أصبح التعليم الأجنبي في البلدان العربية «موضة العصر»، وكعادتنا جميعا في اتباع سياسة القطيع والاتباع دون تفكير أو إعمال العقل تحول التعليم الأجنبي في بلداننا العربية إلى أشبه ما يكون بدرة التعليم وقبلة المتعلمين ومحراب الراغبين في التعلم دون أدنى تفكير حول أهميته وأضراره وأصبح لا هم لنا سوى التقليد باعتبار أن الحصول على التعليم الأجنبي هو نمط تعليمي لا يختلف عن أي نمط استهلاكي فاقد للمعنى والهدف سوى التقليد والتباهي والتفاخر.

وفي مصر الحال يطابق الواقع العربي بشأن التعليم الأجنبي، وجاء تأكيد ذلك على لسان الدكتور محسن خضر أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس، وصاحب العديد من المؤلفات في مجال التعليم الأجنبي حيث قال إن الظاهرة تعبر عن عمليتين متلاصقتين تحدثان معا، أما الأولى فهي تمثل اندماج الرأسمالية العالمية لمنطقة الأطراف والهامش ومنها المنطقة العربية وهذه تحدث تمددا للخارج.

أما العملية الثانية فتمثل تمددا للداخل وهي عملية «الاستلاب الحضاري» بمعنى اهتزاز الثقة في قدرة الذات القومية على اللحاق بالعالم المتقدم وبالتالي يلجأ إلى استعارة الحداثة أي استيراد آليات ومظاهر المنظومة الرأسمالية والثقافة الرأسمالية وفي مقدمتها اللغة والتعليم والعناية بالصحة والثقافة الاستهلاكية ومنها قضاء وقت الفراغ إلى جانب استخدام الأدوات المستوردة نفسها، مشيرا إلى أن مؤسس علم الاجتماع العربي الشهير ابن خلدون وصف هذه العملية بمبدأ «أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب».

وتابع: أن التعليم الأجنبي في البلاد العربية ارتبط تاريخيا بالانتكاسة الحضارية فقد توسع في مصر خلال عهد الخديوي سعيد والخديوي توفيق بعد انتكاسة محمد علي، وتوسع كذلك في السبعينات من القرن العشرين في الحقبة «الساداتية» مع مغازلة الرئيس الراحل أنور السادات للغرب ومحاولته الإندماج في المنظومة الرأسمالية والإنقلاب على النهج الناصري بأكمله.

وأضاف خضر: أن هذه الظاهرة ؟ التعليم الأجنبي- بلغت اشدها في دول الخليج العربي بحيث أصبحت هوية الأقطار الخليجية محل تساؤل ومعرضة للتغريب على حد قوله، مشيرا إلى تحذيرات أحد المسؤولين الكويتيين السابقين، والذي يمتلك مدارس خاصة، من مغبة الدراسة باللغة الإنجليزية في مراحل التعليم العام وتهميش اللغة العربية.

وأعرب خضر عن اعتقاده أن صعود اللغة الأجنبية في المجتمعات العربية وتراجع اللغة العربية في الوقت ذاته إنما تعبر عن مزاج المهزوم نفسيا عندما يتم إحلال هذه محل تلك. ونوه إلى أنه من الغريب أنه لم يحدث في التاريخ الحديث أن تقدمت أية دولة باستعارة لغة أجنبية فلم تتم النهضة في ألمانيا واليابان والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وغيرها من تلك الدول إلا باستخدام اللغة القومية لتلك الدول.

ولفت أيضا إلى ظاهرة خطيرة أخرى سوف تترتب على الازدواجية الثقافية في مجال التعليم والتي تتمثل في مدارس دينية ومدارس حكومية عربية ومدارس لغات ومدارس أجنبية وأخرى للطوائف الدينية، لافتا إلى أن الازدواجية الثقافية يترتب عليها التفتيت الوطني وانقسام الشعب الواحد إلى شعوب متناقضة، ويمكن إدراك ذلك من خلال المقارنة ما بين خريجي التعليم الأزهري والحكومي واللغات في مصر لمعرفة خطورة هذه الظاهرة.

