إذا كان من الصعب الحديث عن تطورات محتملة على مدى مائة عام قادمة في العالم كله، فإن مؤلف هذا الكتاب اختار التركيز على عدة مناطق يرى أنها ستكون ذات أهمية مفصلية في تحديد توجهات العالم الجديدة. وهكذا يتعرض لكل من الصين والهند واليابان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وبقية العالم خاصة جنوب أميركا والقوس الممتد من مراكش إلى كابول.
ويؤكد المؤلف أن «الصين بعد الاستيقاظ» سوف تواجه عددا من أشكال الخلل الداخلي التي سيكون على السلطة الصينية مواجهتها. ذلك كله نتيجة للنمو الاقتصادي الكبير. والهند، الديمقراطية الأكبر في العالم ستصبح في نهاية القرن، أكثر سكانا من الصين، بينما ستصبح اليابان مركزا متقدما لأميركا أو بلدا يدور في فلك الصين. أما الولايات المتحدة فهي قوة إمبريالية مآلها الانحطاط وأوروبا ستتقلص طموحاتها حيث سيكون دخل الفرد فيها بأفق عام 2100 أقل مما هو عليه الآن.
وإذا كانت بلدان شرق آسيا وجنوب أميركا وإفريقيا السوداء مرشحة للنمو الاقتصادي ولاستمرار نزاعاتها الاثنية والعقائدية تبقى منطقة الشرق الأوسط والقوس الممتد من المغرب إلى الباكستان بؤرة النزاعات بامتياز.
هناك عدد من المناطق يبدو أنها سوف تحتل مكانة أساسية في خارطة القوى الكبرى في العالم خلال العقود القادمة. ويحدد الأول في الصف الأول منها الصين والهند والولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي وروسيا. وبعد أن يشير المؤلف إلى صعوبة الحديث عن احتمالات الخارطة الجديدة للعالم في أفق مائة عام قادمة يرى أنه لا بد من التركيز على ما يبدو ضروريا لفهم اللعبة الاقتصادية والجغرافية العالمية.
هكذا اختار التعرض للعمالقة الثلاثة الكبار في آسيا أي الصين والهند واليابان ثم لكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. هذه المناطق يتم التعرّض لها على أساس حدودها الحالية لكن مع قراءة لإمكانيات تغيّر هذه الحدود لاحقا. ويكرّس المؤلف فصلا كاملا لاستقرار ما يراه تطورات محتملة في مناطق القوس الممتد من مراكش إلى كابول وبقية آسيا وجنوب أميركا وإفريقيا الواقعة جنوب الصحراء (إفريقيا السوداء).
مناطق الصف الأول
يبدأ المؤلف بالحديث عن «الصين، بعد الاستيقاظ»، حيث إن هذه البلاد حققت نموا في إجمالي إنتاجها الداخلي يفوق نسبة ال9 بالمائة خلال سنوات 1997-2006. وهذه الزيادة تتوازى مع ما يساويها بالنسبة لدخل الفرد الصيني نظرا إلى أن السكان لا يزيدون سوى بنسبة 1,0 بالمائة سنويا. وكانت الصين قد ورثت من حقبة حكم ماو تسي تونغ دولة متسلطة لا يزال يقودها الشيوعيون.
وتتم الإشارة إلى أنه يكفي إدراك ما يعنيه تحقيق نمو اقتصادي سنوي بنسبة 10 بالمائة تقريبا في مجتمع لاستنتاج قائمة أشكال الخلل الداخلي التي سيكون على السلطة الصينية مواجهتها. إن زيادة عدد سكان المدن وتعاظم الإنتاج سوف تتم ترجمته بزيادة كبيرة في الحاجة إلى البنى الأساسية في قطاعات النقل والسكن والتنظيم العمراني والصحة وغيرها. كذلك سوف يتعاظم الطلب في ميدان الطاقة خاصة. بالتالي سوف تكون الاستثمارات المطلوبة هائلة وإذا لم يتم توفيرها لن يتأخر الازدهار الصيني كله عن التقهقر.
