لم تعد المدارسة الخاصة في الأردن إحدى المظاهر التي تدل على المستوى الاقتصادي لبعض الأسر، فهي وخاصة في عمان والمدن الكبيرة مثل محافظة الزرقاء شرق العاصمة أو اربد شمالا تعبر في كثير من الأحيان عن رفض أولياء الأمور دخول أبنائهم إلى المدارس الحكومية، نظرا لما تعانيه من مشاكل أبرزها الاكتظاظ الذي بدأ يعتبر المشكلة الأبرز لتأثيره على العملية التعليمية برمتها بالإضافة للطبقية التي باتت ديدنا لتصنيف الطلبة.

يبدو أن الأوضاع الاقتصادية المتواضعة لمعظم الأسر الأردنية ستنقذ اللغة العربية، وبالتالي الهوية القومية، من رغبة بعض أولياء أمور الطلبة لتدريس أبنائهم في المدارس والجامعات الأجنبية التي تدرس مناهجها وفق خطط تعليم غربية وباللغة الانجليزية، والتي أصبحت مؤخرا ملاذا للأثرياء فقط.

ومنذ تسعينات القرن الماضي ظهر بشكل واضح عجز وزارة التربية والتعليم عن مواكبة تمدد السكان في المناطق الجديدة عبر بناء مدارس جديدة، حيثما حل المواطنون، مما اجبر أولياء الأمور مهما كانت أحوالهم الاقتصادية إلى إرسال أبنائهم للمدارس الخاصة أيا كان مستواها التعليمي.

وفي الأردن، وكما هو حال التوزيع الطبقي للسكان هناك توزيع طبقي كذلك للمدارس الخاصة، وتتوزع هذه المدارس على ضواحي العاصمة وبين سكانها في شكل طبقي واضح، يقسم الدراسة في المدارس الخاصة إلى قسمين الأول للمجتمع الارستقراطي والآخر لعامة الشعب.

يقول الخبير التربوي وليد شنيكات لـ «البيان»: إن طبقية التعليم هذه لا تتعلق في الخدمة خارج إطار التعليم فقط بل أيضا في نوعية العملية التعليمية برمتها. وهو شكل بات يمكن معه القول إن لا مجال لأذكياء الفقراء من مجاراة ما يوضع بين يدي أبناء الأغنياء على طاولة العلم.

وفي المقابل ؟ يقول شنيكات ؟ استطاع التعليم الخاص أن يحمل عبئا كبيرا كان ملقى على عاتق وزارة التربية والتعليم إلا انه برزت خلال السنوات الأخيرة العديد من الظواهر السلبية في كثير من المدارس الخاصة رافقها سلوكيات خاطئة من المجتمع أيضا مما جعل العملية التعليمة تنحرف عن مسارها الطبيعي وتنحى نحو الطابع التجاري فقط.

وأنتج هذا الفرز في القسمين شكلين تعليميين الأول مرتفع القيمة العلمية والأكاديمية، والآخر لا يكاد يرتقي للمستوى المقبول لما يجب ان تكون عليه المدارس بصورة عامة. كما افرز أيضا شكلين من المعلمين: الأول لا يكاد يحصل من عمله على الحد الأدنى من الأجور التي تفرضها الحكومة والبالغة نحو 170 دولارا، مما يعني تأثير ذلك على العملية التعليمية والتربوية، فيما يكاد يتجاوز رواتب المعلمين في بعض المدارس الخاصة الكبيرة الألف دولار، وفي بعض الحالات يزيد عن ذلك.

ويعترف «احمد. أ» وهو مدرس في إحدى المدارس الخاصة منذ أكثر من ثلاث سنوات تقريبا بان الراتب الضئيل الذي يحصل عليه من المدرسة «230 دولارا» يؤثر بالفعل على نوعية تدريسه للطلبة والجدية التي يتعاطى بها مع العملية التعليمية برمتها.

ويقول: أنا لست جهاز حاسوب من دون عواطف، فعندما اعجز عن شراء الطعام لنفسي أثناء وجودي في المدرسة لعدم امتلاكي للمال، سيؤثر ذلك على نوعية التعليم الذي أوفره للطلبة، وعندما لا أجد القميص اللائق لأرتديه، سيؤثر ذلك على عملي، وعندما اعجز عن التفكير بالزواج لضعف راتبي، سيؤثر ذلك على نفسيتي وعملي، مشيرا إلى أن كل ذلك يتزامن مع فترات طويلة من العمل وواجبات لا تنتهي.

فيما تقول أم سليمان انها نقلت أبناءها من المدارس الخاصة إلى الحكومية بعد أن اكتشفت أنه لا فرق بين المدرستين، مشيرة في المقابل الى أنها لا تستطيع أن ترسل أبناءها إلى المدارس الخاصة المشهورة والتي تمتاز بقيمة علمية عالية نظرا لارتفاع أسعارها.

ويقول ولي امر احد الطلبة انه يدفع على ابنه في إحدى المدارس الكبرى في عمان نحو 9 آلاف دولار - وهو مبلغ يكفي أن يصرف على طالبين جامعيين عاما كاملا في كثير من التخصصات. وعلى حد وصف احد أولياء الأمور ممن سكن إحدى ضواحي العاصمة التي لا يوجد فيها مدرسة حكومية «إن المدرسة الخاصة شر لا بد منه».

وحول أسباب هجرة الطلاب العكسية من الخاصة إلى الحكومية يقول نقيب نقابة أصحاب المدارس الخاصة منذر الصوراني ان تلك الحالة ظهرت في ظل الضائقة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم قدرة بعض أولياء الأمور على الاستمرار في الدفع للمدارس الخاصة.

وقال إن عدد المدارس الخاصة يصل إلى 2500 مدرسة موزعة على محافظات المملكة إضافة إلى 1300 روضة أطفال تقريبا تخدم نحو نصف مليون طالب يعمل فيها أكثر من 40 ألف موظف تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الأردني من خلال رأسمال تشغيلي يصل إلى 200 مليون دينار أردني في السنة.

وفي الجانب الآخر لمسألة التعليم الخاص فان المدارس والمعاهد والكليات الناطقة باللغات الأجنبية في الأردن تبقى ضئيلة مقارنة مع التعليم في المدارس والجامعات الخاصة الوطنية، رغم بروز بعض المظاهر في السنوات القليلة تشير إلى توجه عدد لا بأس به من الطلبة في المدارس الخاصة والجامعات للدراسة باللغة الانجليزية تحديدا.

عمَّان ـ لقمان اسكندر