بعد مضيّ ما يقارب ال13 أسبوعاً على أزمة حكوميّة مرشّحة لأن تبلغ مراتب قياسيّة في سجلّ الأزمات الحكومية في لبنان، وتزامناً مع تكريس حيازة رئيس تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري، في 16 سبتمبر الفائت، «مفتاح» التكليف والتأليف بطبعته الثانية، في ضوء ما أفرزته الانتخابات النيابية وبحكم زعامته الأكثرية، فإن بقعة الضوء الحكوميّة تبدو مسلّطة على مشاورات ومفاوضات جديدة يستوجبها التكليف الجديد، على أن تبصر الحكومة النور قبل 15 أكتوبر المقبل، موعد بدء العقد العادي للمجلس النيابي، حسب تأكيد عضو «تكتل لبنان أولاً» النائب الدكتور أحمد فتفت ل«البيان».
التكليف الثاني للرئيس المعتذِر في السابع من سبتمبر الماضي جاء بنتيجة 73 «نعم»، بعدما كانت تسميته في استشارات 26 و27 يونيو (التكليف الأول) «حصدت» أصوات 85 نائباً، وذلك إثر قرار اتخذه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وقضى بحجب أصوات النواب ال13 في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها عن تسمية الرئيس المكلّف.. كل ما جرى لا يدخل في حسابات النائب فتفت.
والذي يصرّ على طمأنة من يعنيهم الأمر بأن «الشيخ سعد هو، حالياً، في الموقع الأقوى لا الأضعف»، بمعزل عن لغة الأرقام التي لم «تحصّن» حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تلت انتخابات ال2005، ف«قد نال 126 صوتاً، ولم يساعده هذا الأمر، إذ حصلت الأزمة بعد أسابيع قليلة من تأليف حكومته»، ليخلص إلى القول إن «المعيار هو في الخيار السياسي، وليس في عدد الأصوات».
ومن سابقة إعادة تكليف المعتذِر، يبدأ فتفت كلامه خلال حوار أجرته معه «البيان»، وخصوصاً أن لها عنده رأياً سياسياً لا يقبل الجدل: «هذا يعني أن لا أحد لديه القدرة، حالياً، على تأليف الحكومة اللبنانية سوى الشيخ سعد»، وإلا «لكانت المعارضة طرحت اسما آخر»، و«هذا ما لم يحصل، بعدما اختارت أن تسمّي: لا أحد»، معرباً عن اعتقاده بأن الرئيس المكلّف «مرتاح كثيراً.
لأنه لم يعد مكبّلاً سياسياً من قبل بعض من أسماه في السابق»، ف«هو، حالياً، مكلّف من طرف سياسي واحد، وعنده مهمة سياسية واضحة، وسيتعاطى مع كل الأفرقاء من دون أن يكون مضطراً إلى تقديم تنازلات.. وبالتالي، فإن مسار الحكومة سيتعلّق بتأليفها وببيانها الوزاري، ولن تكون متعلّقة بمن سمّى وبمن لم يسمِّ».. أما اعتذاره ثانية، ف«غير وارد أبداً، وغير مسموح به، بالمنطق السياسي.. وعلى رئيس الجمهورية أن يحسم القرارات».
وفي جردة حساب سريعة، يشير فتفت إلى وجود اختلاف بين «التكليفين»: الأول حصل فور انتهاء الانتخابات النيابيّة، و«حينها، أعلن الحريري رغبته بحكومة وحدة وطنية، ولم يعمل إلا على أساس هذه الرغبة»، معتبراً أن «سياسة اليد الممدودة التي أصرّ الحريري على إرسائها لم تلاقِ أي يد ممدودة في المقابل.. حتى أن نتائج الانتخابات النيابيّة لم تُقبل حتى الآن.. ورغم ذلك، تمّت تسمية الحريري، وأدّى موقف برّي من تسميته إلى كسر حالة الاصطفاف الطائفي والمذهبي في حينه، وجعل الأمور وكأنها تسير مساراً جيداً في هذا الاتجاه».
وفي سياق التكليف الأول، عزا فتفت سبب ما أسماه «الخطأ الذي حصل» إلى كون الحريري تعاطي بانفتاح «زيادة على اللزوم، إلى حدّ أنه تعاطى بطيبة قلب»، مضيفاً: «عندما تمّ الاتفاق على صيغة 15-10-5، بشّر الرئيس برّي بأن الحكومة ستبصر النور خلال 48 ساعة، وهذا ما لم يحصل.. فالمعارضة كانت تنطلق من أيّ مكسب تحصل عليه لتحقّق مكسباً آخر، لا لتنجز اتفاقاً.. فهي، أولاً، اعتبرت أن حكومة الوحدة الوطنية مكسباً، على اعتبار أنها ستكون طرفاً في المعادلة الحكومية، في حين أن لا وجود للطرف في الأصول الديمقراطية.. وهي، ثانياً، وضعت صيغة 15-10-5 في خانة المكاسب، وبدأت بالعرقلة في توزيع المواقع والوزارات والأسماء».