ثم إن النمو الاقتصادي الكبير سوف يقود الصين إلى مواجهة خللين كانت قد عرفتهما قبلها الدول التي سلكت نفس الطريق. الخلل الأول هو ديمغرافي فالمقاطعات الواقعة على الشواطئ سوف تتطوّر بسرعة أكبر من المناطق الداخلية وسيترتب على هذا تفاوت في الدخل وسيزداد الخلل بين المدن والأرياف وبالتالي هجرات نحو التجمّعات المدينية الكبرى وبتسارع قد يفوق كثيرا عدد فرص العمل التي يوفرها النمو.
من جهة أخرى، وفيما هو أبعد من أشكال الخلل هذه، سوف يؤدي الإجراء الذي اتخذته السلطات حول الحد من من النسل والذي شجّع بدون شك ازدهار الصين سوف يولّد خلال العقود القادمة تسارع شيخوخة السكان وبالتالي ستكون له آثاره السلبية على النمو الاقتصادي مهما كانت السياسة المستقبلية بهذا الخصوص.
إن مساحة البلاد الشاسعة وعدد سكانها الهائل وأشكال الخلل الداخلي التي تلوح في الأفق، أمور ستؤدي مجتمعة إلى نوع من الفوضى التي لن يكون بمقدور المركز السياسي مهما كانت سلطته، فرض توجهاته على الجميع. وعندها يغدو الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي في الميزان.
وفي المحصلة سوف يؤدي اندماج الصين في النسيج العالمي خلال القرن الجاري إلى توترات كبيرة إذا لم تتحمل سلطات هذه البلاد مسؤولياتها العالمية. لكن ماذا سيكون مستقبل هذه السلطات؟
هذا هو السؤال الذي يشغل أذهان المراقبين. الفرضيات التي يتم تقديمها تتلخص في القول باحتمال أن تحلّ الديمقراطية تدريجيا في الصين ابتداء من منعطف قد يأتي بعد 15 سنة من الآن بحيث تتم المحافظة على وجود سلطة مركزية قوية مع انتخابات حرّة. وهناك فرضية أن يدفع الهلع الحزب الشيوعي الصيني إلى التصلّب أكثر ورفض أية إصلاحات سياسية. وفرضية ثالثة هي تناوب فترات الاستبداد وشبه الحريات على مدى عدة عقود قادمة. لكن إذا صممت السلطة على تشددها فأفق المظاهرات والاضطرابات يلوح في الأفق.
مستقبل التطور الهندي
والهند، الديمقراطية الأكبر في العالم، فإنه ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أنها لاتزال بلدا فقيرا رغم أنها حققت نموا اقتصاديا بنسبة 6، 6 بالمائة سنويا خلال سنوات 1997-2006. لكن الزيادة السكانية بمعدل 1،7 بالمائة سنويا امتصّت جزءًا هاما من ثمرات النمو. وتدل المؤشرات الديمغرافية على أن هذه الزيادة السكانية سوف تتباطأ من الآن وحتى أفق عام 2030 حيث ستزول تماما وعندها ستكون الهند هي الأكبر من حيث عدد السكان قبل الصين.
وفيما هو أبعد من التفاوت الكبير في الدخل بالهند، ووجود سوق عمل «يراوح في مكانه» في المؤسسات الكبرى مقابل سوق عمل آخر «غير رسمي» يتطور بسرعة كبيرة، وما يعاني منه النظام التربوي الهندي من عجز، يبقى السؤال المركزي الذي سيواجه الهند خلال العقود القادمة هو معرفة ما ستكون عليه العلاقات بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي الكبير؟
ويرى المؤلف أنه لا ينبغي لصورة «اللاعنف» السائدة عن الهند أن تخفي الوجه الآخر للمجتمع الهندي، وبالتحديد الوجه العنيف. لا شك أن الديمقراطية الهندية قد نجحت حتى الآن في إدارة التوترات والنزاعات في البلاد.
