تشهد البشرية مع بداية هذا القرن الحادي والعشرين منعطفا حادا في مسيرتها كثمرة لما أنجزه التقدّم العلمي والتكنولوجي خلال العقود الأخيرة وما يفوق ما حققته خلال تاريخها الطويل. والعالم يتبدّل، فثرواته التي كانت تبدو لا نضوب لها أدرك الجميع أنها محدودة بينما يتزايد عدد سكانه. إن البشرية كانت تعدّ حوالي مليار ونصف نسمة في عام 1900 وسيصل العدد إلى حوالي 9 مليارات في أفق عام 2050.

وإذا كانت أوروبا والولايات المتحدة قد شكّلتا مركز العالم منذ القرن السابع عشر فإن مركز الثقل يميل اليوم نحو آسيا الصاعدة.هذا إلى جانب بروز مخاطر جديدة ليس أقلّها إمكانية استخدام السلاح النووي بينما تستمر مغامرة الإنسان في اكتشاف أسرار جسده وأسرار الفضاء المحيط فيه. وجاءت ظاهرة العولمة كتتويج لمسار بدأ منذ قرون. لقد وفّرت وسائل اتصال هائلة لكنها زادت أيضا من قلق الإنسان المشدود بين الماضي والمستقبل «المجهول». وهذا يستدعي التأمّل العميق.

يعلن القرن الحادي والعشرون بداية مرحلة جديدة مختلفة عمّا سبقها في تاريخ الإنسانية. هذا ما يبدأ به جاك لوسورن حديثه عن القرن الحالي. ويشير إلى أنه يكفي للتدليل على ذلك ملاحظة أن ما أصبح واقعا نعيشه ونعايشه لم يكن موجودا أو أنه كان في بدايات ظهوره في القرن الماضي «العشرين».

العالم يعيش اليوم عصر الانترنت والهاتف المحمول والتلفزيون الذي ينقل كل ما يجري في الدنيا من أحداث عند لحظة وقوعها. والمسافات التي كان يحتاج الإنسان إلى شهور لقطعها أصبحت لا تحتاج سوى لبضع ساعات. القائمة طويلة ، كما يقول لنا المؤلف.

إن التسارع هو أحد سمات العصر والمعلومات يتم تبادلها في لحظة. وفي مثل هذا السياق من التطوّر السريع لأسعار صرف العملات وتعاظم عمليات المبادلات المالية في ظل حريّة حركة رؤوس الأموال برزت الأزمة المالية العالمية في خريف العام الماضي كي تعيد إلى الأذهان أزمة عام 1929 التي ساهمت في خلق الأجواء التي قادت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية.

واليوم يلوح أفق نضوب الموارد البترولية والغازية بعد فترة «الأجداد» التي كان يسود فيها الاعتقاد أنه لا نضوب لها. والمناخ الذي كان يبدو معطيً نهائيا لأهل كوكبنا بدأ يعرف بعض التغيّر بفعل نشاطات البشر.

تحديات جديدة

إن البشرية التي كان عدد أبنائها 1، 5 مليارات نسمة حوالي عام 1900 من المتوقع أن يبلغ عددها 9 مليارات نسمة في أفق عام 2050، أي بزيادة 50 بالمائة قياسا بعام 2000. ومنذ القرن السابع عشر شكّلت أوروبا ثمّ أوروبا والولايات المتحدة معا مركز العالم. وكان الازدهار الذي عرفته الحضارة الأوروبية قد ترك آثاره على التاريخ الإنساني كلّه. لكن هناك اليوم تبدّل باتجاه صعود آسيا. وفي نهاية هذا القرن الحادي والعشرين سوف تأتي هذه القارّة أغلبية الدخل العالمي. وقد تلجأ كتب التاريخ المدرسية مستقبلا إلى تحديد الألعاب الأولمبية التي نظّمتها بكّين في عام 2008 كرمز لهذا التحوّل في مسيرة الإنسانية.

وفي المحصّلة يرتسم عالم محفوف بالمخاطر التي ليس أقلّها خطر استخدام السلاح النووي وغيره من الأسلحة الفتّاكة واحتمال تعاظم الإرهاب وانتشار أوبئة قد تودي بحياة قسم من البشر. وما يراه المؤلف هو أن القرن الحادي والعشرين ، وإلى جانب استمرارية التحديات التي طرحها القرن العشرين، سوف يطرح مجموعة من الأزمات الجديدة التي تتطلّب مراجعة جديّة وعميقة لمفاهيمنا السائدة.

