البطاقة الخضراء أو «الغرين كارد» أو الحصول على الجنسية الأميركية، حلم الكثير من الشباب الطامح إلى أسلوب حياة مختلف وربما أفضل، إلى فرص اقتصادية متساوية، إلى تحقيق أحلام لم تتسع لها مساحة بلده الأم.

الهجرة إلى بلاد العم سام والاستقرار فيها شكلت هاجساً كبيراً لمجموعات عديدة من الشباب العربي أو غيره، بعضهم تمكن من القدوم والعيش فيها إما عن طريق دراسة أو فرصة عمل، ولكن شرائح أخرى وصلت واستقرت بطرق وإشكال متعددة، منها القانوني ومنها غير ذلك، أو عن طريق قرابة دم طبيعية، ومنها عن طريق قرابة مفتعلة مثل الزواج.

ويبدو أن الزواج كان ولا يزال حلا أسهل وأسرع وأحيانا مثاليا لبدء مشوار الغرين كارد والجنسية، وهذا ما يدفع الكثير من الناس، رجالا ونساء إلى تبادل المصالح، ومن هنا تشكلت ظاهرة زواج « البزنس» أو المصالح المشتركة.

وهذا الزواج يقوم على فكرة أن يدفع الطرف الأول الذي يريد الانتفاع من بطاقة الإقامة مبلغا متفق عليه من الدولارات للطرف الثاني الذي يسهل له ذلك عن طريق عقد زواج رسمي، يستمر هذا الزواج حتى يحصل الطرف الأول على بطاقة الإقامة أو ربما الجنسية، ومن ثم تنتهي علاقة الطرفين.

وربما يكون هذا النوع من الزواج خطرا إذ تحذر إدارة الهجرة الأميركية منه، ولكنه يبدو من ناحية أخرى أكثر إنسانية من الزواج الذي يتم بهدف استغلال الشخص الذي يحمل الجنسية الأميركية سواء كان رجلا أو امرأة دون علمه، ومن ثم يحدث الطلاق ليشكل صدمة للطرف المستغل.

ورغم شيوع كلا النوعين إلا أن الصورة لا تبدو قاتمة تماما، إذ ان هناك الكثير من الشباب الذي يرفض استغلاله ولو دفعت له آلاف الدولارات، والكثير أيضا يرفض مبدأ استغلال طرف آخر من أجل الجنسية الأميركية.

عبد الرحمن البرديسي شاب عربي من مصر يعيش في ولاية فيرجينيا، غير متزوج، يقول: لقد عرضت علي كثيرا فكرة الزواج من أميركية حتى أحصل على الجنسية، ولكنني رفضت، لأن مبدأ استغلال الآخر أمر مقيت، إضافة إلى ذلك أريد عندما ارتبط بفتاة أن تكون بمواصفات معينة، وحتى إذا كان هذا الزواج عمليا ويسهل أمورا كثيرة ستظل فكرة الاستغلال تعكر أفكار الطرفين، أنا ضد أن يستغل أي طرف الآخر سواء بالنسبة للشباب أو الشابات. البرديسي يؤكد قراره بعدم الزواج من داخل الولايات المتحدة، ويرجح أن تكون شريكة حياته من وطنه مصر، ومن ثم يأتي بزوجته إلى أميركا، فهو يرى في ذلك الحل الوحيد المناسب.

رفض جماعي

سبعة عشر صديقا عربيا من جنسيات مختلفة اجتمعوا وكانوا يتحدثون عن موضوع الزواج من أميركيات، وما يوفره لهم من تسهيلات، ولكنهم جميعهم رفضوا فكرة الزواج فقط من اجل الحصول على الجنسية، وهم كعبد الرحمن يقولون إنه ربما يعودون إلى بلدانهم الأصلية ليختاروا شريكة المستقبل. وزواج البزنس ينتشر بشكل كبير في ولايتي كاليفورنيا وفلوريدا، وهما ولايتان تستقطبان الكثير من المهاجرين من أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية، وخاصة أميركا الجنوبية أو اللاتينية.

إيمان أميركية من أصل عربي، تعيش في كاليفورنيا منذ عشرين سنة، تقول إن ظاهرة زواج البزنس فعلا موجودة وكثيرا ما يتفق طرفان على تبادل المصالح، ومن بينهم عرب وغير عرب، ونادرا جدا ما تستمر مثل هذه الزيجات، ولكن إدارة الهجرة دائما تحذر من فعل ذلك، وتقوم بتحقيقات دقيقة للتأكد من حقيقة الزواج، لكنها بالطبع لا يمكنها اكتشاف كل الحالات.

سوسن أميركية من أصل عربي، تزوجت من شاب من بلدها الأم، تقول أنا ولدت وعاشت حيات في أميركا، ورغم ذلك لم تفكر في الزواج.و إحدى الإجازات الصيفية التي ذهبت فيها إلى طرابلس، تعرفت على أحد أقاربها وقررا الزواج بعد ذلك بفترة وجيزة، وهو الآن هنا ويعمل في مكان جيد لكنه لم يحصل بعد على الجنسية. وحول احتمال أنه تزوجها ربما طمعا في القدوم إلى الولايات المتحدة والحصول على الجنسية، قالت كلا لم يخامرني الشك في عمق مشاعره تجاهي، ثم كل شيء حدث دون ترتيب.