وهذا يسمح بالقول إن الهند تعاني بدرجة أقل من الصين فيما يتعلق بأفق القطيعة. لكن للهند مشاكل حدودية كبيرة مع الباكستان في الغرب ومع بنغلاديش في الشرق ومع سيريلانكا في الجنوب ومع الصين في الشمال. هذا ويمكن للهند أن تجد نفسها في حالة تنافس كبير مع الصين حول النفوذ في إفريقيا وفي جنوب شرق آسيا. ولا شك أن التبدلات الجارية للقوى السياسية والاقتصادي في المناطق المحيطة بالهند ومناطق نفوذها «مستقبلا» سوف تؤدي إلى انبثاق «جغرافيا جديدة» خلال القرن الحادي والعشرين.
التراجع الياباني
واليابان التي حققت معجزة اقتصادية خلال سنوات 1960-1990 شهدت «فجأة» انهيار أسطورتها منذ مطلع عقد التسعينات الماضي وحيث لم تخقق خلال سنوات 1997-2006 سوى نسبة نمو اقتصادي 1,1 بالمائة سنويا، وبالتوازي توقفت تقريبا الزيادة السكانية. وكل المؤشرات تدل على أن نسبة مشاركة اليابان في الإنتاج العالمي ؟
6؟1 بالمائة حاليا- سوف تتراجع مستقبلا، مثلما هو الحال بالنسبة لأوروبا. والسؤال المستقبلي الأكبر بالنسبة لليابان هو: هل ستصبح مركزا متقدما للولايات المتحدة على عتبة القارة الآسيوية أم ستتحول شيئا فشيئا إلى بلد يدور في تلك الصين الإمبريالية؟ ما تؤكده التحليلات المقدّمة هو أن مستقبل اليابان سيتأثر إلى حد كبير بالمسار الذي سيعرفه الأميركيون والصينيون. ويبقى التقدم التكنولوجي هو الورقة الأهم بيد اليابانيين.
وتحت عنوان «الولايات المتحدة، نحو انحطاط قوة إمبريالية»، يرى مؤلف هذا الكتاب أن هذه البلاد تأرجحت دائما بين توجهين أساسيين هما الانعزال عن العالم والاهتمام بالشأن الأميركي أو الانفتاح على هذا العالم ولعب دور الشرطي فيه باسم «زعامة العالم الحر». لكن الولايات المتحدة تواجه واقع تدهور قوتها في العالم وسوف تعاني كثيرا من هذا خلال القرن الحالي مما سوف يدفعها لمحاولة الاحتفاظ بهيمنتها على أوروبا واليابان على الأقل.
وستحاول تجنّب قيام تقارب بين أوروبا وروسيا وبنفس الوقت ستحافظ على علاقات وثيقة «لكن صعبة» مع الصين والهند. وبالنسبة للشرق الأوسط نقرأ: «إن طريقها الشائك ـ أميركا ـ في الشرق الأوسط لا يزال طويلا وتبعيتها حيال الدولة العبرية لن تساعدها في التقدم نحو إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية». ويشير المؤلف هنا إلى أن وصول باراك اوباما إلى السلطة يعلن عن إدراك أكبر لحقائق القرن الحادي والعشرين مما سيصب في فائدة العالم كله. تضاف إلى هذا أوراق رابحة بيد أميركا تتمثل في القدرة الخلاقة لاقتصادها وقوتها العسكرية الاستثنائية.
القرن ليس مواتيا لأميركا
ويصل المؤلف إلى القول: «إننا بعيدون عن الصورة التي يرسمها الأميركيون لأنفسهم وعن الصورة القديمة التي كان يرسمها العالم الثالث للولايات المتحدة. وهناك احتمال كبير أن يكون القرن الحادي والعشرين ليس مؤاتيا للولايات المتحدة لم تعد تمتلك بناء نظام دولي لكن ديمقراطيتها وقدرتها الاقتصادية الخلاّقة ستلهم الكثيرين».
