ينتمي البشر إلى مجموعات متعددة ابتداءً من الأسرة ووصولاً إلى الدولة ومروراً بمختلف أشكال التنظيم والجمعيات والعقائد. والبحث عن المسائل الرئيسية التي سوف يواجهونها خلال هذا القرن الحادي والعشرين تشكل موضوعاً معقّداً للتأمل والتفكير.

وضمن هذه الرؤية المستقبلية يتم البحث في مسار التطوّر الذي قد تعرفه منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية وكذلك المنظمات الإقليمية والصيغ الاتحادية مثل الاتحاد الأوروبي. وهناك أسئلة كثيرة حول الطريقة التي ستتم على أساسها إدارة الأزمات التي سيواجهها العالم خلال العقود القادمة.

كما أن الديمقراطية التي تشكّل ركيزة الإيديولوجية السائدة ستشهد تغيراً كبيراً في آليات عملها خاصة بسبب المد الكبير لوسائل الإعلام والاتصال. ويبقى مستقبلها مرهوناً بمستوى التنمية الاقتصادية وبعلاقات الفرد مع محيطه ومع السلطة القائمة وأخيراً وأساساً بتقنيات الإعلام التي جعلت التغيّر داخل المجتمعات وعلى صعيد العلاقات الدولية هو إحدى السمات البارزة للقرن الحالي.

ينتمي البشر إلى مجموعات متعددة ابتداءً من الأسرة ووصولاً إلى الحضارة بالمعنى الأوسع ومروراً بالدولة والمجتمع ومختلف أشكال التنظيم والعقائد. ومؤلف هذا الكتاب يحاول البحث في المسائل الرئيسية التي قد تواجهها هذه المجموعات خلال القرن الحادي والعشرين.

ويرى المؤلف أن عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة قد يزيد في أفق عام 2100 ما بين 20 إلى 40 دولة جديدة. وهذه التجزئة في التنظيم السياسي للبشرية تتم إعادتها إلى سببين رئيسيين. الأول هو أن المشاعر القومية التي برزت في أوروبا خلال القرن الثامن عشر ستكمل انتشارها وستدفع مجتمعات جديدة إلى البحث عن استقلالها السياسي بينما لن تسهّل العولمة «اجتياح» البلدان الصغيرة من قبل الدور الأكبر، وهذا هو السبب الثاني.

مصادر الخطر السياسي

لكن إذا كانت مصادر الخطر السياسي على الدول الصغيرة أقل فإن مسيرة العقود المقبلة سوف تفرض تعميق التعاون على الأصعدة الإقليمية من أجل تسوية مشكلات على المستوى الإقليمي أو من أجل تسوية مشكلات على المستوى الإقليمي أو من أجل الدفاع عن مصالح اقتصادية أو بيئية مشتركة على المسرح العالمي. هكذا قد يشهد هذا القرن إحياء عدة مجاميع إقليمية كان قد انفرط عقدها كقيام فيدرالية سلافية مثلاً تضم روسيا وأوكرانيا وبيلوروسيا. أما القناعة الرئيسية التي يؤكدها المؤلف فهي أن الدول ستواجه العديد من المشكلات خلال القرن الحادي والعشرين بسبب ما ستلقيه العولمة على سيادتها الوطنية داخل حدودها من ظلال.

لكن العولمة لن تشوّش عمل الدول فقط ولكنها سوف تثير الاضطراب في حياة المجتمعات وبالتالي الأفراد. فهذه المجتمعات ستجد نفسها مأخوذة بين الانكفاء الثقافي والاستقلال الذاتي على الصعيد السياسي.

هكذا يمكن للأميركيين والأوروبيين والروس والهنود والصينيين واليابانيين والعرب أن يتقاسموا ثمرات الاكتشافات العلمية والتقدم التكنولوجي مع احتفاظهم فترة طويلة برؤاهم المختلفة للعالم. وهكذا أيضاً لم يفهم جورج دبليو بوش وإدارته واقع أن الكثير من العراقيين فرحوا للإطاحة بنظام صدام حسين لكنهم شعروا بالذل عندما دخل الجنود الأميركيون إلى منازلهم، ولم يفهموا أن «الأمل الديمقراطي» لا يتفق مع وجود جنود احتلال أجانب.

