في خضمّ دوّامة البحث عن «إبرة» الحكومة الضائعة في «قشّ» العقد الداخلية والخارجية، وتزامناً مع الجولة الجديدة من استشارات التأليف التي يجريها حالياً الرئيس «المعتذِر» والمكلَّف ثانية، سعد الحريري، مع الكتل البرلمانية والنوّاب المستقلّين، لا يزال رئيس «التيار الوطني الحرّ» النائب العماد ميشال عون يتجنّب أي محاولة ل«حشره» في موقف مبكِر، أو لاستدراجه نحو زوايا ضيّقة.. فكيف إذا كان الأمر متعلّقاً باستباق مرحلة مفاوضات «هادئة ومرِنة»، على حدّ وصفه إياها.

«جعبته» مليئة بالأوراق التي يحرص على عدم كشفها قبل أن يطّلع على مضمون ما سيطرحه عليه الحريري، خلال الأيام المقبلة، ليبني على الشيء مقتضاه، أما قراره القاضي بانتظار الآتي فهو لا يمنعه من إعلان تمسّكه بمجموعة من الثوابت خصوصاً فيما يتعلّق ببرنامجه الإصلاحي وبمبدأ الحوار الذي هو «خشبة الخلاص»، وبتعريفه الخاص لأي حكومة يجب أن تتشكّل في لبنان: «حكومة الوزارات هي حكومة وهمية.. أما الحكومة الحقيقية، فهي موجودة في مكان آخر، وهي التي تعتمد الإنماء مبدأً.. هي موجودة في مجالس وصناديق المال، ومرتبطة برئيس الوزراء وليس بالوزارات».في دارته المتواضعة في محلّة الرابية (شرق بيروت)، تسنّى ل«البيان» فرصة لقاء «الجنرال العنيد» وذلك، بعدما نجح مهندسو بعض سياسات قوى «14 آذار» في استدراجه الى الدفاع عن قرار سياسي باعادة توزير جبران باسيل، وتصويره وكأنه يدافع عن قرار عائلي بتوزير صهره.

«قصّة باسيل كانت حرباً استباقيّة مختلَقة».. هي عبارة يكرّرها عون أكثر من مرّة، وإن بات يفضّل طيّ صفحة الماضي مؤقتاً، ووضع الحملة التي طاولته وتيّاره على «رفّ» انتظار الآتي، وذلك لمصلحة ولادة الحكومة قريباً.

وبعيداً عن كل التفاصيل التي «ضجّت» بها مرحلة التكليف الأول، يبدو الجنرال مرتاحاً ومتفائلاً حيال اللقاء الذي جمعه وكتلته بالرئيس المكلّف، يوم الخميس الماضي، وتحديداً لجهة 4 عوامل رافقت ذاك اللقاء: اللهجة، التعاطي، الاستماع والإصغاء، و«إن كان الحديث لم يتطرّق الى قصّة التوزير والوزارات، بل دار في فلك البرنامج الوزاري للحكومة العتيدة».. «كان كل شي منيح.. والمصارحة كانت هادئة»، و«خلا لقائي معه من أية أسئلة محرِجة..

وما قلته كان جزءاً من برنامجنا»، مضيفاً: «يبدو أن الرئيس المكلّف يريد إيجاد مخرج للدخول الى مقاربة جديدة.. ولكن، الفعل الأساسي يبقى للأجوبة التي سنتلقّاها، وخصوصاً لجهة البرنامج الوزاري وتنفيذه، وذلك في ضوء النقاط الخلافيّة المرتبطة بكيفيّة الممارسة والمشاركة والتوازن في السلطة».

ويضيف: «قلت بضرورة أن تكون لدينا حكومة وحدة وطنية»، «صيغة 15-10-5 لا تزال سارية المفعول.. وأي تشكيلة أخرى تراعي المشاركة والإنصاف في التمثيل قابلة لأن تناقَش».. يبتسم، ويكمل: «تفاجأنا بأن الاستشارات كانت بمثابة أسئلة وأجوبة».

