رغم أنها الوريد الذي يصل الشعوب المقهورة من نوائب البشر أو الطبيعة بالحياة، إلا أن المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية باتت محل شك في كثير من المناسبات لتداخل أنشطتها في قضايا سياسة اقليمية ودولية معقدة تصل لحد اتهام شخوصها بالقيام بأعمال «جاسوسية» أو لتبعية الممول لأنشطتها وهو الغرب في معظم الأحيان.
وكانت منظمات الإغاثة الدولية محط اتهام من قبل الخرطوم في الشهور الأخيرة على وجه الخصوص لدورها «المشكوك فيه» في الصراع القبلي في اقليم دارفور الذي كان بوابة التدخل الغربي وحتى الاسرائيلي في شؤون السودان في أحيان كثيرة. «البيان» استوضحت هذا الشق المتعلق بطرد حكومة الرئيس السوداني عمر البشير أكثر من 13 منظمة اغاثة سمح لاحقا بإعادة بعضها، في حوار خاص مع رئيسة منظمة «أطباء بلا حدود» ماري بيير البيه والتي ناشدت حكومة السودان بإعادة النظر في قرارها بطرد الفرق الطبية التابعة لها من الأراضي السودانية، والسماح لأطبائها وممرضيها مرة أخرى للعمل لتقديم المساعدات الطبية والإنسانية لآلاف المتضررين واللاجئين في دارفور، نافية بشدة أن تكون هناك أي علاقة للمنظمة من قريب أو من بعيد بأي جهة أخرى، بما فيها المحكمة الدولية التي وجهت اتهاما للبشير باتكاب جرائم حرب.
وطردت الحكومة السودانية الفرق الطبية الفرنسية والهولندية وأبقت على الفرق الثلاثة الأخرى البلجيكية والسويسرية والاسبانية، على الرغم من أن جميع أعضاء منظمة «أطباء بلا حدود» لديهم ميثاق واحد وقيم ومبادئ واحدة لا تتغير ولا تتبدل وهي تقديم المساعدة إلى الشعوب المتضررة وإلى ضحايا الكوارث الطبيعية أو التي يصنعها الإنسان دون تمييز وبغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو الانتماء السياسي!
وفيما يلي تفاصيل الحوار..
في البداية د. ماري بيير ما سبب زيارتك لدولة الإمارات؟
إن زيارتي للإمارات هي الأولى وتأتي في إطار إظهار اهتمام المنظمة بمكتب الدولة الذي أنشئ قبل 18 عاما ويحظى برعاية كريمة من معالي الشيخ نهيان بن مبارك وزير التعليم العالي والبحث العلمي الذي التقى بنا وتباحثنا في مجمل الأنشطة والبرامج التي تنفذها المنظمة حاليا في دول العالم.
ومن خلال مكتب المنظمة في الإمارات تم إنجاز العديد من الأنشطة والبرامج المتعلقة بنشر الوعي بقضايا الشعوب التي تعيش تحت نير الحروب والمجاعات منذ عشرات السنين وتحتاج للدعم المستمر، كما لدينا قاعدة عريضة من الداعمين الخيرين لأنشطة وبرامج المنظمة.
فمكتبنا هنا أسهم في ترجمة ونشر العديد من الكتب المهمة باللغة العربية وأهمها كتاب «القاموس العملي للقانون الإنساني» الذي يقوم بتعريف الأنشطة والبرامج التطوعية وما يتعلق بها من حقوق وواجبات في الميدان في وقت الحروب والنزاعات وغياب المرجعية القانونية كما يعرض تفسيرا وشرحا لكافة المصطلحات والكلمات المتداولة حول الكوارث والمآسي الإنسانية المتمثلة في أعمال الحصار والقتل والتدمير والهدم والتطهير العرقي والتصفيات الجسدية والسجن والتعذيب، وكذلك كتاب «في ظل الحروب العادلة» الذي يتضمن الأزمات السياسية والاجتماعية التي يعاني منها العديد من البلدان في العالم.
القارة السوداء
ما طبيعة الأنشطة والبرامج الطبية والإنسانية التي تقدم في افريقيا، وماذا حصل بشأن معارككم مع شركات الأدوية العالمية في سبيل تخفيض أسعار الأدوية الأساسية التي تعالج الفقراء وأهمها أدوية الايدز والملاريا والسل؟
على الرغم من النزاعات المسلحة في بعض الدول الافريقية التي تعاني من سوء التغذية وانتشار مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) وهما أهم المجالات التي تعمل أطباء بلا حدود فيهما في إفريقيا على الرغم من ذلك، فإن المنظمة لا تزال تعمل سواء بطواقمها الدوليين أو المحليين وتقدم الأدوية والأغذية والدعم النفسي للمتضررين من تلك النزاعات، فنحن نقدم الأدوية للمصابين بمرض الإيدز في عدد كبير من الدول الافريقية وبوجه خاص في جنوب افريقيا وملاوي وأوغندا وسيراليون وغيرها.
وترى أطباء بلا حدود أنه من غير الأخلاقي أن يكون هناك دواء ويمنع عن المحتاجين له بحجة حقوق الملكية الفكرية ولذلك قامت المنظمة بإقامة دعاوى ضد هذه الشركات، وبالفعل استطعنا تخفيض أدوية الايدز من 10 آلاف إلى 150 دولاراً للمريض في السنة، مشيرة إلى أن أنها تطمح في المزيد من التخفيضات لتتناسب مع المرضى المعوزين وقالت ان المشكلة الأساسية التي تواجهنا حاليا في افريقيا هي قلة الأدوات المتطورة والفعالة في التشخيص المبكر للمرض.
