إن تحديات كبرى ثلاثة يبدو أنها سوف تكون الأكثر بروزا والأكثر حسما فيما يخص مستقبل البشرية وهي تحدّي التغير المناخي وعواقبه، وتحدي ضبط آليات عمل العولمة، وتحدي الوصول إلى نوع من «الحكومة السياسية الدولية».

ويؤكد الخبراء أن تجاوز سخونة الأرض في أفق نهاية هذا القرن لأكثر من درجتين سيكون خطيرا جدا. وفوضى اقتصاد العولمة يهدد بأزمات متتابعة مثل تلك التي يعرفها العالم اليوم، وعالمية الإرهاب ومختلف أشكال الجريمة المنظمة يتطلب ردا دوليا منسّقا، والوصول إلى ما يسميه المؤلف بـ «أخلاقيات القرن الحادي والعشرين».

ثم إن الجيل الحالي عليه أن يترك طريق التنمية والبقاء مفتوحا أمام الأجيال اللاحقة، وهذا يتطلب من الجميع في أوروبا وأميركا والدول الصاعدة والشرق الأوسط الالتزام بذلك. تجهد الإنسانية منذ قرون طويلة من أجل إعداد منظومة من القواعد التي تسمح بضبط الحياة المشتركة وتنظيم التبادل بين الدول والمجتمعات والحضارات.

وبالنسبة للقرن الحادي والعشرين يرى مؤلف هذا الكتاب أن المهمة الأولى التي سيكون على البشر المعنيين القيام بها هي التصدّي للتحديات الكبرى الثلاثة التي يبدو أنها سوف تكون الأبرز خلال هذا القرن، وهي تحدي التغيّر المناخي وما قد يجلبه من تبدّل على مستوى البيئة، وتحدي الوصول إلى آليات ضبط اقتصادي للعولمة بعد التشويش الكبير الذي خلقته الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008، والتحدي الثالث يجده المؤلف في الوصول إلى نوع من «الحكومة السياسية الدولية» لإدارة شؤون العالم.

التحدي الأول يتفق حوله الجميع تقريبا، ذلك أنه إذا لم ينجح البشر في تقليص كمية الغازات السامة الصادرة عن الصناعة إلى النصف من الآن وحتى حوالي نهاية القرن الحالي، الحادي والعشرين، فإن هذا يعني زيادة معدّل سخونة الأرض بأكثر من درجتين مما ستكون له نتائج في غاية الخطورة على البشرية. وإذا كان الخطاب السائد اليوم يدعو إلى الاعتقاد أنه من السهل الوصول إلى الحل فإن الواقع يشير إلى وجود تباين كبير، وتعارض أحيانا، حول السياسات التي ينبغي اتباعها بين مختلف بلدان العالم.

ضبط اقتصاد السوق

ويخص التحدي الثاني عيوب آليات عمل اقتصاد السوق. ويبدو كنظرة أولى أن هذه الصيغة من التنظيم الاقتصادي هي الأفضل، أو الأقل سوءً بين الصيغ التي توصلت إليها المجتمعات الإنسانية. فبفضل الأسواق «تستطيع القطط ؟الهررة- أن تصطاد الفئران» حسب تعبير دينج زياو بينغ القائد الصيني الذي وجّه بلاده نحو اقتصاد السوق بعد فترة ماو تسي تونغ. وبفضل اقتصاد السوق أيضا توسعت الرقعة التي طالها الازدهار الاقتصادي واستفاد منه مئات ملايين البشر في الصين والهند وغيرهما. لكن هذا لا يمنع واقع أن اقتصاد السوق يعاني، كما يقول المؤلف، من أشكال خلل كبيرة فيما يتعلق بعمل البورصات مثلا.

أما تحدي الوصول إلى نوع من «الحكومة السياسية الدولية» فهو يعبر عن مشكلة قديمة قدم العالم نفسه والذي لم يعرف في الماضي سوى حلول مؤقتة «شاملة» في زمن السلام. هناك اليوم من يدعو إلى توسيع إطار مجلس الأمن الدولي بحيث يضم ألمانيا والبرازيل واليابان وجنوب إفريقيا. وهم الإجابات الكاملة

بكل الحالات إن النجاح في التصدّي لهذا التحدي الثالث ستكون له آثاره الإيجابية على صعيد مكافحة الإرهاب والمافيا والحروب الأهلية وكل أشكال الجريمة المنظّمة. مع ذلك يبقى الوصول إلى مثل هذا صعب المنال ولن يتم إلا على المدى الطويل، هذا على عكس الفكرة السائدة لدى الرأي العام في مختلف البلدان.