مستقبل المنظمات الدولية

تعددت على مدى الخمسين سنة الأخيرة المنظمات والهيئات التي تضم مجموعة من الدول كأعضاء فيها. هذا إلى جانب منظومة كبيرة من النوادي «للرسميين» ومراكز الدراسات وغيرها. ويحدد المؤلف أربع مجموعات كبرى مع محاولة استقراء مساراتها المحتملة خلال القرن الحادي والعشرين. هذه المجموعات الأربع هي منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الخاصة مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة الدولية، والتجمعات القائمة على أساس إقليمي اقتصادي أو عسكري، وأخيراً المنظمات التي تضم عدة دول يمكن أن تؤدي إلى قيام صيغ اتحادية، مثل الاتحاد الأوروبي.

تشترك جميع المنظمات التي تضم عدة حكومات في أن لها مجلس عام أو جمعية عامة تمتلك كل دولة ممثلة فيها بصوت واحد. إن ميثاق الأمم المتحدة وحده هو الذي يضيف لهذا النموذج ؟ الموديل ؟ إنشاء «مجلس أمن» يمتلك سلطة اتخاذ قرارات بالأغلبية، إلا إذا اقترعت الجمعية العامة ضد هذه القرارات بأغلبية الثلثين.

إن الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن يمتلك كل منهم حق النقض - الفيتو. وهذه الدول الخمس «المنتصرة في الحرب العالمية الثانية» لم تسمح حتى الآن بدخول أية دولة كبرى أخرى إلى مجلس الأمن، فكل محاولات «الإصلاح» باءت بالفشل.

لكن رغم هذه الصرامة في سلوكية الأمم المتحدة ورغم الاستقرار «الظاهري» الذي تتمتع فيه منذ أكثر من 60 سنة، قامت عدة مجموعات مؤلّفة من دول تبحث فيما بينها أمور العالم، مثل مجموعة الدول الثماني المصنعة الكبرى المؤلفة من الولايات المتحدة واليابان وروسيا وكندا وألمانيا وانجلترا وفرنسا وإيطاليا والتي يجتمع رؤساؤها مرة كل سنة، ومجموعة الدول العشرين التي تأسست عام 2008 لمكافحة الانحسار الاقتصادي العالمي.

والسؤال المطروح اليوم هو: هل سينتظم عمل «الهيئة الحكومية» المستقبلية حول نظام متجدد للأمم المتحدة أم أن إعادة توزيع السلطات ستتم على أساس القوى الحقيقية للدول، أو لمجموعة الدول، أو ربما سوف يكون التطور خارج نظام الأمم المتحدة كله؟ مهما تكن الإجابة على هذا السؤال يرى المؤلف أن هناك أزمة فيما يخص «الهيئة الدولية» التي سيكون عليها تسيير أمور العالم، وخاصة إدارة أزماته المستجدة. المؤكد هو أن الأمور لن تستمر على ما هي عليه اليوم.

وتمثل منظمة التجارة العالمية الصيغة الأكثر تعبيراً عن المنظمات العالمية المختصّة بقطاع معيّن. أعضاء هذه المنظمة هي الدول وليس كلها. وكانت الولايات المتحدة قد لعبت دوراً مفيداً بعد الحرب العالمية الثانية عبر إرغامها الدول، خاصة الأوروبية، على عدم الانغلاق على نفسها وقبول تطوير المبادلات التجارية الدولية. لكن مع عودة روسيا والدخول القوي للبلدان الصاعدة، والانحطاط النسبي للولايات المتحدة وللاتحاد الأوروبي، سوف يتم تغيّر كبير على المسرح التجاري الدولي. وتتمثل الورقة الأقوى بالنسبة لأوروبا أنها ممثلة في منظمة التجارة العالمية بالمفوضية الأوروبية وبمفاوض واحد.

مستقبل التعاون الإقليمي

ومن المحتمل أن يشهد عدد المنظمات الدولية المختصة ازدياداً كبيراً مما سيُدخلها في صراعات على ميادين اختصاصها. لكن ستكون القضية الأهم مستقبلاً هي العلاقة بين ما هو متعدد الأطراف والعلاقات الثنائية. لكن العولمة عامل تشجيع لازدهار العلاقات متعددة الأطراف، على أساس اقتصادي. أما العلاقات الثنائية فتخلط السياسة غالباً مع الاقتصاد. وعلى المبدأ الاقتصادي تقوم المنظمات ذات الطابع الإقليمي.