أديب زوجها نفسه قال مازحا: هل الجنسية الأميركية تشكل عاملا مشجعا؟ ربما، ولكني أردت الزواج بسوسن لأنني مقتنع بأنها الفتاة المناسبة ولإعجابي بها، بالطبع لم يكن موضوع الجنسية عاملا مهما أو أساسيا بالنسبة لي، ولو لم تكن على ما هي عليه، لما تزوجتها لمجرد الحصول على الجنسية لاحقا.

منال أميركية من أصل عربي، تعمل في واشنطن العاصمة، تحكي قصتها المثيرة للتعجب، وتقول: لقد تزوجت من أميركي مصري، ولم أكن أعرفه، ولكن كان ذلك عن طريق الأهل والأصدقاء الذين رشحوه لي، وقالوا إنه يبحث عن زوجة، وهو يعمل ويعيش في أميركا، ولم أكن أعرف عنه شيئا، فوافقت وسافرت إليه بفستان العرس، ورغم الشكوك التي كانت لدي كوني لا أعرفه غير إن العيش في بلاد العم سام والحصول على الجنسية أمر بالتأكيد كان مشجعا، وفكرت أن شخصا يعيش في أميركا لابد أن يكون منفتحا ومتحررا من بعض المشكلات والعقد التي تمارس ضد المرأة في مجتمعاتنا العربية. غير أن ذلك كما تذكر منال لم يكن صحيحا، ورغم أنها أنجبت أطفالا وحصلت على الجنسية، إلا إن حياتها مع زوجها لم تتحسن لأنه كان يضربها دائما، وبعد حوالي ثلاثة عشر عاما تم الطلاق.

ولكن كما لو كان التاريخ يعيد نفسه، وإن كان بشكل معكوس، تمر سنوات أخرى وتقبل منال الزواج بعربي آخر، وهو متزوج ورغم شهادة الدكتوراه التي كان يعد لها، غير أن ذلك لم يمنعه من فكرة الزواج الثاني والطمع في الجنسية الأميركية، وبعد أن قطع العهود المغلظة لمنال أنه لن يفكر في إحضار زوجته الأولى إلى الولايات المتحدة، غير أنه بعد أنجاب الطفل الأول ومن ثم الثاني بدأ يلح لإحضار زوجته وأولاده الآخرين. وبدأت الحياة تتعقد أكثر بالنسبة لمنال، فقوانين الولايات المتحدة لا تسمح بتعدد الزواج، فإن وافقت أن يحضر زوجته وأولاده وهذا ما لا تريده ولكن من أجل أن ترضيه هذا يعني أن يطلقها رسميا ويبقيها شرعيا، وهذا أسلوب يتبعه الكثير من العرب المسلمين للتحايل على قوانين الولايات المتحدة والإبقاء على زوجتين.

ولكن منال رفضت ذلك وحرمت زوجها من العيش معها باستمرار وبالتالي تأخر حصوله على الإقامة، إضافة إلى النكد في الحياة، وإن وافقت على ذلك فهذا يعني أنها يجب أن توافق على الطلاق وتفقد كل حقوقها، فالقوانين الأميركية لا تعترف بغير الزواج الرسمي. وتشير منال إلى أنه رغم أن ذلك قد يأخذ سنوات طويلة تمتد إلى عشر سنوات في حال طلاقي منه، غير أن المسألة تزعجني وتنكد علي حياتي وتعقدها.

ريما عبد الخالق أميركية ولدت وعاشت بالولايات المتحدة، في إحدى الإجازات الصيفية عادت إلى موطنها الأصلي لبنان، وتعرفت على طلال الشاب الذي كان ينهي دراسته الجامعية، وبدأ العمل في مجال الهندسة الميكانيكية، وتوثقت علاقتهما بعد عودتها إلى الولايات المتحدة، وتقول ريما عندما بدأ موضوع الزواج يطفو على السطح شككت إنه ربما يريد الزواج بي بهدف الحصول على البطاقة الخضراء، ولهذا كنت أكثر دقة في التعامل،ولكني وجدت أن الأمر لا يعنيه كثيرا.

وعندما اتفقنا على الزواج كان يميل أكثر إلى انتقالي أنا إلى لبنان، لأن لديه وظيفة ممتازة، ولكن أمي كانت تريد أن أظل قريبة منها، وهكذا بعد الزواج، احتجنا إلى سنة كاملة قبل أن يحصل على تأشيرة، وكنت قد عزمت على الانتقال لتأخرها. نحن الآن سعداء في حياتنا وهو يعمل في نفس مجال دراسته ووضعه جيد، حصل على»الغرين كارد» أو البطاقة الخضراء منذ شهور فقط.

واشنطن ـ سماء محمد