استطاع الإنسان بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي سبر أعماق الأرض واكتشاف مصادر الطاقة فيها وغزا الفضاء الخارجي. لكن كان لهذه الثورة العلمية والتقنية وجهها الآخر. فسكان العالم في تزايد مستمر بحيث تشير التوقعات إلى أن عددهم سوف يصل إلى حوالي 9 مليارات نسمة في أفق عام 2050. والأرض تزداد سخونتها ، الأمر الذي قد تكون نتائجه خطيرة جداً في نهاية القرن الحالي إذا زادت السخونة عن درجتين. ويقرّ الجميع اليوم ان المسؤول عن هذه الزيادة هم البشر أنفسهم ونشاطاتهم الصناعية وما ينجم عنها من غازات ضارّة لطبقات الجو.

هذه العوامل مجتمعة سيكون لها آثارها على حياة البشر. وسيكون في مقدّمة التحديات المستقبلية تأمين الغذاء. وهناك اليوم في الصين والهند وحدهما 800 مليون إنسان يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر. ومن المطلوب أيضاً إيجاد بدائل لمصادر الطاقة التقليدية المحكوم عليها بالنضوب. هذا دون العديد من المعارك الأخرى وفي مقدمتها معركة الإنسان ضد الجراثيم.

بدت الأرض في الصور التي تمّ التقاطها لها من الجو جميلة وذات لون أزرق. ولكنها بدت أيضاً صغيرة جداً في الفضاء الشاسع الذي يحيط فيها. وما يتفق حوله الجميع اليوم هو أن أخطاراً كثيرة تحيق بهذا الكوكب وبالجنس البشري الذي يعيش عليه. وليس أقلّ هذه الأخطار وقوع حدث مناخي غير منتظر أو انتشار وباء قاتل للجميع أو ربما نشوب حرب نووية تشمل العالم كلّه. وهناك أيضاً تعاظم الطلب بالتوازي مع تزايد عدد البشر ومع تضاؤل العرض المحكوم بالثروات المحدودة المتوفرة.

مثل هذا المنطق يرى فيه المؤلف الكثير من التبسيط. هذا إلى جانب إهماله لدور التكنولوجيا التي كانت أصلاً وراء سبر أعماق الأرض والوصول إلى مصادر الطاقة ووراء اكتشاف الطاقة النووية. بهذا المعنى لا بدّ من أن تلعب التكنولوجيا دوراً أساسياً في المستقبل. ويشكّل العلم رافداً آخر.

ضمن مثل هذا السياق انبثق مفهوم التنمية المستدامة الذي استقبله باستحسان رجال السياسة والصحافة الذين تفرض عليهم مهنتهم في أغلب الأحيان التعامل مع الانفعالات أكثر من مناقشة المفاهيم. لكن قد يكون من المطلوب في المستقبل القريب تقديم إجابات على مسألة الزيادة السكانية للعالم وعلى التغيّر المناخي أو «التغيّر العام» حسب تعبير مستخدم أكثر فأكثر.

عدد البشر

لم يتزايد عدد البشر خلال قرون طويلة سوى ببطء كبير وبطريقة غير منتظمة. فوفيّات الأطفال المرتفعة لم تترك آنذاك إلاّ هامشاً صغيراً للزيادة. لكن بدأ أمل طول العمر بالظهور اعتباراً من القرن التاسع عشر بفضل إجراءات الرعاية الصحيّة والتقدم في مكافحة الأوبئة والأمراض. وكانت النتيجة هي أن عدد سكان العالم قد تضاعف 4 مرّات ما بين عام 1900 وعام 2000، أي من 5,1 مليار إلى 6 مليارات.

وكان بعض الخبراء في ميدان التزايد السكاني ـ الديموغرافي ـ قد أشاروا قبل 50 سنة إلى إمكانية أن يصل عدد سكان العالم إلى ما بين 15 و20 مليار نسمة في النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين. هذا رغم تناقص معدّل الولادات في أوروبا وأميركا الشمالية وروسيا واليابان.

لكنهم أخطأوا في تقديراتهم، الأمر الذي يرى فيه المؤلف البرهان على أنه من الصعب على الديمغرافيين تقديم تقديرات لفترة تتجاوز النصف قرن. ويعيد سبب الخطأ إلى التقليل من قيمة سياسات تحديد النسل في أغلبية بلدان العالم الثالث. وبالنتيجة عرف معدّل الزيادة السكانية العالمية بعض التباطؤ بحيث يجمع الخبراء اليوم على تقديم رقم 9 مليارات نسمة كعدد لسكان العالم في أفق عام 2050.

