هي الغربة التي تمشي كإبرة ويلحقها شباب لبنان كخيط، ف«تحوكهم» في كل بلاد العالم.. تنزل كصاعقة في عائلة فتمزّق أوصالها من غير شفقة، ولا تمنع وجهها من أن يكون عابساً وقاسياً في أغلب الأحيان.

يحمل حقيبة السفر، ينظر إلى الخارج وهو يركب السيارة التي تقلّه إلى المطار، يتطلّع إلى كل شارع يعبر به والى كل محلّ يمرّ من أمامه.. يغمض عينيه خوفاً من الدمع الذي يهددّ أن يسيل.. يصل إلى المطار في حالة ذهول، يقبّل أمه وأباه، إذ لا يعرف إن كان سيراهم مجدّداً.. هو يفكر بالبقاء إلى جانبهم، لكنه يقرّر الرحيل عن بلد ضاق به ليجد غده في آخر العالم.

المشهد يتكرّر يومياً في لبنان، البلد الذي فقد فيه هرَم الأعمار توازنه، ولم يعد يحافظ على شكله الطبيعي.. قاعدته التي من المفترض أن تمنحه رسوخاً وثباتاً ليست في مكانها، وبالطبع رأسه المثلّث في غير موضعه في القمّة.. دقّق ربيع (26 عاماً) بما صار عليه هذا الهرم، فانتابه شعور باليأس والتشاؤم «إنها المرّة الأولى، منذ عشرات السنوات، الذي يشهد فيه هذا الهرم انقلاباً رأساً على عقب على هذا النحو الدراماتيكي.. والمنحى الغالب يعبّر عن نسبة هجرة الشباب الذين رحلوا أو أولئك الذين يعتزمون الرحيل.. مسكين هو هذا الهرم اللبناني»!

وربيع هو واحد من الشباب الذين قرّروا أن يحملوا، منذ بضعة أيام، حقائبهم وبضع «رسائل عن الوضع المعيشي»، وأن يشاركوا في تجمّع رمزي أمام مطار بيروت الدولي، علّهم ينجحون في جذب السياسيّين إلى الأزمة الحقيقيّة في البلاد.

ولا سيما منها البطالة والغلاء المعيشي وهموم الشباب الذين يحملون أمتعتهم و«أشلاء» أحلام باتت عصيّة على البقاء في «بلد المهاترات السياسيّة».. حملوا الشعارات والتصوّرات، ولجأوا إلى «بروفة» الهجرة وهم مقتنعون بأنه «ما أن يحلّ عام 2020، حتى يجد الحكّام أنفسهم أمام واقع يحتّم عليهم حكم أنفسهم»، وفق قول ربيع لـ «البيان»، وخصوصاً أن «ما يزيد على ال700 ألف مواطن باتوا في الخارج، منذ عام 1991».

البعض القليل منهم لا تزال بقايا أحلامه تدعوه إلى الأمل بالتغيير.. وأغلبهم لم يعد مستعدّاً لتحمّل المزيد من المصاعب، بل يرغب في الهجرة بأسرع وقت ممكن، حتى لو وصل به الأمر إلى سريلانكا!.. ولمى حدّاد واحدة منهم تحضّر نفسها لما بعد السنتين المقبلتين، حين تنهي دراستها.

حملت في إحدى يديها حقيبة سفر، وفي يدها الأخرى بعضاً من الشعارات التي كانت سبباً في هجرة أترابها «65% من الخرّيجين تركوا لبنان.. عيب عليكن يا حكّام لبنان»، وتردّد متسائلة «هل يأتي وقت نصبح فيه نحن لاجئين في وطننا؟».

ولأن «الشباب لم يعودوا قادرين على تحمّل الطبقة السياسيّة التي تتلهّى عن مشاكلهم من أجل الكراسي»، يبدي بشار رغبته الحقيقيّة في الابتعاد عن لبنان حيث «لا مكان إلا لبضع أقليّات حالمة، وللمحاصصة والطائفيّة والغلاء وللخبز بالقطّارة».. أما زينة فتخصّ السياسيين بالقول «نحن لا نريد لا وصاية عربيّة ولا أجنبيّة.. نريد بلدنا لبنانيّاً بامتياز».

