هو رجل لكل المواسم، ومواقع «أفرانه» تقترح هدنة مسروقة من العمر الآتي من مكان محدّد والقاصد مكاناً آخر.. أهدأ، يصرخ الصوت، تمهّل قليلاً و«قرّب عالطيّب».. «أبو عرب»، أسم مستعار يرشّ الصعتر «الزعتر» والسمّاق البرّي على كعكة، يزيّنها، يقطّعها بسرعة لافتة، ويناولها للزبون بثقة مرفقة بابتسامة صغيرة..
وهو يدرك جيداً أن لقمته قد تكون آخر ما يُجمِع عليه اللبنانيون، إلى جانب الفلافل والكبّة «النيّة» والتبّولة.. وطبعاً «الدبكة» والعتابا!
«أبو عرب» موجود في معظم المناطق اللبنانية، وتحديداً على جانبَي «الأوتوسترادات» السريعة، ولا يقدّم سوى الكعك مع: لبنة، صعتر، شوكولا، سمّاق، ومختلف أنواع الأجبان (القشقوان، العكّاوي، البلغاري،..) الممزوجة بالسمسم البلدي..
وقد تُضاف الأصناف كلّها إلى الكعكة وفق طلب أحدهم.. أما زبائنه، فهمّ كل الناس.. فقراء وأغنياء.. سيارات غريبة ومتطوّرة، وأخرى آتية من مستقبل بعيد، تتجاور مع «موتوسيكلات» الشباب.
ولكونه يجمع في كنف حميميّته كل الناس، فإن قاصد أحد أفرانه لا بدّ من أن يشعر وكأنه يتابع منصّة عرض، تشهد على تنوّع، من أكثر الألبسة شرعيّة، إلى أغمق اللحى حنّة، إلى أطول الصلبان شطباً.. ويبقى الأهمّ، أن الجميع يتساوى في لحظات أمام «هيبة» الكعك، وأسعاره التي تتراوح بين 750 ليرة لبنانية (نصف دولار) ل«لكعكة السادة» وصولاً إلى 4250 ليرة (8,2 دولار) لـ «كعكة القشقوان دوبل».
وفي هذا السياق، يشير المنسّق العام لفروع أفران «أبو عرب»، فادي معمار، لـ «البيان» إلى أن عملية تحضير الكعك تستغرق 3 ساعات من الوقت.. فـ «العجين يغطَّى لساعة كاملة لكي يختمر ويصبح جاهزاً للإستثمار.. بعد ذلك، تأتي عملية طبش (رقّ) قطع العجين، وتستغرق قرابة الساعة أيضاً..
والوقت نفسه يحتاجه العجين المرقوق والموضوع على ألواح خشبية، بعد لفّه بفوَط قماشية وإضافة السمسم إليه، لتصبح القطع هذه جاهزة في النهاية لدخول بيت النار، والمكوّن أساساً من حجارة نارية، تسمح باستقبال درجات حرارة مرتفعة جداً، وتمنح الكعكة شكلاً مميّزاً، وتنضجها في ثوانٍ معدودة».
«سرّ نجاح الكعك في أفراننا يعود إلى نظافة العمل، كذلك إلى نعمة الله علينا»، عبارة يردّدها معمار كلازمة لا بدّ منها مع كل إجابة عن أيّ سؤال يُطرح عليه.. لكن، ما هو سرّ الخلطة الفريدة؟.. «إذا سرّبت الدول الكبرى أسرار القنبلة النوويّة، أفكّر بتسريب سرّ الخلطة»، يقول مبتسماً، ويكتفي بالإشارة إلى أن «الخلطة تتضمّن طحيناً، سكراً، خميرة، سمسماً، والقليل القليل من الملح..
وبعد عملية الطبش (رقّ العجينة)، تتمّ إضافة السمسم المضروب بنخالة القمح»، و«بتصير الكعكة جاهزة.. وصحتين وعافية». أما «أبو عرب»، فيبقى سراباً كالغموض، وتُختصر هويته بعيون خلف قناع من سمسم، وبحكاية تشير إلى أن أحد أبناء مدينة طرابلس (شمال لبنان) هو أول من اخترع عجينة الكعكة، عام 1940، وحدّد لها شكل الحلقة.
حيث كان يضاف إليها آنذاك الصعتر أو قطع من الجبنة الصفراء الطريّة («البيكون» الفرنسية).. وبقيت هذه الكعكة على مضمونها وشكلها حتى التسعينات، إلى أن أدخِلت عليها مستلزمات «التطوير»، وتحديداً في أفران «أبو عرب».
بيروت ـ وفاء عواد
