مطلوب من الإنسان التأمل في التحديات التي يطرحها هذا القرن الحادي والعشرون. ويرى مؤلف هذا الكتاب أن جميع هذه التحديات المتعلقة بالتغيّر المناخي أو بمخاطر الأوبئة أو بالعولمة الاقتصادية ينبغي المواجهة بنسق منظّم.
ويتم التنبيه أولا من خطورة تلك التحليلات التي تقدم سببا وحيدا لهذا الحدث أو ذاك، ذلك أنه ينبغي البحث عن أسبابها الأكثر عمقا. والتنبيه أيضا من التصريحات التي تطلقها وسائل الإعلام التي تحاول أن تصيغ في جملة واحدة أحيانا دواء ناجعا لظواهر في غاية التعقيد.
ومن المشاكل التي يؤكد عليها المؤلف هناك العلاقة بين الأفراد والمجموعات. فهذه العلاقة تتبلورحولها مشاكل تكدّست على مدى عقود طويلة. وعندما يقول رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي: «ترى فرنسا أن...»، فإنه يعبّر كفرد انتخبته أغلبية وبالتالي يمكن القول أنه يعبر باسم جميع المواطنين، وحتى أولئك بينهم الذين يعتقدون أن الآراء التي يعبّر عنها خاطئة. وكان الأمر أكثر وضوحا بالنسبة للرئيس جورج دبليو بوش الذي كان ينفذ سياساته ووراءه إدارته، الأمر الذي لا يمنع حقيقة أن العديدين في العالم كانوا يرفضون الخلط بين رئيس الولايات المتحدة «الفرد» وبين الشعب الأميركي ك«مجموع».
ومن الشائع أن تقوم الحكومات بتقديم الوعود دون أن تأخذ في أحيان كثيرة أنها لا تملك وسائل تحقيق تلك الوعود. مثل هذه الوعود ينبغي أن يتجنّب اللجوء إليها أولئك الذين يهتمون باستشراف المستقبل وإعطاء أهمية كبيرة بالدقّة عندما يتحدثون عن السوق العالمي للبترول وعن النمو الاقتصادي الصيني والفقاعات المالية والشركات متعددة الجنسيات والحركات الإرهابية.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن بعض أحداث التاريخ تتولّد من «منعطفات» ما كان أحد قد تعرّض لذكرها من قبل. والخطورة الكبرى في الدراسات المستقبلية تتمثل، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، في تقديم قراءات «تبسيطية» للعبة الدولية أو اللجوء إلى «تعميمات» لا تأخذ في اعتبارها واقع أنه ينبغي النظر إلى المستقبل ب«صيغة الجمع» وليس ب«صيغة المفرد» باسم «قوانين التاريخ» أو غيرها.
وتتمثل نقطة الانطلاق التي يتم التأكيد عليها في استشراف المستقبل بالانطلاق من مسلّمة واضحة هي أن الفرضيات التي تعتمد عليها في قراءة المستقبل لا تمتلك أية مادة أولية سوى المعرفة التي كدّستها البشرية والمتوفرة في الزمن الحاضر. لكن هذه المعرفة تشابه كثيرا «كهف علي بابا» فيها الرث والثمين والقراءات المتنوعة للماضي والمعطيات الرقمية والمعلومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
لكن رغم هذا كله لا بد للمهتمّ بالمستقبل إلا أن يعتمد عليها ف«المستقبل لا يتم استشرافه عن طريق الحدس». وإذا كان المؤلف يؤكد على وجود أصحاب بعض العقول النيّرة ذات الثقافة الواسعة والتجربة المهنية العميقة التي قد تساعد على التفكير المستقبلي، فإنه بالمقابل حاسم في التأكيد أنه لن يكون هناك أي عمل مقبول حول المستقبل إلا على قاعدة بذل جهود كبيرة من أجل جمع المعلومات وكذلك شريطة أن يتم الاعتماد على إحصائيات دقيقة. وأيضا شريطة قبول أن احتمالات المستقبل «متعددة»، لكنها تنطلق كلها من الحاضر.