ويحدد المؤلف ثلاث سيناريوهات لمكانة «أوروبا» في عالم الغد. السيناريو الأول هو أن يؤدي الاتحاد الأوروبي الحالي إلى قيام اتحادية مستقرّة في أفق العقود القادمة، والثاني معاناة الاتحاد الأوروبي من أزمات متتالية وتخلّي بعض الدول الأوروبية عن عضويتها فيه، والثالث تقدم الاتحاد البطيء بالتوازي مع تعزز التعايش بين الأجيال الأوروبية. وهذا السيناريو الثالث يراه المؤلف أنه الأكثر احتمالا.
ويتم التأكيد أن القرن الحادي والعشرين سيكون أقل صعوبة بالنسبة لأوروبا مما هو بالنسبة للولايات المتحدة. ذلك أن طموح الأوروبيين أقل وهم يدركون أن دخل الفرد الأوروبي في أفق عام 2100 قد يكون أقل مما هو عليه اليوم. وروسيا يتم تحديد تطورها في نفس المنظور الأوروبي فمستقبلها مرهون بما يمكن أن تحققه من تجديد لقواها. لكن سيكون من الخطأ دائما تجاهلها كما يفعل الراديكاليون الأميركيون.
... وبقية العالم
يركز المؤلف في الصفحات التي يكرّسها ل»بقية العالم» على القول أن منطقة شرق آسيا الواقعة شرق الباكستان ستعرف بلدانها استمرار نموّها الاقتصادي خلال عقود قادمة. لكن سيكون من المطلوب السيطرة على عدة بؤر متفجرة لنزاعات اثنية أو عقائدية. ونفس «التشخيص» عامة فيما يخص بلدان جنوب أميركا وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء. هذا مع إضافة أن القارة الإفريقية ستكون موضع صراعات على النفوذ بين الصين والهند والولايات المتحدة والقوى الاستعمارية السابقة وبلدان الشرق الأوسط.
بالنسبة للمنطقة الممتدة من المغرب إلى أفغانستان والباكستان، بعد أن يؤكد المؤلف على «تنافر» مكوناتها يرى أن أهميتها الاستراتيجية ستستمر خلال العقود القادمة فهي تمتلك أكبر الاحتياطات العالمية من النفط والغاز. وسيبقى مصدر النزاع الرئيسي فيها الصراع العربي-الإسرائيلي. ويشير المؤلف أن ما تحتوي عليه هذه المنطقة من نزاعات متفجرة أو كامنة يفوق غيرها من مناطق العالم. مع ذلك ليس هناك أية دراسات مستقبلية جادة حيالها. ولذلك سيكتفي بتقديم عدة «فرضيات»، حسب تعبيره.
وفي مقدمة هذه الفرضيات قوله إن المنطقة ستشهد عدة «قطيعات»، لكن الحكومات المعتدلة ستتكشّف على أنها أكثر صلابة مما يظنّ البعض. وستتابع البلدان المنتجة للطاقة صادراتها مع احتمال تخفيضها نظرا لعدم كفاية الاستثمارات في مجال البحث ورغبة في عدم التعجيل بحلول فترة ما بعد البترول. وفي الوقت الذي سيزداد فيه النفوذ الروسي في آسيا الوسطى، خاصة في قزخستان، ستفشل جهود الولايات المتحدة في جذب المنطقة نحو الغرب وهناك أمل كبير في أن تصبح تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي، وإيران النووية أو غير النووية ستعود إلى جوقة الأمم. ومنطقة الشرق الأوسط لن تعرف الاستقرار إذا لم يتم عقد اتفاقية سلام بين سوريا وإسرائيل.
الصفحات: 325
الكتاب: الأزمات والقرن الحادي والعشرون
تأليف: جاك لوسورن
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: اوديل جاكوب ـ باريس ـ 2009
