شكّل اعتذار النائب سعد الحريري عن عدم تأليف الحكومة، في اليوم ال73 على تكليفه، الحدث الأبرز في لبنان، وخصوصاً أن قراره الذي لم يكن مفاجئاً جعل الأمور مفتوحة على شتّى الاحتمالات، وأخطرها الأزمة السياسيّة المفتوحة، بعدما أعلن رفضه التخلّي عن صلاحياته والتعامل معه كـ «صندوق بريد يتسلّم من خلالها مراسم تسمية الوزراء الآتية من الأندية والأروقة السياسية»، بحسب ما جاء في بيان الاعتذار.

ومع تكريس الاعتذار سياسياً، أشار مصدر رئاسي لـ «البيان» إلى أن دوائر القصر الجمهوري ومجلس النواب اتفقت على أن يصار إلى إطلاق الاستشارات النيابيّة الملزمة لإعادة تكليف الحريري يومَي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، وسط معلومات تؤكّد وجود 86 صوتاً مؤيّداً (من أصل 128، عدد نواب لبنان) لإعادة تكليفه، تماماً كما حصل في التكليف الأول، وخصوصاً أن رئيس المجلس النيابي نبيه برّي أعلن أنه لن يعيد إلا تسمية الحريري.

وإذا كانت الأزمة الحكومية عادت دستوريّاً إلى نقطة الصفر مع اعتذار الحريري، فإن إعادة تكليف الأخير «خيار حصري لا ينازعه أي خيار آخر، رغم ما تردّد عن خيارات بديلة محتملة»، وفق تأكيد مصدر مقرّب منه، والذي أشار لـ «البيان» إلى أن فريق الأكثرية «لن يقبل هذه المرّة باستمرار قواعد اللعبة نفسها التي حكمت التكليف الأول»، والى أن الحريري بدأ، بعد اعتذاره، «مرحلة تقويم لآفاق المرحلة المقبلة، استناداً إلى ما اعترضه من عراقيل في مرحلة التكليف.

وقد بدأ مشاورات مع كتلته النيابية ستتبعها مشاورات مع سائر حلفائه في قوى 14 آذار.. وفي ضوء هذه المشاورات، وفي حال قبوله التكليف ثانية، فستكون له شروطه وليس أقلّها عدم افتعال العراقيل في وجهه وعدم تكرار التجربة السابقة التي كانت أقرب الى العرقلة منها الى الحوار، مع ما يعني هذا إعادة النظر في صيغة: 15 - 10 - 5».

وكان الحريري شرح ملابسات تقديم اعتذاره، خلال حفل إفطار أقامه غروب أول من أمس في قصر قريطم، قائلاً إنه «منذ اليوم الأوّل، مددنا يدنا كأكثرية نيابية، من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، وقدّمنا التنازل تلو التنازل، لكن يبدو أنه كان هناك مفهوم خاطئ للديمقراطية لدى الأقلية التي قابلت هذه الخطوات بوضع الشروط.. اعتذرت بكل هدوء، لكن الأكثرية ما زالت أكثرية وهي من تقرّر من هو رئيس الحكومة المكلّف.. إننا مقبلون على استشارات، وسأضع النقاط على الحروف».

في المقابل، وفيما حافظ الرئيس برّي على «صيامه» الكلامي، تراوحت سقوف فريق المعارضة بين تحبيذ التيار الوطني الحرّ عدم تكليف الحريري ثانية، ما استدعى عودة النائب ميشال عون إلى لبنان ليلاً، وإصرار حزب الله على التمسّك بالثلث المعطّل وصيغة: 15- 10- 5، كحدّ أدنى لحكومة الوحدة الوطنية المقبلة، إذ اعتبر أنه «لا يمكن تشكيل حكومة من دون شراكة مع المعارضة، وهي تريد أن تكون شريكة فعلية، بالثلث زائداً واحداً في شكل مباشر أم غير مباشر»، وفق قول وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال محمد فنيش.

وفي انتظار جلاء غبار الجولة الأولى من التكليف، في ضوء تحديد مواعيد الاستشارات النيابية الملزمة ونتائجها، توقّع مصدر سياسي بارز أن تبقى الأزمة السياسية في لبنان «مفتوحة، إلى أن يتحقّق خرق ما في الجدار الإقليمي، يفسح المجال لولادة الحكومة العتيدة» التي قد تتعسّر إلى أواخر أكتوبر المقبل.

وأشار هذا المصدر، في حديثه إلى «البيان»، إلى أن «ثمّة استحقاقات إقليميّة ودوليّة داهمة يتوقف على مسارها اتجاه رياح المرحلة المقبلة، محلياً وإقليمياً، وفي مقدّمها: قمّة الرياض المتوقّعة على هامش افتتاح جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والدخول التركي القوي على ملفّ الخلاف السوري العراقي وتطويقه بسرعة، وزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى العاصمة التركية أنقرة في نطاق المشاورات بين البلدين حول ملفات المنطقة، وترقّب خطّة الرئيس الأميركي باراك أوباما لتنشيط عملية السلام في المنطقة».

بيروت - وفاء عواد