ويسوق المؤلف أمثلة عديدة على خطأ «التوقعات المستقبلية» أو عجزها عن ترقّب مستجدات لم تكن في الحسبان. هكذا لم يستقرئ خبراء الديموغرافيا الأوروبيين عام 1963 أن أوروبا سوف تشهد انخفاضا كبيرا في الولادات، وكانت مفاجأتهم كبيرة أمام انخفاضها السريع خلال العقدين الأخيرين في بعض مناطق العالم الثالث. لكن هذا لا يمنع واقع أنه يمكن ترقّب ما سيكون عليه عدد سكان العالم خلال فترة قصيرة قادمة كعقود ثلاثة مع هامش خطأ طفيف، إلا في حالة وقوع أحداث كبرى «مفاجئة» مثل الحربين العالميتين اللتين شهدهما القرن العشرون. من هنا يتم التأكيد أنه من الصعوبة بمكان القول «بثقة» إذا كان عدد سكان العالم سيكون في نهاية هذا القرن الحادي والعشرين هو 9 مليارات نسمة أو أكثر أو أقل.
ولا يتردد المؤلف في القول أن مستقبل عالمنا مرهون إلى حد كبير بمكتشفات العلم الكبرى وبما ستؤول إليه مسيرة التجديد التكنولوجي. لكن لا أحد يستطيع بالمقابل أن يجزم بعدم وقوع حوادث «نووية» تنشر إشعاعات قد تقتل ملايين البشر. ثم إن ثورة المعلوماتية والاتصالات التي ترتبت على الصناعة «الرقمية» أحدثت قطيعة حقيقية مع الفترة السابقة. بهذا المعنى يمكن للعلم والتكنولوجيات أن تكون سببا كبيرا في إشاعة حالة من عدم الثبات، بل والتشوش في المسيرة الإنسانية.
وأحداث التاريخ يمكنها هي الأخرى أن تساهم في تحديد مسار ما بعدها. وكم من أحداث الماضي كان منها أن تجعل التاريخ ينمو في اتجاه آخر، ويتساءل المؤلف: «ماذا لو كان نابليون قد انتصر في معركة واترلو ولو أن محاولة اغتيال هتلر قد نجحت ولو أن انجليزيا أو فرنسيا كان هو الذي اكتشف أميركا «العالم الجديد» وليس كريستوف كولومبس.
ما يتم التأكيد عليه في هذا السياق هو عدم الاكتفاء بقراءة «وحيدة النظرة» إلى الماضي. هكذا ينبغي مثلا لأولئك الذي يحاول استقراء مستقبل الطاقة في أوروبا أن يدرك أن الأوروبيين كانوا قد عرفوا مرحلتين انتقاليتين في تاريخهم الحديث مع ميدان الطاقة. الأولى في نهاية القرن الثامن عشر عندما أدّى التصنيع إلى انحسار الغابات واستخدام الفحم مع اختراع الآلة البخارية. والمرحلة الثانية كانت في بدايات القرن العشرين مع اكتشاف حقول النفط. في هاتين المرحلتين استغرق «الانتقال» من حالة إلى أخرى حوالي 50 سنة. وهذه الفترة هي التي يحددها المؤلف بالنسبة للمرحلة الانتقالية الحالية المترتبة على ثورة المعلوماتية والاتصال الرقمي.
«قراءة المستقبل» تتطّلب بالنتيجة، كما يرى المؤلف، توفّر شرطين أساسيين هما «الحزم والمخيلة». فبدون مخيلة، لا يمكن تصور إلا أشكال مستقبلية تشابه الحاضر القائم،هذا إذا لم يتم تشويه هذا الحاضر. ولكن دون حزم، يغدو المستقبل، كما يتم رسمه، مجموعة من التهويمات التي لا تجد سندها في الواقع. ومنهج البحث المستقبلي لا يمكن أن يكون سلسلة من المعلومات والحسابات ولكن مراحل تتطلّب «تشغيل المخيلة» واللجوء إلى «المحاكمة العقلية».