وماذا عن مشكلات سوء التغذيية؟
نواجه في الدول الإفريقية على وجه الخصوص مشكلة سوء التغذية، ففي الواقع ان هذه المشكلة ظلت تواجهنا طوال العقود الماضية وحتى الآن، ولكن ما طرأ مؤخرا من اكتشاف مركب غذائي ثوري يحارب سوء التغذية بحيث تستطيع الأم إعطائه للطفل لعدة مرات فيشفى تماما، ما ساعد في الحد من الذهاب للمستشفيات، ولكن يبقى من المهم إيصال هذا الغذاء لجميع مرضى سوء التغذية في افريقيا بما فيها الدول التي توجد بها نزاعات مسلحة.
كما أن الامراض الوبائية كانت واحدة من أهم التحديات التي تواجه المنظمة في إفريقيا وذلك لأن سرعة انتشار الوباء تتطلب السرعة الفائقة للسيطرة عليه قبل أن يستفحل ويصعب احتواؤه، فعندما انتشر التهاب السحايا في السودان قمنا بحملة واسعة للتطعيم كما قمنا بحملة مماثلة في نيجيريا حيث تمكنا من تطعيم حوالي 8 ملايين شخص في المناطق الموبوءة ولم نكن لنتمكن من علاج هذا العدد الهائل من الناس في السنوات الماضية.
حقيقة الأزمة مع السودان
وماذا عن طبيعة عملكم في السودان وما حقيقة الأزمة التي حدثت بينكم وبين الحكومة السودانية؟
لا توجد أية أزمة حقيقية بيننا وبين السودان، لأن السودان من أكثر الدول قرباً لعدد كبير من أعضاء المنظمة لأن معظمهم تقريبا خدموا هناك ويحملون ذكريات جيدة للسكان وللأماكن الجميلة هناك، وأنا شخصيا عملت في السودان لمدة سنة كاملة عام 1988 ونحن كمنظمة نعمل هناك منذ ما يزيد على 26 عاماً .
ولم تكن هناك أية مشاكل أو عقبات وعندما حدثت مشكلة دارفور أصبحنا نواجه الصعوبات في تقديم المساعدات وفي التحرك من منطقة إلى أخرى وعندما صدر قرار المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير كان رد فعل الحكومة السودانية عبارة عن محاولة إظهار القدرة والرد على المنظمات الدولية فوقت منظمة أطباء بلا حدود ضحية بين المحكمة الدولية والسودان وتم طرد فرقها الطبية من السودان.
وأضافت أن «هذا القرار لم تتأثر به منظمة أطباء بلا حدود بقدر التأثير الكبير الذي وقع على الآلاف من اللاجئين والضحايا والمرضى الذين هم في أمس الحاجة للرعاية الطبية». ولذا فأنا ناشدت مرارا، واناشد الآن الرئيس البشير السماح لنا بالعودة إلى دارفور.
ومنظمة أطباء بلا حدود تتكون من خمسة مراكز تنفيذية (مكتب فرنسا، بلجيكا، سويسرا، إسبانيا وهولندا) و28 مكتبا في مختلف أنحاء العالم يعملون على جمع التبرعات المالية الضرورية لتسيير البرامج والقيام بعمليات توعية حول عدة قضايا ومشاكل طبية أو إنسانية، إضافة إلى تبادل الأفكار والتجارب مع المنظمات الإنسانية الأخرى والمؤسسات الدولية.
العراق اليمن والصومال
وهل هناك أنشطة وبرامج علاجية أو إنسانية للمنظمة تنفذ في دول عربية أخرى؟
منظمة أطباء بلا حدود موجودة في صعدة اليمن منذ عدة سنوات، وما حصل مؤخرا بين الحكومة والمتمردين حيث تتواصل معارك عنيفة خصوصا داخل مدينة صعدة في محور طريق باقيم وفي الغرب جعل المنظمة تكثف مساعداتها في كل من مستشفى رازح ومستشفى الطلح ولدينا فريقان يقدمان الدعم الطبي للمصابين والمرضى يتألفان من 5 أطباء وعدد كبير من الكوادر المحلية من أطباء وهيئة تمريض.
أما في ما يتعلق بالعراق فعلى الرغم من الصراع الدائر هناك والذي أدى إلى صعوبة العمل الإنساني إلا أن المنظمة جاهدة لتوفير الرعاية الطبية للعراقيين، حيث تنفذ منذ عام 2006 عدة برامج في أجزاء مختلفة من البلاد مثل الأنبار والبصرة وفي المقاطعات الشمالية.
أما بخصوص الصومال فإن أطباء بلا حدود موجودة هناك منذ 17 عاما في تقديم العناية الطبية. ففي عام 2008، قامت المنظمة بإجراء 728 ألف استشارة طبية منها 267 ألفاً للأطفال دون سن الخامسة. كما تلقت أكثر من 55 ألف امرأة العناية والاستشارات أثناء فترة الحمل وتم إدخال أكثر من 24 ألف شخص للعلاج داخل عيادات المنظمة الصحية. كما تم إجراء 3.9 آلاف عملية جراحية منها 1249 تتعلق بجروح نتيجة الصراع.
حوار ـ مصطفى خليفة

