على الرغم من أن اليمن من الدول المصدرة للمهاجرين نتيجة الكثافة السكانية العالية، ولارتفاع نسبة من هم في سن العمل، ومع أن أوروبا تغري الكثيرين على السفر إليها، إلا أن الوجهة المفضلة لليمنيين تبقى دول الخليج نظرا للقرب الجغرافي والقواسم المشتركة بينهم وبين سكانها.

ويزيد من رغبة شباب اليمن في الهجرة إلى دول الخليج، الاعتقاد الشائع لدى الغالبية أن المخزون البشري الضخم الذي تتمتع به بلادهم يشكل مصدر إغراء للدول الخليجية التي تعاني من غلبة العمالة الوافدة الأجنبية، وما تطرحه من تحديات على الهوية العربية.

ويقول يحيى هائل المرشد النفسي والتربوي المعروف: في الحقيقة هذا الاعتقاد الشائع لدى الأوساط اليمنية يشاطرهم فيه بعض سكان تلك البلدان الخليجية لاسيما من أوساط المثقفين والكتاب الذين مافتئوا يتطرقون من حين إلى آخر إلى ما يعتبرونه تحولات ديموغرافية تؤثر على التركيبة السكانية، كما أن الانفتاح على الهجرة اليمنية يمكن أن يساهم في معالجة الخلل الديموغرافي في بلدانهم، ويحد من مخاطر التركيبة السكانية التي يغلب عليها الوافدون الأجانب.

ويرى هائل أن الكثير من تلك الدول سبق أن استوعبت الكثير من اليمنيين من قبل، وجلهم يحملون انطباعات جيدة عن تجربتهم هناك فضلا عن أن بعضهم استطاعوا أن يراكموا ثروات مهمة، وشكلوا نماذج طيبة للشباب الطامح في الهجرة بحثا عن فرص عمل في تلك الدول.

لكن في العقدين الأخيرين تراجعت حظوظ اليمنيين في الهجرة خاصة عقب الغزو العراقي للكويت عام 1990 الذي أدى إلى عودة ما يزيد على 850 ألف مهاجر يمني كما تراجعت بالمقابل التسهيلات والمزايا الممنوحة للعمالة اليمنية التي كانت تتمتع بها في تلك البلدان مع تشديد إجراءات الدخول والإقامة بشأنهم.

وبقدر ما حدت تلك الإجراءات من هجرة اليمنيين تزايدت بالمقابل الحاجة إلى الهجرة سيما بين الشباب نتيجة لعدة عوامل أهمها النمو السكاني، فعلى الرغم من الهبوط الملحوظ في معدّل النمو السكّاني من 7 .3 بالمئة عام 1994 إلى1 .3 في المئة عام 2004، يبقى معدل النمو السكاني في اليمن من بين أعلى المعدّلات في العالم.

ويغلب على المكون السكاني الفئة العمرية النشطة «15 ـ 64 سنة «الذين يشكلون حوالي 54 % طبقا للتعداد السكاني لعام 2004 وهذه النسبة المرتفعة في الفئة النشطة يقابلها ضعف كفاءة الاقتصاد اليمني على إيجاد فرص عمل كافية، فسوق العمل ينمو بمعدل يقل كثيرا عن نسبة نمو قوى العمل.

وتشير المعطيات الإحصائية المتاحة والتنبؤات المستقبلية على حد سواء إلى أن الأيدي العاملة اليمنية نمت خلال الفترة من 2001 إلى 2004 بنسبة سنوية متوسطة وصلت إلى 2 .4 بالمئة، وهو ما يضيف 250 ألف شخص تقريبا إلى الأيدي العاملة كلّ عام، ما جعل الوفرة في الأيدي العاملة تفوق طلب السوق المحلي بأكثر من 60 % سنويا وطبقا للتقديرات المستقبلية فسوف تستمر وفرة الأيدي العاملة في التزايد على الرغم من التقديرات المتوقعة لتراجع معدل الخصوبة والنمو السكاني.

ولذلك يعول على أن تمتص بلدان الخليج جزءا مهما من قوى العمل، وفي الآونة الأخيرة أصبح الرهان على تلك الدول في استيعاب العمالة اليمنية الملمح البارز، إذ بات حديث الكثير من الساسة والمسؤولين، لاسيما منذ قبول اليمن في بعض مؤسسات دول مجلس التعاون الخليجي عام 2000.

الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أكد مؤخراً ان دول الخليج بصدد تبني سياسة جديدة داعمة لاستيعاب العمالة اليمنية، وكان مستشار رئيس الجمهورية الدكتور عبد الكريم الأرياني ذهب إلى القول «إن المخرج من الأزمات التي تعصف ببلاده تتمثل في فتح أسواق العمل بدول الخليج أمام العمالة اليمنية، معتبراً أن المشكلة ليست اقتصادية ولا اجتماعية وإنما انتشار الفقر وسط السكان وتدني متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي».

وطرحت قبل فترة قضية استيعاب العمالة اليمنية على طاولة النقاش في الأمانة العامة لمجلس دول التعاون الخليجي، وبادرت مملكة البحرين ودولة الكويت إلى إلغاء الكفالة عن العمالة اليمنية.

فيما تدرس قطر اتخاذ خطوة مماثلة، وبقدر ما يتزايد الحديث عن الآفاق الواعدة لاستيعاب العمالة اليمنية في دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الآمال آخذة في الانتعاش لدى الكثير من الشباب اليمني المتطلع إلى الهجرة خارج البلاد هربا من الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها.

ورغم ما أحدثته تلك التطورات، إلا أنها أثارت المخاوف من أن يؤدي انفتاح سوق العمل في تلك الدول إلى استنزاف الكفاءات اليمنية فيما البلاد التي تظل بحاجة ماسة إليها في الداخل، ما يعني أن فرص الشباب في حالة انفتاح أسواق العمل الخليجية أمامهم، ستكون محدودة نظرا للتحولات التي تعيشها تلك البلدان، والتي تتطلب مهارات حرفية ومهنية عالية، فيما النسبة الغالبة منهم عمالة عادية تفتقر للكفاءة المهنية المطلوبة.

هناك من يرى أنه يمكن التغلب على هذه الإشكالية عن طريق تبني برامج تأهيلية وتدريبية مكثفة موجهة لفئات الشباب كي يتمكنوا من الاندماج والاستيعاب في بعض المهن.

عموماً، يبدو أنه على الرغم من أن البوادر الأولية لعودة استيعاب العمالة اليمنية في أسواق العمل في بلدان مجلس التعاون قد أنعشت آمال قطاع كبير من الشباب في أن يجدوا لهم فرص عمل هناك، إلا أنه من السابق لأوانه الجزم بأن تؤدي تلك المؤشرات الأولية إلى حل معضلة الشباب اليمني الحالم بالهجرة بسبب التحولات التي تشهدها أسواق العمل وهي تحولات حسب المراقبين تفوق قدرات وإمكانات الفئة الغالبة على الشباب.

صنعاء ـ عبد الكريم سلام