70 من المهاجرين شباب

يؤكّد المختصّ في علم الاجتماع والسكان والأستاذ في الجامعة الأميركيّة في بيروت د. محمد فاعور أن هجرة الشباب «ظاهرة تاريخيّة، تعود أسبابها إلى الظروف السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية»، و«المشكلة الأساسية تكمن في الافتقار إلى إعداد الدراسات عن إحصاءات الهجرة، مع غياب تعداد السكان وعدم نشر أعداد المواليد والوفيّات بشكل منظم، مما يجعل جميع الإحصاءات غير دقيقة»، حسب قوله لـ «البيان».

ويحدّد فاعور نوعين من هجرة الشباب، الأولى مؤقتة والأخرى دائمة، ف«هناك حركة هجرة مئات الألوف منهم اليوم إلى الخليج لزمن محدّد، لأن معظمهم لا يمتلك القدرة للإقامة الدائمة..

أما المهاجرون الدائمون، فيتّجهون إلى أميركا وكندا وأستراليا لأسباب متعدّدة تهدف إلى لمّ شمل الأسر، والدراسة والعمل»، لافتاً إلى أن هجرة الشباب تتفاوت وفق الفئات العمريّة والمجموعات على الشكل التالي: مجموعات من خريجي الجامعات الذين يسافرون لتحصيل شهادات الدراسات العليا، ومجموعات أنهت دراستها الجامعية وتسعى للحصول على وظيفة.

وإذ لا يخفي فاعور تخوّفه من أنه لو تمّت عملية مسح شامل لعدد المهاجرين لتبيّن أن الشباب من المهاجرين بعد حرب يوليو 2006 «تتخطّى نسبتهم ال70»، فإنه يعزو أسباب الهجرة إلى الوضع الاقتصادي وضيق سوق العمل، مع وجود رواتب متدنّية لتأمين الحدّ الأدنى للمعيشة، إضافة إلى «احتقان الوضع السياسي والتخوّف من عودة الحرب مجدّداً».

الطموح محدود والأمل مفقود

«هذا الوطن ليس لنا، نحن الفقراء.. إنه للأغنياء وأبناء السلطة الحاكمة.. أريد الرحيل دون عودة، لأنني أعيش مع اليأس وأفتقد الأمل»، بهذه الكلمات يختصر الطالب في مجال الهندسة، بسّام حمّود «23 عاماً» حكايته مع العيش في لبنان. الأسباب الماديّة ليست المسؤولة الوحيدة عن فكرة سفره، بل وضع البلد هو السبب الأساسي.. ف«حتّى لو وجدت عملاً مناسباً وبمرتّب مغرٍ، لا أريد البقاء هنا».

ولا يختلف حال بسّام عن حال الطالبة في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، سحر (23 عاماً)، والتي ستنهي دراستها العام المقبل، وتفكّر بمغادرة لبنان «نهائياً»، لأن «الواسطة أهمّ من مقوّمات العمل، ولا مجال إلا للهجرة أمام من لا يملكها».

«لا أحد يقدّر المهن والشهادات في لبنان»، عبارة تقولها هدى (25 عاماً) بأسى بعدما اتخذت قرارها بالرحيل، ف«هنا، الطموح محدود والأمل مفقود»، وفق رأيها.. أما الطالبة في الجامعة اللبنانية ـ الأميركية ديما كيروز (21 عاماً)، فلا تتردّد في القول «لا أريد أن أفكّر ببلدي، لأن بلدي لا يفكّر بي».

وإذ تشير ديما إلى أنها تعدّ الأيام التي تجعلها أمام تجربة لعبة الحظّ مع العمل خارج لبنان، فإنها تستذكر قصّة قريبها طوني كيروز الذي عاد يوماً في «صندوق مستطيل أبيض كتب عليه بالإنجليزيّة: عامِله بعناية فائقة».

وطوني (33 عاماً) هو شاب هاجر إلى الولايات المتحدة.. وبعد أقلّ من 3 أشهر على وصوله إلى هناك، دخل لصّ إلى متجر أخيه حيث يعمل، وأرداه قتيلاً.. و«بهذه البساطة، تقول غربتنا كلمتها ولا تنتبه إلى حزن أحد»، وفق تعبير ديما.. تنظر إلى البعيد وكأنها تلملم أفكارها، وتقول «طوني أشدّ وجوه الغربة إيلاماً.. إذ يكفي أن نرى أنفسنا هناك، كي نعرف كم هي غريبة غربتنا»!

بيروت ـ وفاء عواد