وبناءً على معطيات واقع اليوم يؤكّد المؤلف أن دراسة هذا القرن «ديمغرافيا» تتطلّب محاولة الإجابة على السؤالين التاليين: ما هي دلالة تناقص معدّل الزيادة السكانية العالمية أكثر فأكثر خلال العقود القادمة؟ ثمّ ما هي نتائج تباطؤ أكبر في هذا المعدّل بالنسبة للنصف الثاني من القرن الحالي، أي بالنسبة لسنوات 2050 ـ 2100؟

سوف يشهد النصف الأول من هذا القرن تزايداً كبيراً للسكان في منطقة جنوب الصحراء في إفريقيا وفي غرب آسيا وستكون الزيادة ملموسة أيضاً في الهند وأميركا اللاتينية. وسوف تتم المحافظة على المستوى الحالي في الصين وشمال أميركا (الولايات المتحدة وكندا) وأوروبا الغربية بينما قد تعرف منطقة وسط وشرق أوروبا وروسيا واليابان انكفاءً في عدد السكان.

وتشير التوقعات إلى أن زيادة عدد سكان المعمورة ستكون بحوالي 8,1 مليار نسمة ما بين عام 2000 و2025 وحوالي 2,1 مليار بين 2025 و2050. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ستكون الزيادة السكانية كبيرة، حيث ان عدد سكان كل من مصر وتركيا وإيران سيقارب الـ 100 مليون نسمة. وسوف يزداد بالتوازي معدّل إطالة العمر في جميع مناطق العالم.

وبعد أن يقدّم المؤلف الكثير من التفاصيل عن مختلف مناطق العالم من وجهة النظر الديمغرافية يركّز على القول ان ظاهرة شيخوخة سكان العالم سوف تتعاظم خلال سنوات 2025 ـ 2050 وسوف تنتشر سياسات مراقبة النسل.

وتدلّ معطيات الواقع السكاني العالمي الراهن أنه بالإضافة إلى التوجهات الحالية لموجات الهجرة من أميركا الوسطى نحو الولايات المتحدة ومن بلدان محيط حوض المتوسط إلى أوروبا قد تشهد العقود القريبة القادمة عودة الكثير من أبناء البلدان الصاعدة الذين هاجروا سابقاً إلى بلدانهم. ويبقى من غير المعروف مصير الهجرات نحو روسيا باستثناء احتمال عودة الروس الذين كانوا قد أقاموا في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

لكن تبقى هناك تساؤلات حول الوضع السكاني العالمي في النصف الثاني من هذا القرن الحادي والعشرين، ذلك أن شيخوخة السكان وطول العمر قد يتعايشان عندها مع معدّلات ولادة مختلفة. ويمكن لعدد سكان العالم أن يصل إلى 10 مليارات نسمة في نهاية القرن أو ربما أنه، بعد بلوغ سقف للزيادة السكانية في أفق عام 2050، سيبدأ التقهقر وصولاً إلى 7 مليارات نسمة في عام 2100. إن الفارق بين الاحتمالين له قيمته الكبيرة فيما يتعلّق بحجم إصدار الغازات السامّة وبإيقاع التبدلات المناخية.

التبدّل المناخي

لم يمر يوم تقريباً خلال العقود المنصرمة دون الحديث عن التبدّل المناخي. ولا أحد يجهل اليوم أن سخونة الأرض ترتفع كنتيجة للنشاطات الصناعية المختلفة، كما يبدو. لكن دون اتخاذ أي إجراء حاسم.

لم تكن مسألة المناخ مطروحة على الأذهان حتى الأمس القريب. أمّا اليوم فهناك هوّة كبيرة بين ما يعتقده عامة الناس وبين المعارف التي كدّسها العلماء المختصّون الذين يقولون ان المناخ السائد حالياً عمره حوالي 10000 سنة.

ويصف العلم بدقّة مصير الـ 342 واط لكل متر مربّع تتلقاها الأرض من الإشعاع الشمسي. وكمحصّلة لعوامل عديدة تدل المعطيات أن سخونة الأرض قد ازدادت حوالي 5,0 درجة خلال القرن العشرين، ويسود الاعتقاد أن إيقاع السخونة تسارع خلال نصف القرن الأخير.

ويرى كُثر أن زيادة سخونة الأرض هي وراء تكاثر الظواهر المناخية «المتطرّفة». لكن هذه النقطة لا تزال موضع جدل كبير بين العلماء على أساس أن فترة نصف قرن ليست كافية لاستخلاص نتائج نهائية؛ الأمر الذي لم يمنع خبراء المناخ من التحذير أن بعض الظواهر قد تعرف تبدّلاً سريعاً نسبياً مثل حركة التيارات في المحيطات.

الجميع يتفقون اليوم حول نقطة محددة هي أن المسؤول عن سخونة الأرض هو حجم غاز الفحم والغازات الضارّة الأخرى الصادرة عن الصناعة وما تنتجه من محركات وغيرها. ويبقى السؤال: إلى أين يمكن أن يصل مدى الظاهرة ومدى تأثيرها على الإنسانية خلال القرن الحادي والعشرين؟

هناك بحوث عديدة مكرّسة لمحاولة الإجابة على هذا الموضوع تحت إشراف منظمة اليونسكو. أمّا النتائج المحصّلة فيقول بعضها ان فترة سنوات 2000 إلى 2100 ستشهد ارتفاعاً في سخونة الأرض بحوالي 6,0 درجة فقط إذا استمرّت الرقابة الصارمة على إصدار الغازات الضارّة حسب إيقاع عام 2000.