أما التكليف الثاني، فهو «مختلف كلياً» عن الأول، لأنه «ذو صفة سياسية واضحة، أي بمعنى أنه سيأخذ بعين الاعتبار أكثر مطالب الأكثرية، والتي لم تعد تقول انها مستعدّة لتقديم التنازلات»، فحكومة ال15-10-5 تعني، حسب فتفت، «الاعتراف بحقّ الأكثرية بالحصول على نصف الوزارات، بما فيها السياديّة والخدماتيّة، بعدما تنازل الشيخ سعد كثيراً بشأنها في المرحلة الأولى».
ولأن المنطلق أصبح الآن «النقطة الصفر، ولم يعد ال15-10-5 الذي انتهى مع الحوار السابق»، يؤكّد على أن «لا مكان للاتفاقات المرحليّة، فإما أن يكون هناك اتفاق أو لا يكون، وهذا يعني أن الحريري سيعتمد الاتفاق النهائي أساساً لأي مفاوضات سيجريها.. وذلك، لكون أي اتفاقات مرحليّة ستدخل في حسابات المعارضة، كما حصل في المرحلة الأولى، وكأنها مكسب تنطلق منه في اتجاه تحقيق مكسب إضافي»، مضيفاً: «سلّة متكاملة أو لا شيء، ولن نقبل أبداً باتفاقات مرحليّة، لأن لا ثقة لدينا بها.. وبالأساس، لا حقّ للمعارضة بالحكومة، لأنها خسرت الانتخابات.. ألم يقل حسن نصر الله، عام 2006، إن الذي يربح الانتخابات يحكم؟».
ومن بوّابة المرحلة الأولى من التكليف، أوضح أن الحريري قدّم إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان تشكيلة حكومية «بناءً على مبادرة شخصيّة منه، وأيّدتها الأكثرية من منطلق ثقتها به رئيساً مكلّفاً، علماً أنها لم تكن راضية عن مضمونها».. وذلك، قبل أن يطلّ النائب المستقبلي على الآتي الذي «يضجّ» بالاحتمالات، بدءاً من حكومة تكنوقراط، ومروراً بحكومة أقطاب، ووصولاً إلى حكومة أكثرية، ف«قد تكون صيغة 15-10-5 احتمالا وارداً، إذ كل الأمور باتت مفتوحة أمام الرئيس المكلّف، ولم يعد مقيّداً نفسه بشرط واحد.. وذلك، ضمن إطار تفاهم على سلّة متكاملة».
دور رئيس الجمهورية ميشال سليمان لا يختلف بين التكليف الأول والتكليف الثاني، حسب تأكيد فتفت، وذلك من منطلق كونه راعي الدستور والمؤسّسات.. و«لكونه مصرّاً على عدم وجود فراغ في مؤسّسة مجلس الوزراء، فإن دوره يكمن في المساهمة ومساعدة الرئيس المكلّف في اتجاه الوصول إلى حلّ».
وفي هذا السياق، كشف فتفت ل«البيان» أن رئيس الجمهورية قال له، قبيل قيام الحريري بتقديم اعتذاره، إن التشكيلة التي قدّمها الحريري ممتازة ومتوازنة جداً.. وإنه قال للتيار الوطني الحر: «أنتم أخذتم الكثير في التركيبة، لماذا لا تقبلون بها؟»، مشيراً إلى أنه «لا بدّ من أن يصل رئيس الجمهورية إلى القناعة التالية: إما أن يكون هناك فراغ في السلطة، ويظلّ البلد معطلاً، أو أن يقبل بواقع معيّن، هو أفضل ما يمكن، كي نتمكن من الوصول إلى حلّ.. بمعنى أنه قد يصل إلى قناعة بوجود شروط غير مقبولة، ويوقّع على تفاهم بينه وبين الرئيس المكلّف على حكومة معيّنة.. وليس من الضروري أن تكون حكومة لون واحد.. حكومة تكنوقراط من 24 وزيراً، حكومة أقطاب، أو حكومة مصغّرة لا قيمة للأرقام في تشكيلتها».
يذكّر فتفت بأن الرئيس برّي كان من المؤيّدين لصيغة 15-10-5، لكنه «لم يقدّم المساعدة التي كانت مطلوبة، بل وضع شروطاً بقوله اذهبوا واتفقوا مع الجنرال عون، بمعنى أنه لم يكن له أي دور بتسهيل الأمور. وذلك، بعدما كان افترض، عند انتخابه رئيساً للمجلس، أنه يجب أن يُنتخب من دون قيد أو شرط، مع أن إصرار الحريري على انتخابه رئيساً للمجلس تعارض مع آراء كثيرين في تيار المستقبل..
