الشباب هم عماد التقدم في أي دولة، بسواعدهم تشيد الحضارات، وعلى أكتافهم تبنى أي أمة أمجادها، وبهم تجدد الشعوب دورة حياتها ودماءها، فهم من يرفعون رايات التطور، ولواء التغيير، وسلاح التعمير لأنهم يصنعون التقدم، ويحملون مشاعل العلم، وبدونهم تشيخ الأمة، وتزداد الغمة، وتنتشر دعاوى التخلف والجهل والرجعية.
وقد أصيبت أمتنا العربية في مقتل عندما فشلت في استيعاب شبابها، وعجزت عن تلبية أحلامهم وطموحاتهم، فتاه منهم الطريق، وضاع منهم الرفيق، وفقدوا القدوة وصاروا يتخبطون، بعد أن سيطر عليهم اليأس وضاع منهم الأمل وفقدوا القدرة على العمل، واسودت الحياة في أعينهم، وضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، ولإيمانهم بأن أرض الله واسعة قرروا أن يهاجروا طلباً للمال والبحبوحة ورغد العيش، وسعيا وراء طريق أخضر ورفيق أفضل وأمل أكثر إشراقا.
سيناريوهات الهجرة
لجأ الشباب العربي إلى الهجرة الخارجية وخاصة إلى الدول الغربية سواء كانت مشروعة أم لا ؟ ما أدى لتفريغ أوطاننا العربية من خبراتها وكفاءاتها العربية، فالهجرة غير المشروعة تترتب عليها مآس خطيرة وتعرض الشباب لعمليات نصب واحتيال واسعة، ما يؤدي لضياع ملايين الدولارات لصالح عصابات التهريب.
وفي النهاية لا يخرج مصير الشاب الراغب في الهجرة غير المشروعة للخارج عن ثلاثة احتمالات، الأول أن ينجح بدخوله للدولة التي يرغب في السفر إليها بغض النظر عن الأموال التي يدفعها لعصابات التهريب والصعوبات التي تواجهه في مغامرته لأنه يعيش مهدداً ومطاردا من الشرطة بعد وقف الدول الغربية إصدار إقامات لأي شخص لم يدخل بطريقة شرعية وبناء على تنسيق مسبق، ويجد نفسه مضطرا للعمل في أي عمل متدن كبيع الجرائد أو أعمال النظافة في الشوارع أو غسيل الأطباق في المطاعم، هذا إذا لم يضطره حظه العاثر في الاستمرار نحو طريق غير مشروع والالتحاق بأعمال غير مشروعة.
أما المصير الثاني وهو غالباً ما يحدث أن يتم إحباط عمليات التهريب وضبط المهربين سواء قبل إبحارهم أو أثناء إبحارهم أو حتى بعد وصولهم إلى الجانب الآخر من البحر ويتم إعادتهم مرة أخرى إلى بلدانهم بعين كسيرة ونفس ذليلة وخسارة فادحة بعد أن ضاعت عليهم المبالغ التي دفعوها لعصابات التهريب وطبعا من رابع المستحيلات أن تستعاد تلك المبالغ مرة أخرى والغريب أن هناك من يحاول مرة واثنين وثلاثا وأربعا بلا فائدة، فلا المغامرة تنجح، ولا المحاولة تتوقف.
أما المصير الثالث، وآه من هذا المصير المؤلم المفجع، عندما يكون مصير هؤلاء الشباب في قاع البحر، فأمام عجز الحكومات العربية وجشع العصابات وأهالي الشباب بأملهم وطمعهم عبر سفر أبنائهم يصبح أولئك الشباب وليمة للأسماك في البحر تنهش أجسادهم وتأكل أحلامهم وآمالهم، ولا يكون أمام آبائهم وأمهاتهم إلا النحيب والبكاء، ولا يكون أمام حكوماتهم سوى إضافة أرقام جديدة من أرقام الضحايا إذا كانت تلك الحكومات مهتمة فعلا حتى برصد الضحايا، وأن تطرح أرقاما من عدد سكانها وكأنها تتخلى عن أعبائها ولسان حالها يقول «ليت الجميع هبوا إلى هذا المصير».
هجرة الكفاءات العربية
وبعيدا عن حديث البحر وما يؤول إليه حال هذا الشباب باعتباره حديثا ذا شجون تعالوا ننظر أولا إلى حديث العقل وهجرة النوابغ والعلماء والكفاءات العربية إلى الخارج بعد أن بخلت عليهم أوطانهم وضيقت عليهم وأصبحت الراقصة والطبال ولاعب الكرة وسمسار بنات الهوى ذا شأن وقيمة عن هؤلاء النوابغ ما اضطرهم إلى الهجرة بما أفاء الله عليهم من علم لعل هذا العلم يعود مرة أخرى ليستنفع به وطنهم.
ويكفي ونحن نتحدث عن هجرة الكفاءات والخبرات والنوابغ في عالمنا العربي أن نقول ان دولة واحدة مثل مصر تشير دراسة صدرت مؤخرا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي أن هناك 54 ألف عالم وخبير مصري في الخارج يعملون في مختلف التخصصات العلمية من بينهم 11 ألفا في تخصصات نادرة و94 عالما في الهندسة النووية و36 في الطبيعة الذرية و48 في الكيمياء و25 في الفلك والفضاء و48 في البيولوجي والميكروبيولوجي و46 في استخدامات الأشعة السريمية و22 في الجيولوجيا وطبيعة الزلازل و67 في المؤثرات الميكانيكية و66 في الكباري والسدود و93 في الالكترونيات و72 في استخدامات الليزر و31 في تكنولوجيا النسيج و98 في الأحياء الدقيقة و193 في الحاسبات والاتصالات.
وتبين الإحصاءات أن أميركا تحظى بالنصيب الأكبر من الكفاءات والعقول المصرية المهاجرة بنسبة 39 في المئة، تليها كندا بنسبة 3,13 في المئة وتأتي اسبانيا في المؤخرة بنسبة 5,1 في المئة.
ويقول الدكتور إبراهيم خليفة أستاذ علم النفس وخبير التنمية البشرية: إن هجرة العقول ليست ظاهرة عربية فحسب وإنما هي ظاهرة عالمية، فكثير من الدول تهجرها العقول ومنها الدول الأوروبية وأميركا، لكن المشكلة أن الأسباب التي تؤدي لهجرة العقول لدينا أصعب بكثير من الدول الأخرى فلدينا أسباب كارثية تعتبر هي المشكلة الأساسية وليست المشكلة من الشباب أنفسهم مثل عدم الاهتمام بالمتميزين بل إهمالهم وتعمد دفن مواهبهم من خلال مرؤوسيهم الأقل كفاءة بالطبع منهم وبمراحل كبيرة جدا.
وأيضا عدم إتاحة الفرصة للبحث والإبداع والتفكير والتطوير وهذا طبعا بالإضافة إلى الوضع السياسي والاقتصادي الصعب ونمو ظاهرة الوساطة التي تعتبر من وجهة نظري قاتلة لأي موهبة.
القاهرة ـ سباعي إبراهيم