ويقول آخرون انه حتّى إذا تبنّى العالم سيناريوهات نمو اقتصادي تعتمد على التقدّم التكنولوجي وعلى التطوير التدريجي لمصادر طاقة لا يترتب عليها إصدار غاز الفحم وغيره من الغازات الضارّة فإن متوسّط ارتفاع معدّل الحرارة على مدى 100 سنة هو بين 8,1 و4,2 درجة.

هذا يعني أنه من الصعوبة بمكان أن تستطيع الإنسانية عدم تجاوز زيادة السخونة الأرضية بدرجتين على الأكثر خلال هذا القرن رغم إدراك أن هذه المخاطر تتعاظم كثيراً إذا تم تجاوز تلك العتبة. ومهما تعددت المؤتمرات والندوات حول سخونة الأرض يرى مؤلف هذا الكتاب أنه سيكون على البشرية أن تؤقلم جميع نشاطاتها مع منظور العمل على الحد من ارتفاع سخونة الأرض.

الطاقة والغذاء

سيزداد استهلاك الطاقة حتى أفق عام 2050 بفعل ارتفاع مستوى المعيشة في البلدان الصاعدة وزيادة عدد سكان الأرض. فكم سيزداد هذا الاستهلاك؟

تدل الإحصائيات أن استهلاك الطاقة قد ازداد في الولايات المتحدة وأوروبا بنسبة 1 بالمئة بالتوازي مع ازدياد إجمالي الإنتاج الداخلي بنفس النسبة 1 بالمئة على مدى القسم الأكبر من القرن العشرين. وتشير الوكالة الدولية للطاقة أن استهلاك الطاقة سيزداد بنسبة 5,0 بالمئة خلال العقود الثلاثة الأولى من هذا القرن.

لكن ندرة البترول قد تبدأ بشكل ملموس في أفق عام 2030 وفي أفق سنوات 2050 ـ 2080 بالنسبة للغاز. وبعدها؟

الحل ليس في الرجوع إلى عصر الكهوف، كما يقول البعض الذين يحنّون إلى حياة ما قبل الصناعة. ولكن يتم تحديد عدّة متطلبات لا بدّ منها لمواجهة الموقف وفي مقدمتها زيادة الفعالية في مجال الطاقة عبر اتخاذ إجراءات للحد من الحاجة إليها مثل تحسين عزل الأبنية وتغيير تقنيات الإضاءة...الخ، وتطوير الطاقة النووية، والتبنّي التدريجي للطاقات المتجددة الشمسية وغيرها.

وإذا تمّ إيجاد حلول لمسألة الطاقة يبقى السؤال: كيف يمكن تأمين الغذاء لجميع البشر في أفق عام 2050 مثلاً؟ ما تقوله الأرقام هو أنه يوجد في الصين والهند اليوم 800 مليون إنسان يعانون من سوء التغذية، حسب تقارير المنظمّة العالمية للتغذية. وتدلّ بعض الدراسات إلى أن الحاجات الغذائية سوف تزداد 5 مرّات في إفريقيا مقابل مرّتين في آسيا و3,1 مرّة في أميركا الشمالية و9,0 في أوروبا.

إن مواجهة مثل هذا الوضع مستقبلاً تتطلّب قبل كل شيء استقراراً سياسياً ونهاية للنزاعات في إفريقيا. ويمثّل تقدم العلوم والتقنيات أحد السبل الأساسية للسيطرة على مشكلة التغذية العالمية. ولابدّ أيضاً في هذا السياق محاولة إيجاد حلول لمشكلة ندرة مياه الشرب ومشكلة توزيعها.

وهناك معركة أخرى سيكون على الإنسان خوضها في القرن الحادي والعشرين ولا شك بعده، إنها معركته مع «الجراثيم» حيث يتفق الجميع على القول ان هذه «الميكروبات» باقية بقاء الإنسان ذاته. وفي المحصّلة يرى المؤلف أن الأزمة الأولى التي سيكون على البشر مواجهتها في القرن الحادي والعشرين هي الوصول إلى إدارة مطبّقة محليّاً ومنسّقة عالمياً لعلاقات الإنسانية مع المنظومة الأرضية وهو الأمر الذي قد تقوم به الأمم المتحدة من خلال الجهود التي يبذلها أمينها العام بان كي مون. «ويُخشى أن تأتي هذه الإدارة متأخرة وأنه سينبغي علينا انتظار بداية القرن القادم»، يقول المؤلف.

الصفحات: 345 صفحة

الكتاب: الأزمات والقرن الحادي والعشرون

تأليف: جاك لوسورن

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: اوديل جاكوب - باريس - 2009