وينطلق عون من قول الحريري إن «هناك مشاكل أساسيّة تعترضنا، وهذا ما يستدعي التساؤل حول ما إذا كنّا نعاني من أزمة نظام أو أزمة حكم، وحول ما إذا كان هناك خلاف متعلّق باتفاق الطائف»، ليشير الى أنه أجاب الرئيس المكلف بالقول: «نحن نتحدّث من ضمن ما نصّ عليه اتفاق الطائف.. وإذا كان هناك من تعديلات نتمنّاها أو ملء ثغرات في هذا الاتفاق، فإن هذا الأمر يُبحث بعد تأليف الحكومة، لا في أجواء هذا التأليف».

الجنرال في مواجهة «معركة وهميّة»

وتعود به ذاكرته المثقلة بالتفاصيل الى تاريخ 13 أغسطس الفائت، وخصوصاً لما لهذا التاريخ من ارتباط ببدء «الحرب الاستباقيّة» أو «المعركة الوهميّة» التي طاولته وتياره بمفاعيلها، وذلك من بوّابة توزير صهره، جبران باسيل.. «بدءاً من ذاك التاريخ، وعلى مدى أكثر من شهرين، أتاحت بعض الصحف اللبنانية لقرّائها فرصة أن يعيشوا على الكذب بالمطلق، ولا سيما في ما يختصّ بسردها لقصّة باسيل، والتي لم تكن سوى كذبة من أوّلها الى آخرها؟»، وفق قوله.

وبلهجة هادئة، مرفقة بتأكيده على حتميّة «رؤية ضوء في آخر النفق المظلم»، يشرح ما حصل سابقاً في خصوص «عقدة» باسيل، بقوله: «حينها، لم يكن باسيل مسمّى، ولم تكن الحقائب الوزاريّة وزّعت على الأطراف السياسيّة.. وترافقت الحملة مع معركة إعلاميّة وهميّة».. أما الجواب عن سؤال «لماذا؟»، فله عنده تفسير واحد لا يقبل الجدل: «حينها، أرادوها معركة كي يفرضوا علينا هزيمة معنوية».

ويعزو عون أسباب ما جرى الى كون «التيار الوطني الحر» لديه «نهج إصلاحي»، «وهو وضع يده على عدّة فضائح في وزارة الاتصالات»، ومن جهة ثانية، يرى أن تركيز البعض على كلمة «صهر الجنرال» كان يحمل في طيّاته توجيه رسالة واضحة المعاني والأهداف: «عون لم يقدر على حماية صهره»، و«استهدفوا جعل هذا الأمر أمثولة».

واستناداً الى قناعته بوجود ثلاث قوى تقف بوجه الإصلاح في لبنان وهي الإقطاع السياسي الذي يتألّف من وجهاء تقليديّين، وزعماء الحروب الطائفيّة الذين تحوّلوا الى سياسيّين وطبقة أصحاب الصفقات، مرفقة بتأكيده على «أنا موجود، وأنا إصلاحي»، يستبق عون تأليف الحكومة الثانية في عهد الرئيس ميشال سليمان بقطع وعد جازم، ب«نبش» الفساد في الوزارات.

وبالعودة الى وزارة الاتصالات، يؤكّد الجنرال أن القوى الأمنيّة «لم تستطع أن تضع يدها على شبكات التجسّس لحساب اسرائيل إلا في عهد جبران باسيل، «فيما كانوا هم يستهلكون وقتهم في تتبّع خصوصيّات الناس..

وليراجعوا التاريخ في هذا الشأن»، متطرّقاً الى قضية محطّة «الباروك» (المحطّة التي كانت توزّع خطوط إنترنت عبر إسرائيل) من زاوية الإدّعاء على مجموعة من الأشخاص التي ثبت تورّطهم فيها، بقوله: «على السلطة أن تتخذ قرارات في هذه القضية، وخصوصاً في ظلّ غياب السلطتين القضائيّة والسياسية.. صحيح أن القضاء ادّعى على أشخاص، لكننا نريد أن نعرف هل سيصل الأمر الى حدود الإدّعاء على رأس هرم هؤلاء الأشخاص أم لا، وهل أن هؤلاء الأشخاص قاموا بعملهم من دون شمسيّة؟..(غطاء) بالطبع، هناك تواطؤ في كل إدارات الدولة.

