تحتفظ العلاقات التركية اليونانية بخاصية شابتها الكثير من التوترات التي لم تبدأ بطبيعة الحال مع النزاع بشأن حرية اصطياد سمك الشبوط في المياه الإقليمية المتنازع عليها بين أنقرة وأثينا، بل امتدت إلى قرون خلت من الشك المتبادل الممزوج بالحروب والمجازر. فمن سقوط القسطنطينية ونزاعات البلقان بين العرقيات السلافية والتركية مروراً بحقبة الإمبراطورية العثمانية وليس انتهاءً بحرب الاستقلال اليونانية، مرت العلاقات بين الجارين اللدودين بمطباتٍ صنعها التاريخ والجغرافيا والمصالح المتناقضة لما يمثلانه أو يرغبان في أن يكونا عليه.

ولربما تكمن الأسباب الجلية التي تقف وراء خلافات البلدين في كونهما يمتلكان تاريخاً قوياً وحضوراً مؤثراً على طول المساحة الممتدة من إيران حتى جنوب شرقي أوروبا وإمبراطوريتين عظميين فرضتا نفسيهما بفتوحاتٍ عسكرية كما في نسخة العثمانية وأخرى مائلة نحو المدنية كما هي طبعة اليونانية.

ولعبت الجيوإستراتيجيا دوراً لا يقل أهمية عن الأسباب السابقة بوضعها تركيا واليونان الحديثتين بعيد تشكلهما على حافة منطقتين تحفلان بالكثير من خبايا السياسة ومفاجآت الاقتصاد. فموقع تركيا الفاصل بين آسيا والشرق الأوسط من جهة وأوروبا من جهة أخرى، بامتلاكها أراضٍ في كلتا القارتين، أهلها لانتزاع رضا الغرب الذي لم يجد بداً من ضمها لذراعه العسكرية «ناتو» صاغت من خلاله دور الوسيط تارةً والفاعل تارةً أخرى في ما يخص قضايا الشرق العتيدة في العراق ومشاكل البلقان المستديمة في كوسوفو والبوسنة على سبيل المثال. وهي الحال ذاتها مع اليونان، التي يمكنها موقعها كخاصرة أوروبا جنوب الشرقية ونافذة القارة على الشرق الأوسط، بما تحمله من تاريخٍ مشترك أقل التباساً بكثير مع سكانه، من الإمساك بزمام ملفاتٍ لم ترغب في العقود الماضية في الخوض فيها.

وإن بدأت أثينا في الآونة الأخيرة في الغوص أكثر في أعماق أزمات المنطقة بعد أن كانت فضلت الهوى الأوروبي بدخولها على خط العملية السلمية والمفاوضات المتعلقة بها بحكم علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل وغير عاصمةٍ عربية وثقة صناع القرار في الغرب بها لعضويتها في الاتحاد الأوروبي و«ناتو».

تبقى مسألتا قبرص وترسيم الحدود تؤرقان مضاجع العلاقات بين أنقرة وأثينا وتولدان خلافاتٍ تتمثل في الفيتو اليوناني على محاولات تركيا الانضمام إلى المؤسسة الأوروبية التي حلم بها مؤسسها أتاتورك بقوله المعروف: «فلئن نكون في مؤخرة دول الغرب خير من أن نكون في مقدمة دول الشرق».

وإن كانت مشكلة الحدود قابلة للحل باتفاقاتٍ ثنائية، إلا أن الوضع القبرصي المدول يحتاج إلى رويةٍ تفاوضية تؤكد على استحالة قلب الحقائق التاريخية والمعترف بها دولياً. أما في ما يتعلق بموضوع الانضمام، فحري بتركيا ألا تضع بيضها كله في سلة بروكسل التي لا يبدو أنها، بقبولها أنقرة في عضويتها، في وارد جيرة دولٍ تعاني أزماتٍ وتوتراتٍ جمة كالعراق وإيران.

رؤوف بكر

bbaker@albayan.ae