافة القضايا في المحاكم والمتعلقة بموضوع الطلاق تأخذ وقتاً طويلاً للبت فيها وصدور الحكم لدرجة أن هناك قضايا تبقى في المحاكم قيد المداولة لسنوات، كما أن الفترة بين الجلسة والأخرى قد تمتد من شهرين إلى ثلاثة أشهر وبالإمكان أن نتصور ما يترتب على هذا الأمر من إضرار بالمرأة».

من جانبها ذكرت الجوهرة العنقري رئيسة لجنة الأسرة في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان عن خطة لإعداد دراسة حول إنشاء دور إيواء في مختلف مناطق السعودية؛ لحماية واحتواء وتأهيل النساء والأطفال المتعرضين للعنف الأسري وذلك بالتعاون مع جمعية النهضة النسائية الخيرية بالرياض».

وقالت إن الحكومة السعودية تتبنى منذ نحو عامين برنامجا وطنيا باسم «الأمان الأسري» ترأسه أخت الملك وهي الأميرة صيته بنت عبد العزيز يهدف لمكافحة العنف ضد المرأة والطفل، إنفاذاً للقرار السامي الصادر بالمرسوم الملكي في نوفمبر 2005م.

ومن جانبها رأت د. مها الدوسري وهي أخصائية اجتماعية في إحدى مستشفيات الرياض أن بداية معالجة العنف ضد المرأة تكون بإجراء دراسة علمية وإحصاءات دقيقة عن حجم المشكلة وأسبابها ومن ثم توعية المجتمع بمكانة المرأة ودورها وتنقية البرامج التعليمية والإعلامية من كل ما من شأنه تكريس النظرة الدونية للمرأة ومس كرامتها والحط من قدرها إضافة إلى سن عقوبات رادعة لكل من يمارس العنف ضد المرأة وتوفير دور للإيواء للمعنفات.

وقال «الدولة ممثلة في وزارة الشئون الاجتماعية والجمعيات الخيرية تقوم بكل ذلك في الوقت الحالي ولكن تطويق المشكلة والقضاء عليها يحتاج إلى المزيد من الجهد والوقت، كما يحتاج إلى دور إعلامي نشط في التوعية بمكانة المرأة في المجتمع كما علمنا الدين الإسلامي».

الرياض ـ عبدالنبي شاهين