«لا محرمات» في البحث بالنظام

أما السؤال الثاني، فتمحور حول مشكلة الطائفية السياسيّة في لبنان، فسألنا: «هل أنتم مع تأليف لجنة لإلغاء الطائفية السياسيّة؟.. فأجاب: بالتأكيد، نحن حزب علماني، نريد أن نرسّخ ثقافة العلمانية والدولة المدنيّة، ونتطلّع بعد ذلك الى تحرير المجتمع اللبناني من القوانين المذهبية. هذا من حيث الشكل.. أما من حيث المضمون، فيجب إيجاد الطريقة التي تجعل اللبناني يخرج من حياته المذهبية الى حياته المواطنيّة، وهذا ما يتطلّب وضع برنامج تربوي توجيهي، في ظلّ وجود حكومة تليها مرحلة هدوء وتخاطب مسؤول، إذ لا محرّمات في البحث في النظام وبغير النظام، وخصوصاً أن التغيير عملية مستمرة».

وفي موضوع أزمة الثقة بين الطوائف في لبنان، أجاب عون على سؤال الحريري ان «لبنان بلد لا يقوم إلا على التعدّد والتوافق، وأي كسر للتوافق هو كسر للتعدّدية، إذ أن لكل من في هذا البلد هويتين، وطنية ودينية، وقناعتنا أن المدخل للثقة يكون بتشكيل حكومة وحدة وطنية، إلا إذا ارتأيتم تشكيل حكومة أقطاب، والمهم أننا منفتحون على كل الطروحات».

لا بديل عن المقاومة

وتمحور السؤال الرابع حول موضوع المقاومة، فأوضح عون «قلت للرئيس المكلف، أنا مع المقاومة، لأن الجيوش الكلاسيكيّة لا تستطيع التغلّب على إسرائيل.. وبصفتي قائداً سابقاً للجيش اللبناني، أرى أن هناك دوراً لهذه الجيوش، لكن الدور الأساسي يبقى للمقاومة التي لا بديل عنها، إذ لا يمكن الدفاع عن لبنان إلا بتكامل الطاقات بين الجيش والشعب والمقاومة، وهو أمر عرضته تفصيلياً أمام طاولة الحوار».

وبعيداً عن أجواء اللقاء الاستشاري، والذي سيستكمل خلال الأيام القليلة المقبلة بلقاء مماثل، توقّف عون عند بعض المحطات الأساسيّة التي رافقت مرحلة التكليف الأول، فذكّر بأنه طالب ب5 مقاعد وزارية، مع حقائب، لكونه تنازل في موضوع العدد، مع إشارته الى أنه تمّ تثبيت حقيبتَي الاتصالات والتربية من ضمن حصّته في الحكومة المقبلة.

واعتبر أن المشكلة الحقيقية التي تعترض تأليف الحكومة تكمن في كون «لا أحد يريد أن يرضى بحجمه الطبيعي.. والبعض يعتبروننا دخلاء لا مكان لنا في الحكومة، لأننا لم ندخل في لعبة عام 1990»، مضيفاً: «بمنطق الإنصاف والنظام التوافقي في لبنان، لا يجوز أن تخسر الأقليّة حقوقها، وإن كان صحيحاً عدم جواز أن تفرض شروطها».

وفي شأن الصيغة الحكومية، قال: «كان من المفترض أن تشكّل حكومة الوحدة الوطنية وفقاً للنسبية على أساس حجم الكتل النيابية، وبالتالي كان يجب أن تحصل المعارضة على 13 مقعداً مقابل 17 مقعداً للأكثرية».

وبلغة الأرقام، لفت الى أن المعارضة تنازلت، فعلياً، عن 3 مقاعد، نسبة الى عدد نوّابها ال57 نائباً، «فيما كان يتوجّب على الأكثرية أن تتنازل عن 4 مقاعد، نسبة الى عدد نوّابها ال71. أي بمعنى أن التوزيع العادل كان يجب أن يكون وفق صيغة: 10 للمعارضة، 7 لرئيس الجمهورية، و13 للأكثرية، وليس باقتطاع حصّة متساوية من حجمين غير متساويين». وختاماً، ينتهي الحوار مع الجنرال مع قوله: «أنا ابن بيئة تحترم التقاليد وتعدّ الصداقات والعلاقات الإنسانية شرطاً لاستمرار الحياة.. لذلك، لا يمكنني التصرّف بمعزل عن هذه الأمور».

بيروت- وفاء عواد