وهم الإجابات الكاملة

بكل الحالات يرى المؤلف أنه ينبغي على الجميع أن يتخلّصوا من وهم الوصول إلى «إجابات كاملة» على التحديات المطروحة. ذلك أن العالم يعيش مرحلة في غاية التعقيد وهي مرشحة للتعقيد أكثر خلال العقود القادة في أفق وصول عدد سكان هذا العالم إلى حوالي 9 مليار نسمة وبوجود ملايين بل مليارات السلع والمنتجات الزراعية والصناعية والتقدّم المستمر للمعارف العلمية وللإنجازات التكنولوجية. هكذا ومهما كانت قوة «الحواسيب» التي نمتلكها فإنه من المستحيل والخطير تصوّر إحكام السيطرة على المنظومة الاقتصادية الأرضية.

ويحذر المؤلف في هذا السياق مما يسميه «الخطر الإيديولوجي» الذي يدفع نحو التطرّف، خاصة أن الإيديولوجيات المتطرفة يمكنها أن تنبعث في أية لحظة انطلاقا من بؤرة تزمّت قومي أو مشاعر عنصرية حيال الآخر. وليس هناك اليوم أية إيديولوجية مهما كانت طبيعتها، تستطيع أن تجمع السواد الأعظم من البشر تحت رايتها من أجل السيطرة على تحديات القرن الحادي والعشرين. وفي إطار الواقع الحالي تتبادل الدول الاعتراف بسيادة كل منها وتتبادل السفراء وتوقّع اتفاقيات السلام وتتخذ مختلف الإجراءات التي تشجّع المبادلات الاقتصادية والتجارية.

مع ذلك إذا جرى خرق الالتزامات التي كانت الدول قد أقرّت بها فإنه ليس هناك ما يرغمها على احترامها سوى قمع الدولة المعنية بالحرب أو بالتهديد الذي يمارسه عليها تحالف مجموعة من الدول الأقوى. وكان الغرب قد عرف العديد من النصوص حتى الحرب العالمية الأولى بهدف أن تلتزم بها الدول المعنية فيها. لكن الرئيس الأميركي ويلسون بعد تلك الحرب الكونية الأولى دعا إلى المحافظة على السلام الدولي على أساس المسؤولية الجماعية للدول. هكذا قامت جمعية الأمم التي آلت إلى الفشل. لكن تلك المحاولة «الفاشلة» الأولى لم تمنع الأخذ بنفس الفكرة عندما قامت منظمة الأمم المتحدة عام 1945 والتي يزيد عمرها اليوم عن 60 عاما.

قبول تعدد الثقافات

وعرفت العقود الأخيرة أيضا توقيع عدد من المواثيق التي تقبل فيها الثقافات المتنوعة. وتأسست قبل فترة ليست بعيدة محكمة الجنايات الدولية للنظر في جرائم الحرب ومجازر الإبادة. وجرى ضمن نفس الإطار القول ب«حق التدخل الإنساني» من أجل حماية المدنيين في هذا البلد أو ذاك. مع ذلك لا بد من التذكير أن الولايات المتحدة الأميركية، القوة الأكبر في عالم اليوم، لم توقّع على النص الخاص بمحكمة الجنايات الدولية، وأن قوات الأمم المتحدة فشلت غالبا في تحقيق الأهداف التي تدخلت من أجل تحقيقها. كذلك ورغم وجود منظمة العفو الدولية، لا تزال المجازر وعمليات التعذيب موجودة في العالم.

وهناك أيضا ظاهرة تعاظم العنف. وعدد المشاكل التي تتطلّب تعاونا دوليا يتزايد يوما بعد يوم. وهذا كله سوف يستدعي مواجهته مستقبلا صياغة نوع من أنماط السلوك يطلق عليها المؤلف تسمية «أخلاقيات القرن الحادي والعشرين»، والتي تتكون، كما يقدمها، من عدة عناصر أساسية. الأول منها هو «البحث عن معرفة المعلومات الخاصة بمختلف القوى الفاعلة ومعرفة مفاهيمها فيما هو أبعد من الخطاب الرسمي الذي تردده». وتتم الإشارة هنا إلى أكبر الدبلوماسيين خلال الفترة القريبة المنصرمة، من أمثال هنري كسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، ركّزوا دائما على ضرورة فهم القوى الفاعلة الأخرى، فهم الآخر. هذا الفهم يغدو ضروريا أكثر في قرن العولمة الجاري.

والعنصر الثاني الهام «المطلوب» في أخلاقيات القرن الحادي والعشرين يحدده المؤلف ب«تجنّب الأوامر القاطعة التي ترفض كل مصالحة لا تستجيب لإرادة أولئك الذين كانوا قد أصدروا تلك الأوامر». إن مثل هذا المنطق له دائما نتائج سلبية ولا يتوافق أبدا مع مطلب «التأمّل المسؤول» في مستقبل القرن الحادي والعشرين الذي ينبغي أن يكون «قرن المصالحات الكبرى» إذا أراد أن يتجنب النزاعات والحروب المدمّرة.