أفق النضوب

كانت تسود حتى القرن السابع وبدايات عصر العلم الحديث والثورة الصناعية الكبرى فكرة مفادها أن ما تحتوي عليه الطبيعة من ثروات سيبقى إلى ما لا نهاية. لكن أصبح البشر بعد أربعة قرون وبفضل العلم والتقنيات يدركون أن أفق نضوب هذه الثروات سيأتي ذات يوم.

على صعيد المكان وصل الإنسان إلى القمر ويستقرئ مؤلف هذا الكتاب أنه سوف يصل في غضون عقود قادمة إلى كوكب المرّيخ. وبالإضافة إلى ذلك الإنجاز العلمي الكبير أدرك البشر أنهم يعيشون على الكوكب الأرضي الذي لا يشكل سوى جزء شديد التواضع من المنظومة الشمسية. وجزء يشبّهه المؤلف بـ «كوخ في أطراف غابة».وبالتوازي أدّى اكتشاف جزيئات المادة والذرّات إلى إدراك أن ما هو متناهي في الصغر يمكنه أن يكون أيضا في منتهى الفاعلية.

على مستوى الزمن أظهر العلم أن عمر الأرض التي نعيش عليها يقارب الـ 4، 5 مليار سنة. وأحرزت جميع المشارب العلمية تقدما كبيرا ساهم في زيادة المعارف الإنسانية حول جيولوجية الأرض وتطوّر الجنس البشري.وهكذا أصبح للزمن مفهوم محدد مثلما للمكان مفهوم محدد.

وبناء على المعطيات العلمية المتوفّرة يرى المؤلف أنه من الصعب عدم القناعة بهشاشة الجنس البشري ذاته وأن زواله يلوح بعد مليار سنة في أبعد تقدير عندما «ستبتلع» الشمس الكوكب الأرضي. بل ربما قد يزول قبل ذلك بفعل ظواهر طبيعية استثنائية قد تنهي الحياة على الأرض ؛أو ربما قد تقع الإنسانية ضحيّة وباء جديد لن تستطيع السيطرة عليه ؛ أو احتمال آخر هو أن يكون البشر أنفسهم وراء أفعال تنهي وجودهم.

وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن الإنسان المعاصر يعيش حالة من القلق بسبب إدراكه لمحدوديته. ثمّ أن الأجيال المتعاقبة ستحتاج إلى قرون كي تتمثّل بشكل كامل مدى عمق الاكتشافات التي عرفتها الإنسانية خلال القرون الأخيرة، ذلك خاصة على مستوى علوم المورثات وغيرها من ميادين علم الأحياء. ويتم التأكيد أيضا في هذا السياق على أن مواقف البشر ليست متماثلة حيال هذه المسائل كلّها ، بل لا تتماثل بين الأفراد داخل الفضاء الثقافي الواحد.ويشير المؤلف هنا إلى أنه يكتب من موقعه كأوروبي ولكن أيضا كإنسان يهمّه مصير العالم.

قلق العولمة

وإذا كان إدراك الإنسان المعاصر لمحدوديته يشكل مصدرا لقلقه فإن المؤلف يحدد مصدرا آخر لهذا القلق وهو العولمة. ويحدد مسيرة العولمة اعتبارا من القرن السادس عشر.لكنها سادت خلال العقود الأخيرة من خلال الثورات في عالمي المواصلات والاتصال. وإذا كانت مملكة لويس السادس عشر تحتاج في القرن السابع عشر إلى عدّة أسابيع لاجتيازها من طرف إلى آخر فإن هذه المسافة لا يتطلّب قطعها اليوم سوى أكثر قليلا من ساعة واحدة.

ويرى المؤلف أنه رغم تعاظم سبل التواصل بين البشر لا يزال جهل الآخر وثقافته وتاريخه وأدبه وقيمه هو السمة السائدة، ذلك حتى لدى أصحاب القرار الغربيين.المثال الصارخ الذي يتم تقديمه هو مدى جهل الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الذي اعتقد أن العراقيين سوف ينصبون له التماثيل في الشوارع. ولا شك أن جهل مواطني البلدان الغربية هو أكبر من جهل رؤسائهم.

وأمام القلق الذي يعاني منه الإنسان المعاصر يتم تحديد ثلاثة مواقف يتخذها الغربيون. الموقف الأول هو الانكفاء المحلّي خلف حدود الأمس أو خلف حدود الاتحاد الأوروبي بالنسبة لأبناء القارّة القديمة. ومعارضة الهجرة، هذا مع مطالبة الصينيين وغيرهم من سكان العالم بشراء طائرات الغرب من أجل قبول شراء نتاجهم.وإذا كان هناك قلائل يصرّحون بذلك علانية فان كُثرا يفكّرون فيه بداخلهم.بل ويتأسفون على الحقبة الاستعمارية حيث لم يكن يعكّر صفو الغرب أحد.