وبالتالي، ما يقبله لغيره يجب أن يقبله للآخرين، ولا حقّ سياسياً ودستورياً له في أن يضع شروطاً على الرئيس المكلّف، بل له الحقّ في أن يكلّفه أو لا يكلّفه»، غامزاً من قناة أنه كان أول من طالب بالسلّة المتكاملة (رئاسة المجلس النيابي، رئاسة الحكومة، والحكومة)، و«لو أن هذا الأمر حصل، لما كنا وصلنا إلى هذا المأزق السياسي».
وبمعزل عن لغة الأرقام التي تمّ على أساسها تكليف الحريري للمرة الثانية، اعتبر فتفت أن قرار بري بعدم تسمية أحد «أحدث اصطفافاً شبيهاً بذاك الذي رافق اعتكاف الوزراء عن حضور الجلسات، إثر اغتيال جبران تويني»، و«هذا الاصطفاف يخلق خللاً بالوضع الميثاقي.. وكم كنت أفضّل لو أن المعارضة سمّت أحداً لرئاسة الحكومة، ولو خسر بالتكليف، لكن على الأقل تكون المبادرة ميثاقية». وخلال «التكليفَين»، اعتبر فتفت أن تمايز برّي «لم يكن إلا شكلياً، بالمفهوم السياسي.. فهو سمّى الحريري ووقف مع الطرف الآخر، ودعم مطالب عون.. فلعلّ ما حصل في المرحلة السابقة يكون معكوساً هذه المرّة.
وردّاً على سؤال في شأن مطالب التيار الوطني الحر، نفى فتفت أن يكون عدم توزير الراسبين متعلّقاً تحديداً بوزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، ف«هناك 7 أسماء رفض الحريري توزيرها، ومن ضمنها كان اسم باسيل و5 من الأكثرية»، وقال: «هذا عُرف سياسي مكرّس من قبل.. فإذا كان التوزير يصبّ في خانة إعادة الاعتبار لمن رسب في الانتخابات، فهذا معناه أن من مصلحة أيّ شخص أن يرسب نيابياً لينجح وزارياً».. وفي مقابل مطالبة التيار العوني بوزارة الاتصالات، اعتبر أن لتيار «المستقبل» الأحقيّة في المطالبة بها، عازياً ذلك إلى سببين: «الأول، لكونها وزارة اقتصادية وأمنية مهمة.. أما الثاني، فيكمن في كونها من ضمن النظرة الإصلاحية في باريس-3، والتي تبنّاها التيار».
أما كيف يمكن أن يكون لهذه «العقدة» حلّ في المستقبل؟.. يكتفي فتفت بعبارة واحدة، يضمّنها الكثير من التمنيات: «لو كنت طبيباً نفسانياً، لكنت أجبت عن هذا السؤال»!.. خاصّاً المعارضة ككل بجملة ملاحظات: «عليها أن تتصرف كطرف واحد، ولا يجوز أن تتقاسم الأدوار»، و«هي مسؤولة عن حالتها المتكاملة.. فإذا كانت راضية عن ال15-10-5، يجب أن تسمّي ثلث الوزارات التي تريدها، ولنرَ كيف يمكن أن تقسّمها في ما بين أطرافها»، ومنبهاً إياها إلى أن «البلد هو من يبلّط البحر، لا الأكثرية»، في معرض ردّه على كونها «قالت (حسب تفسيره): هذه هي شروطي، وروحوا بلّطوا البحر».
موقف
قال النائب فتفت «نحن نلجأ إلى تغطية تقصيرنا الداخلي بشيء خارجي.. لا .. هذه مسؤولية لبنانية، وليست مسؤولية أي طرف آخر»، بهذه العبارة يختصر فتفت كل الأسئلة المتعلّقة بالدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية في إطار حلحلة أزمة الحكومة اللبنانية، ويقول: «من الممكن أن لا تكون الدول العربية تشعر بأن هناك أزمة كبيرة».
ورداً على ما يشاع ويذاع عن إمكان تكرار تجربة «اتفاق الدوحة» (الذي استلزمه التعثر في انتخاب رئيس الجمهورية العام الفائت)، أشار إلى أن «اتفاق الدوحة كان قائماً في غياب المؤسّسات، وكان له قيمة عندما كانت توجد قطيعة بين المسؤولين اللبنانيين.. أما اليوم، فإن المؤسّسات موجودة، ولا قطيعة بين المسؤولين الذين يجلسون مع بعضهم بشكل مستمر». وبناءً عليه، يصف أي مؤتمر من هذا النوع بأنه «معيب بحق البلد»، و«إذا كان هناك من يسعى إلى تكرار تجربة الدوحة، فإنه كمن يرسل رسالة مفادها بأن البلد قاصر وغير قادر على حكم نفسه.
بيروت ـ وفاء عواد