المناخ والتعاون الدولي

يحمل عنوان الفصل الأخير من هذا الكتاب عنوان: «النضال ضد التغيّر المناخي: التعاون الدولي الذي لا بديل عنه». ويعتبر المؤلف أن «التغير المناخي» هو التحدّي الأكبر في القرن الحادي والعشرين. وهذا يولّد مسؤولية ملقاة على عاتق الأجيال الحالية، إنها مسؤولية أن يتركوا للأجيال القادمة وضعا يسمح لها بمتابعة نموّها ووسائل بقائها. وكل المفاوضات الجارية بين الدول تقوم على أساس هذه القاعدة.

وبعد أن يتعرّض المؤلف للبحث المسهب في مسؤوليات الحكومة يقوم بتحليل ذي طابع إقليمي فيما يتعلق بسياسات التصدي ل«سخونة الأرض». فعلى صعيد الاتحاد الأوروبي هناك خطة لتقليص كمية الغازات السامة والضارّة بالنسبة لطبقات الجو وللبيئة بنسبة 20 بالمائة في أفق عام 2020.

والمعضلة الكبرى التي تلوح في الأفق بالنسبة للاتحاد الأوروبي تتمثل في أن لا يطرح نفسه ك«من يعطي الدروس للآخرين» أو «من يعلّم الفضيلة»، ولكن بالمقابل أن لا يقبل أيضا أن يكون «ضحية» تدفع ثمنا كبيرا من أجل تأمين رفاهية العالم. والولايات المتحدة لم توقّع على اتفاق كيوتو، وهذا يعود أكثر إلى رفضها قبول الانصياع إلى واجبات متعددة الأطراف باعتبارها القوة الدولية الأكبر مما هو إلى اعتراضها على مضمون اتفاقية كيوتو نفسها.

لكن هذا لا يمنع واقع أن الرأي العام الأميركي قد فهم خطورة التغيّر المناخي وهناك عدة مبادرات جرى اتخاذها على مستوى الولايات المختلفة، ومراكز الأبحاث الأميركية أطلقت برامج بحث طموحة. والمهم هو أن تقبل الإدارة الأميركية الحد من إصدار الغازات السامة من مصانعها اعتبارا من عام 2012 كما سيفعل الأوروبيون وليس اعتبارا من عام 2020 كما أعلنت مسبقا.

تأمين الطاقة

وعلى الصين والهند والبرازيل أن تلعب دورا في تقليص حجم الغازات الصناعية المنطلقة إلى الجو عبر تحديث منشآتها القديمة والبحث عن مصادر طاقة «نظيفة». وكان تقليص الإنتاج الصناعي الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قد قلل كثيرا من الغاز المنطلق من مصانعها خلال العقد الأخير من القرن العشرين.

ويحدد المؤلف القول إن هناك مسؤوليات كبيرة تقع على عاتق بلدان الشرق الأوسط وليس أقلّها لإدارة احتياطاتها من مصادر الطاقة لتأمين مستقبل أجيالها القادمة، وتسهيل استثمار حقول الطاقة كي لا يتباطأ النمو العالمي خلال فترة الانتقال إلى طاقة «غير ملوّثة»، وضبط الأسعار. وفي المحصلة النهائية يصل المؤلف إلى القول: «القرن الحادي والعشرون ليس قرنا كغيره من القرون، ولكنه أيضا قرنا انتقاليا إلى حقبة قادمة».

المؤلف في سطور

عمل جاك لوسورن، مؤلف هذا الكتاب، خلال سنوات أستاذا للاقتصاد والاحصاء الصناعي وشغل عدة مناصب وظيفية عليا. وهو أحد الباحثين المشهود لهم بالكفاءة على الصعيد الأوروبي ، بل والعالمي، فيما يتعلق بمجال دراسات استشراف المستقبل. ذلك منذ أن أصدر في عام 1981 كتابه «دروب المستقبل الألف» الذي تساءل فيه آنذاك عن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للعالم حتى نهاية القرن العشرين.

من كتبه أيضا :»الديمقراطية والسوق ومنظومة الإدارة: أي مستقبل؟» و«أية طاقة من أجل الغد» و»ما بعد الشيوعية» و»النموذج ـ الموديل ـ الفرنسي : بين العظمة والانحطاط»... الخ.

الصفحات: 345 صفحة

الكتاب: الأزمات والقرن الحادي والعشرون

تأليف: جاك لوسورن

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: اوديل جاكوب - باريس - 2009