يبقى الاتحاد الأوروبي هو الصيغة الأكثر طموحاً اليوم للوصول إلى وحدة فيدرالية كاملة. إنه يضم 5,7 بالمئة من مجموع سكان العالم. وهو يمثل أيضاً صيغة فريدة تجمع لغات وقوميات وأمم متنوعة، لكن يجمع بينها المشاعر بالانتماء إلى حضارة مشتركة. لكن لا بد من القول انه لا يمتلك حتى الآن السلطات التي تسمح له أن يكون له وزنه الكبير على الحلول الخاصة بالمشكلات الدولية والدفاع مستقبلاً عن الرؤية الأوروبية بمواجهة هيمنة الولايات المتحدة الأميركية أو بمواجهة الدور القادم لكل من الصين والهند.

بالنسبة للعلاقات الأوروبية مع الحلف الأطلسي إنها مرهونة اليوم بموازين القوى القائمة والتي تمثّل استمراراً للفترة التي قام فيها أصلاً الحلف كمنظمة عسكرية لحماية أوروبا من التهديد السوفييتي في ظل الحرب الباردة. ما يراه المؤلف هو أن الهيمنة الأميركية لن تخفّ مستقبلاً إلا بمقدار ما يتضاءل وزن الولايات المتحدة على المسرح الدولي ويتعزز التلاحم الأوروبي. وذات يوم سوف يكون فيه وجود حلف أطلسي «برأسين» تعبيراً أفضل عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي لهذا الجزء من العالم.

... والديمقراطية

تمثل الديمقراطية ركيزة الإيديولوجية الغربية السائدة، ويتم التعبير عنها غالباً بجملة «حكم الشعب بواسطة الشعب». ولا يتردد المؤلف بوصف هذه الجملة أنها في «غاية السطحية». ذلك على أساس أن الديمقراطية هي «تكنولوجيا اجتماعية جرى إعدادها على المدى الطويل». وهي تعبر عن آلية معقدة لتنظيم العلاقات بين السلطات المختلفة، وعمل الأحزاب ووسائل الإعلام والمجموعات المنظمة، الخ. ثم إن الجمع بين هذه العناصر كلها يجعلها، كأية آلية أخرى، معرّضة للتخريب أو لانحطاط مستوى أدائها.

والديمقراطية هي التي أوصلت أدولف هتلر إلى الحكم في ألمانيا. وبعد أن يسوق المؤلف سلسلة من الأمثلة يصل إلى القول انه لا يمكن «تسليم الديمقراطية جاهزة بالمفتاح مثل أي مصنع» إلى أي شعب. وكذلك لا يمكن فرضها من الخارج بالاعتماد على فضائلها، ثم إن الديمقراطية لم تكن تعني في بداياتها سوى مجموعات قليلة من السكان في بلدانها قبل أن تكسب دوائر أوسع فأوسع.

ثم إن الديمقراطية بحاجة إلى زمن طويل كي تعزز مواقعها. والأكثر صعوبة هو قبول الحد من السلطة وتحديد قواعد الانتقال. هكذا إذا كانت دول شمال أوروبا قد وصلت مبكّرة إلى ذلك وأن الولايات المتحدة والهند ما بعد الاستعمار قد دخلت المنظومة الديمقراطية بوقت غير طويل فإنه كان على انجلترا أن تنتظر عدة قرون وتشهد ثورتين بينما لم تصل فرنسا إلى الديمقراطية سوى غداة القرن العشرين والكثير من الدول الأوروبية الأخرى عرفتها بعد الحرب العالمية الثانية.

تعاظم النزعات الفردية

وبعد أن يشير المؤلف إلى أن الديمقراطية قد تكون مهددة اليوم في أوروبا بسبب تعاظم النزعات الفردية والهجوم الإعلامي الكاسح، يرى أن مستقبل الديمقراطية في العالم مرهون بثلاثة عوامل هي مستوى التنمية الاقتصادية وعلاقات الفرد بالأسرة وبالسلطة وأخيراً تكنولوجيات الإعلام والاتصال.

وحول هذه النقطة المتعلقة بالإعلام يؤكد المؤلف أن العالم يعيش حاليا حالة من القطيعة تعود إلى تكنولوجيات الاتصال والإعلام الجديدة. وأصبح بمقدور أي رئيس أن يقوم كل يوم بعملية استفتاء شعبي حول القرارات التي سيتخذها في الغد. مجرد هذه الفكرة تبيّن أن «الانفجار» الإعلامي هو بصدد تغيير «التكنولوجيا الاجتماعية» المتمثلة في الديمقراطية. وأبعد منها بكثير هو بصدد إحداث تغيير عميق في العلاقات داخل المجتمعات الإنسانية. وهذا التغيير إحدى السمات الكبرى للقرن الحادي والعشرين. ذلك على صعيد الديمقراطيات في الداخل وعلى صعيد العلاقات الدولية في عصر العولمة.