وقال: إنه من الغريب أن الظاهرة امتدت إلى التعليم العالي حيث تم إلغاء التدريس باللغة القومية وإحلال اللغة الإنجليزية بدلا عنها، وتابع: أن هذا الإحلال للغة الأجنبية محل العربية سيؤدي بلا شك إلى اتساع الفجوة بين مستوى الطلاب في إجادة اللغة الأجنبية والقائمين على تدريسها أو التدريس بها وبالتالي فإن الطلاب سيتحولون إلى مجرد حفظة دون التفاعل اللازم والواجب بقاعات الدروس.

وأشار إلى أنه حدد في كتابه الأخير «مستقبل التعليم العربي بين الكارثة والأمل» أن التعليم سيكون محل وموضع إما الأمل أو الكارثة؟!، وتابع «ويبدو أننا متجهون نحو رهان الكارثة عندما تتعلم أجيال راهنة ومستقبلة باللغات الأجنبية كما يحدث في بعض دول الخليج خاصة في مرحلة التعليم الأساسي على حساب اللغة القومية، وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه أي هوية وأي فكر وأي شخصية حضارية يمكن أن تكون عليها هذه الأجيال في المستقبل؟.

وحول نسبة التعليم الأجنبي إلى التعليم العام، أشار إلى أنه لا توجد دراسات علمية محددة يمكن الوثوق فيها والاعتماد عليها في هذا الصدد ولكن في مصر بلغت نسبة التعليم الخاص 15 في المائة مقابل تعليم حكومي بائس ومتدن الى مستوى ودولة أخرى مثل قطر وصلت بالتعليم الحكومي إلى خيار الصفر وتم إلغاء وزارة التربية والتعليم وإقامة مجلس للتعليم وجعلته تعليما غير مركزي.

أما الدكتور علي المليجي الخبير التربوي بجامعة القاهرة وعضو أمانة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي فيرى أن التعليم الأجنبي سواء كان في التعليم الجامعي أوقبل الجامعي وفي كل الأحوال أمر جيد باعتباره تعليما مخططا ومبرمجا ويتم الإنفاق عليه بشكل جيد ويتم التخطيط له بشكل طويل الأجل، ويتطور تحت نظام الجودة والاعتماد الذي نفشل في تطبيقه في برامجنا ومراحلنا التعليمية المختلفة.

وأوضح أن التعليم الأجنبي مبني على أن الحاجة الماسة للمجتمعات هي الحاجة إلى الإبداع وإعمال العقل وكيف يستفيد المجتمع من هذا العقل وتغطية كافة أفرع المعرفة التي تفيد المجتمع في إطار مؤسسي، مشيرا إلى أن هذا ما يجعل من التعليم الأجنبي بالرغم من كل المعوقات التي تضعها النظم العربية أمامه والسلبيات التي يتحدث عنها البعض إلا أنه على أسوأ الفروض فهو أفضل بكثير من جميع أنواع النظم التعليمية القائمة.

وحول الانتقادات التي توجه للتعليم الأجنبي باعتباره يمثل معول هدم للغة والثقافة العربية، قال قضية التعريب أو التغريب هي قضية صغيرة يمكن التغلب عليها بوضع مادة اللغة العربية كمادة أساسية للدراسة بالمدارس الأجنبية، مشيرا إلى أهمية الاستفادة من العلوم والخبرات الأجنبية بالنقل عنهم واستقاء المعرفة منهم كما سبق وفعلوا هم عندما نقلوا عن الحضارة الإسلامية في مختلف فروع المعرفة في عهد النهضة الإسلامية، أما التمسك بالتعليم العربي فهو تقوقع بلا داعي.

وفيما يتعلق بارتفاع تكاليف التعليم الأجنبي بحيث أصبح للقادرين فحسب وهو ما يسبب خللا كبيرا في المجتمع، قال المليجي فكرة مجانية التعليم كانت صالحة لزمن معين وانتهت وميزة التعليم الأجنبي أنه يقوم على قاعدة كيف يحقق المجتمع أقصى استفادة ممكنة من الدارس يخدم من خلالها المجتمع

القاهرة ـ سباعي إبراهيم