ويستوجب استقراء المستقبل أيضا ثقافة واسعة ومعارف مهنية متأصّلة بحيث يتم استخدام مختلف مشارب البحث. ذلك أنه لا يمكن تصوّر «استشراف ملامح المستقبل» بالاعتماد فقط على معطيات اقتصادية أو تقنية أو سياسية. ولا يكفي في هذا الإطار عمل «الهواية» بل لا بد من «الاحتراف» من أجل محاولة فهم توجهات المستقبل بكل تنوعها. وينتهي المؤلف إلى القول: «إذا نظرنا نحو المستقبل بجدية لا بد أن نفهم أنه مفتوح لاحتمالات عديدة. ولا ينفع في شيء أن نراه ملبّدا بالغيوم ذلك أن المستقبل سوف تصيغه أفعال الأفراد والجماعات وعليهم جميعا تصميم صورته». وينتهي إلى القول: «القرن الحادي والعشرون هو قرن مفتوح لكنه يضع الإنسانية أمام مجموعة من التحديات الجديدة».
استمرار أم قطيعة
يستخدم المهتمون باستقراء المستقبل الكثير من التعبيرات الشائعة مثل «منعطف» و«تسارع التاريخ» و«الانحطاط» و«الكارثة» و«البقاء» و«التهديد» و«التدمير»، وتعبيرات أخرى عديدة مأخوذة من مختلف أشكال النشاط الإنساني، لكنها مأخوذة أيضا من التاريخ «المضطرب» الذي عرفته الإنسانية خلال القرن العشرين. لكن المؤشرات كثيرة أيضا وخلاصة دراسات المهتمين بالمستقبل تصبّ كلها في القول أن القرن الحادي والعشرين قد يشهد هو الآخر «زيادة المخاطر».
ما يجمع عليه المختصون والخبراء هو أن القرن العشرين كان «رهيبا» أكثر من القرون التي سبقته حيث أنه شهد حربين كونيتين وسلسلة طويلة من المجازر دفعت إلى توصيفه أنه «القرن الأكثر سوادا والأكثر عنفا في تاريخ الإنسانية. لكن هذا لا يمنع من الإشارة أنه كان القرن الذي شهد تناقصا كبيرا في وفيّات الأطفال وزيادة هامة في سنوات العمر.
وعلى مستوى العنف العادي بدأ القرن الحادي والعشرين في مسار «استمرارية» ما كانت قد عرفته العقود الأخيرة من القرن العشرين. ذلك مع تدويل الإرهاب في ظل العولمة واستمرار العنف في بعض «النقاط الساخنة»، خاصة في فلسطين وبعض مناطق آسيا وأميركا اللاتينية. ويركّز المؤلف على القول أن الملفين اللذين يثيران أكبر درجة من القلق في العقود القادمة من هذا القرن الحادي والعشرين، هما «مرجل الشرق الأوسط من فلسطين إلى كابول وإلى إسلام آباد» و«تصاعد المآسي في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء».
وفي المحصلة يحدد المؤلف سمتين أساسيتين يبدأ فيهما القرن الحادي والعشرين. فمن جهة، لا يمكن القول أن المعطيات الخاصة ببقاء الإنسانية ليست مختلفة إلى حد كبير عن تلك التي كانت سائدة منذ قرنين من الزمن. ومن جهة أخرى، لم تترتب حتى الآن على التغيّر المناخي سوى بعض الآثار الثانوية وهناك ما يسمح بالقول أنه يمكن الحد من هذه الآثار عندما سيقتنع البشر بمدى حقيقة وخطورة ما تمثله هذه الظاهرة.
لكن رغم هذا يرى المؤلف أن مصدر الخطر الكبير يتمثل في الطريقة «الجديدة» لرؤية العالم والتي لا تشترك في شيء مع القناعات التي سمحت في الماضي ـ بالنسبة للغرب على الأقل ـ بالسيطرة على المغامرة الإنسانية.
الصفحات: 325 صفحة
الكتاب: الأزمات والقرن الحادي والعشرون
تأليف: جاك لوسورن
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: اوديل جاكوب - باريس - 2009



