كان تلاميذ لبنان يحفظون عن ظهر قلب بأن شواطئ بلادهم خرّجت الأبجدية إلى العالم، وكانوا يشكون من ال«َّيهَفٌ» الذي كان يرافقهم، أثناء الفترة المخصّصة لاستراحاتهم، لكونه كان ينذرهم بـ «القصاص» إذا ما تفوّهوا بكلمة عربية، وتحديداً في مدارس الإرساليات الأجنبية.. أما اليوم، فبات مشهداً طبيعياً أن تجلس في مكان عام وتسمع فيه الأهالي يتحدثون مع أبنائهم بلغة أجنبيّة، بعدما كان الأمر محصوراً بطبقة واحدة من اللبنانيين، أو بالأجانب المقيمين في البلد.

وبين الأمس واليوم، صارت اللغة العربية، من ألفها إلى يائها، عبئاً ثقيلاً على تلاميذ المدارس في لبنان، ما ترك انعكاسه على سير المجتمع في ركاب «العولمة اللغويّة» التي تحيط الصغار من كل حدب وصوب، في يوميّاتهم العائلية والمدرسيّة وحتى الترفيهيّة منها.. وهذا من دون أن يغيب عن البال توق بعض الأهل إلى ما يعتبرونه «رقيّاً وتميّزاً» باعتماد اللغة الأجنبية والابتعاد عن العربية التي يعتبرونها «لغة العامّة»..

أما المدارس، فلها فلسفتها التجارية الخاصة في التعامل مع هذا الموضوع، وهي أن عامل الجذب الأساسي الذي تعتمد عليه الإدارات لشهرة مؤسّساتها والدلالة على رفع مستواها يرتكز في نواح كثيرة على المستوى المتقدّم في تدريس اللغة الأجنبية، وتحديداً الإنجليزية أو الفرنسية أو الاثنتين معاً، وعدم التركيز على العربية التي تضعف «هيبة المدرسة» ومكانتها في الأوساط المدرسية.

في خضمّ هذا الواقع الذي يشكّل عائقاً أمام تقدّم الأولاد في لغتهم الأمّ، ويدفعهم إلى تفضيل اللغة الأجنبيّة التي يجدونها سهلة وبعيدة عن التعقيد، لم تعد اللغة العربية، أو حتى اللهجة اللبنانية، من الأمور المرغوبة في حياة ريم (9 سنوات)، وهي التي لا تتردّد بأن تبدأ حديثها بثلاث كلمات من قواميس لغات مختلفة، «وى.. كيفك؟.. كف ًّف؟»!

ويفاخر زياد (8 سنوات) بخطّه الجميل، ولا يملّ من استعراض مهارته في كتابة ما تعلّمه في المدرسة من عبارات جديدة.. كلّها باللغة الإنجليزية «عربي لأ»!.. «لَُ،ُّ ٌيًم يُّ»، يقولها زياد بجديّة قبل أن يغادر الغرفة، لأن المحيطين به أصرّوا على سؤاله عن اللغة العربية.. «مش حلوة، وخلص»!

je ne peux pas، (لا أستطيع)، عبارة تستخدمها ربى (7 سنوات) للردّ بغنج على والدتها التي تطالبها بعدم المكوث طويلاً أمام التلفاز.. بعد وقت قصير، تعاود الأم الطلب، فيأتيها الجواب: «ة كفَ،ش».. عندها، يقترح أحدهم عليها أن تبقى في مكانها شرط أن تقول العبارة السابقة باللغة العربية، فتجيب ربى ضاحكة: «ما فيّي».. «قولي لا أستطيع»، فتضحك الطفلة للعبارة التي تسمعها ولا تفهمها، وتكرّر «ما فيّي».

وديانا (4 سنوات) قادرة على إجراء محادثة كاملة مع أمها باللغة الفرنسية، وهي مستمعة جيدة للأغاني الفرنسية وتردّدها بطلاقة الأطفال في سنّها.. يزعجها جهل والدها للفرنسية واتقانه الإنجليزية فقط، وعندما سألها ذات مرّة عمّا قالته مقدّمة البرامج، لم تتردّد في إجابته: «ِفِف، أنت ما بتعرف، هيّي عم تحكي بال ـ نْفَكفيَّ».

زياد وربى وديانا تلامذة في ثلاث مدارس مختلفة، وتعدّ راقية، من مدارس بيروت، حيث يتجاوز رسم كل مدرسة من هذه المدارس ال ـ 2000 دولار أميركي، ويبدي الأهل استعدادهم لدفعها من أجل مستقبل أفضل يتيحه لأبنائهم «صيت» هذه المدارس وتسهيلها الانتساب إلى جامعات معيّنة، إضافة إلى كونها «تجعل طفلنا متمكّناً من اللغة الثانية»، حسب قول والدة ربى ل»البيان».

وتوضح والدة ربى أنها تواجه مشكلة لدى مساعدة ابنتها في قراءة قصة باللغة العربية، ف«أنا مضطّرة لشرح معظم الأفعال، من الفصحى إلى العامية»، أما عندما تكون القصة بالفرنسية ف«أقرأها على مسمعها بطلاقة، وهي لا تطرح عليّ أي سؤال».. وهي تعترف بأنها تتحمّل جزءاً من المسؤولية: «منذ البداية، كنت أشتري لها القصص الفرنسية لا العربية»..

علماً أن هذه الوالدة هي معلّمة لغة عربية للصفوف المتوسّطة، وتكشف عن مشكلة أخرى تواجهها مع تلاميذها: «قلّما أجد مفردات جميلة في مواضيع الإنشاء.. لكن الكارثة تكون عندما أجد مفردات عاميّة في الموضوع»، وهي لا تخفي شعورها بالعجز عن «تحبيب» طفلتها وتلاميذها باللغة التي تحبّ، إذ تقول: «يشعرونني باليأس.. كلّ ما يعنيهم من اللغة هو الحصول على علامة».

وبسبب وجود فارق كبير بين العامية والفصحى، لا يتردّد عصام في الحديث عن «معاناته» المضاعَفة مع ابنته التي عاد بها من فرنسا إلى لبنان لتتعلّم لغة بلادها، «عانيت كثيراً وأنا أشرح لها أن كلمة (غداً) تعني بكره، وكلمة( أمس) تعني أمبارح»، ويعترف بأنه يكاد يبكي كل مرّة يجلس فيها مع ابنته يارا ليدرّسها، لأنه يجد صعوبة في شرح دروس اللغة العربية لها رغم إتقانه لها..

ويعطي مثالاً عن واحدة من الصعوبات اليوميّة التي يواجهها مع ابنته: «كيف تكتب حرف الياء في أول الكلمة، وسطها ونهايتها، هذا لجهة الشكل.. أما المشكلة الثانية، فتكمن في المعاني التي لا تسمعها في حياتها اليومية.. طلِب منها مرة أن تختار الأفعال التي تناسب الأسماء التالية: البرق، الرعد، والمطر. وجدت صعوبة بالغة في أن أشرح لها كيف أن الرعد يدوّي، في حين أنها ربطت بين فعل يدوّي والضوء (يضوّي)»!

بيروت ـ وفاء عواد