يصفه عشاقه بـ «شريان قلب بغداد»، فهو أول وأقدم وأجمل شارع شق في عاصمة العراق في عصرها الحديث، ويشير المؤرخون إلى إن والي بغداد مدحت باشا كان يفكر في ربط باب المعظم بالباب الشرقي عبر شارع مستقيم هو شارع الرشيد حاليا، إلا أن فترة ولايته القصيرة لم تسمح له بتحقيق الأمنية،وجاء خليل باشا لينفذ فكرة مدحت باشا، لذلك أطلق على شارع الرشيد في البداية اسم «خليل باشا جادّه سي»، وجرى افتتاحه في ذكرى إعلان الدستور العثماني في 23 يوليو من العام 1916.
و ظلّ الشارع حتى دخول الإنجليز بغداد في 11مارس 1917 مليئاً بالحفر ويعلوه التراب، وتم تعبيده وأطلق عليه «الشارع الجديد»، بينما سمّاه البغداديّون «الجادة العمومية»، ثم سمّي «الشارع العام»، ليطلق عليه أخيراً اسم «شارع الرشيد»، تيمّناً باسم الخليفة هارون الرشيد، الذي عاشت بغداد في عهده عصراً ذهبياً لا مثيل له. ويعد الشارع الذي يبلغ طوله نحو 4 كيلومترات، أول شارع يعبد في العراق، وبدأ كمركز تجاري وثقافي وترفيهي.
ويتذكر من بقي على قيد الحياة من معاصريه إن أمانة العاصمة كانت قبل أكثر من نصف قرن تغسله بخراطيم المياه والمنظفات مساء كل يوم، بعد أن يخلو من السيارات والسابلة!ويتحسر أولئك المعاصرون وهم يرون شارعهم المحبب تستوطنه الآن أكداس القمامة، وقد قطعت أوصاله الحواجز الكونكريتية، وفوضى الباعة والحمالين والعربات التي تجرها الحمير، والخراب الذي أصابه، وجعل معظم محالّه مغلقة، ما يعكس الصورة «البشعة» لأجمل شوارع بغداد!
و«كانت لشارع الرشيد واسطة نقل هي سيارات الشيفرولية الفارهة بلونها الأبيض فقط، وعلامة على الزجاجة الخلفية من السيارة تبرز تفردها بنقل الركاب من منطقة القصر الأبيض نزولا بالباب الشرقي فشارع الرشيد حتى منطقة الباب المعظم وبالعكس، وكانت الأجرة آنذاك ؟؟ فلسا فقط».
وكانت السيارات غير الأنيقة والشاحنات تمنع من المرور بالشارع نهائياَ، أما باصات مصلحة نقل الركاب فلا تنطلق صباحا إلا بعد أن يصعد إليها /سيد جعفر/ مسؤول النقل، ليتأكد من نظافة المقاعد، وهو يلامسها براحة يده، فباصات رقم (4) الشهيرة تغسل صباحا قبل أن تمر بشارع الرشيد«.
وإذا ذكر شارع الرشيد في خمسينات القرن الماضي، لابد أن يذكر معه أشهر سوق تجاري على طراز أسواق أكسفورد بلندن وأسواق الشانزيليزيه بباريس، هو «أوروزي باك»، الذي كان يرحب بوّابه الأنيق بالزائرين، بخلع قبعته، تحية، إلى جانب متاجر يضمها الشارع مثل حسّو إخوان والياس حسّو، ومتاجر أخرى على الطريقة الباريسية!
وإذا أراد المواطن أن يرتاح قليلا، فهناك المقهى البرازيلي ملتقى الأدباء والمثقفين والنخبة من البغداديين، والتي تفوح منها رائحة البن المستورد.وعند ساحة حافظ القاضي، يطل أستوديو (أرشاك)، وثمّة مداخل متعدّدة تربط شارع الرشيد بشارع النهر، ومن أهمّها سوق المستنصر بمتاجره المتراصة والمحميّة بسقف من الآجر، من مساقط الشمس، وأمامه عمارة الدامرجي ذات الطوابق السبعة، والتي شيّدها عبد الهادي الدامرجي عام 1948.
ويستمر الشارع ليصل إلى سوق الصفافير، أحد أقدم الأسواق البغداديّة، المعروف بصناعة وبيع التحف النحاسية، يليه شارع المتنبي بغابته من المكتبات المتراصّة على جانبي الشارع وتفرّعاته.وتتواصل المتاجر، ويطل شربت الحاج زبالة الذي يقدّم عصير الزبيب مع ساندويتشات الجبن الطازج، ويقابله «كعك السيد» الذي تأسّس في العام 1906، ثم «المصوّر الأهلي» الشهير.
ومن الأسواق التي يمرّ بها شارع الرشيد، سوق الهرج، وهو السوق الأكثر فوضويّة في جانب الرصافة من بغداد، ويجاوره مقهى أم كلثوم قرب ساحة الميدان.أما قبل نهاية الشارع عند باب المعظم، تقف وزارة الدفاع ببوابتها التاريخية الرائعة، وبجانبها قاعة الملك فيصل الثاني، وهي صورة مصغرة من أوبرا باريس، وبجانبها أشهر حديقة عامرة بالألعاب المسلية هي حديقة المعرض.
اليوم.. وبعد أن ودعت بغداد الزمن الجميل، وتلاشت صورتها المشرقة، وخاصة بعد الغزو الأميركي عام 2003، تحول شارع الرشيد إلى «شارع أشباح»، وخاصة قبيل المغرب، بعد أن كان يضج بالحياة والحركة والأضواء، طوال الليل.
فقد حلت روائح زيوت السيارات محل عطور الحسناوات، وأصوات المولدات الكهربائية وضجيجها بدلاً من وقع أقدام الصبايا، ودوي الهاونات والعبوات الناسفة بدلاً من همسات الليالي الغافية على ضفاف نهر دجلة، لتضيع ملامحه التي ارتبطت بذاكرة البغداديين. وبدا على شارع الرشيد الإرهاق والتآكل، كأن الزمن توقف، فغابت عنه أماكن اللهو والترفيه من دور السينما والمسرح والمقاهي التي كانت تعج بالزبائن من مختلف الأعمار والمشارب والأهواء.
بغداد ـ «البيان»