والموقف الثاني هو قبول العولمة مع إرادة أن تكون على طراز آخر، والمطالبة بنظام عالمي آخر ينهي المؤسسات الدولية القائمة. الأكثر راديكالية يطالبون بثورة عالمية.بكل الحالات يرى المؤلف أن الطريق مسدود أمام هؤلاء «الحالمين». والموقف الثالث يؤكّد على أهمية التأقلم مع العولمة والمساهمة في ازدهار أكبر عدد ممكن من البشر والمحافظة على بيئة الكوكب الذي نعيش عليه.لكن ترجمة مثل هذا الموقف على أرض الواقع مستقبلا تتطلّب مكافحة خطرين يحددهما المؤلف بـ « التخلّف في العقليات» و»خطر النزعات الطوباوية» التي لا تفهم الواقع.

بين الماضي والمستقبل

تتنضد طبقات الأرض على مدى آلاف السنوات، ومثلها ذاكرات المجتمعات. ولا شك أن سماكة هذه الشريحة أو تلك من الذاكرة المتكوّنة عبر تاريخ طويل تختلف حسب الظروف وحسب الأفراد. وبناء على دراسة الإرث التاريخي للشعوب الأوروبية يبيّن المؤلف كيف أن هذا الإرث لا يساعد دائما في فهم تحديات القرن الحادي والعشرين.

ورغم النفق الذي جرى بناؤه بين فرنسا وانكلترا تحت بحر المانش فإن الفرد البريطاني يعتبر نفسه غالبا من سكان جزيرة استطاعت أن تحافظ على وحدتها واستقلالها منذ عام 1066 رغم محالات اجتياحها من قبل الفرنسيين والأسبان والألمان. والبريطاني ، كما يتم قديمه، تحرّكه المصالح وحدها وهو يقيم تحالفاته مع بلدان القارّة الأوروبية على أساسها.

هكذا عملت بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية بسبب التهديد السوفييتي على إعادة تعمير فرنسا التي دمّرتها الحرب وعلى التقارب الفرنسي ـ الألماني دون أن تساهم في إنشاء المجموعة الأوروبية الموحّدة.لكن بعد نجاح هذه المجموعة اعترى بريطانيا الخوف وعملت كل شيء من أجل الانضمام إليها والسيطرة عليها من الداخل. لكن تبقى الأولوية بالنسبة إلى بريطانيا هي التحالف مع واشنطن إلاّ في بعض المناسبات النادرة والقصيرة. ويرى المؤلف أن البريطانيين، ورثة البحّارة والتجار والمقاولين، هم الذين يعود إليهم الفضل الأساسي في قيام الثورة الصناعية وإرساء قواعد الاقتصاد الحر.

أمّا بالنسبة للولايات المتحدة، ورغم كل ما يقال عن الجذر الانكلوسكسوني ، فإن الأميركي مهما اختلفت مشاربه الأصلية الأوروبية أو الإفريقية أو الآسيوية أو الأميركية ـ اللاتينية ومهما كان سبب قدومه إليها بحثا عن هامش أكبر من الحرية أو بدافع اقتصادي أو جلبوه قسرا كأحد العبيد يعتبر نفسه من أبناء الهجرة. وكانت الولايات المتحدة تتأرجح طيلة العقود الأخيرة بين الرغبة في عيش مغامرتها الخاصّة بعيدا عن العالم الخارجي ومشاكله وبين الرغبة في تنظيم العالم على صورتها وتخليصه تحديدا من الشيوعية. ومن هنا يأتي «اللون الخاص» الذي أخذته الامبريالية الأميركية منذ عام 1945 ، حسب تعبير المؤلف، بالقياس إلى الامبرياليات الأخرى التي عرفها التاريخ.

خصوصيات الشعوب

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه يمكن الحديث عن خصوصيات مختلف الشعوب الأخرى من اسبان وألمان وصينيين وعرب وغيرهم. لكن ما يريده من ذلك هو التأكيد على وجود رؤيات متباينة وأحيانا متنافرة للعالم تكدّست عبر التاريخ القريب أو البعيد. وهذا التباين أو التنافر يجعل التحليلات الخاصة بالقرن الحادي والعشرين مشوشة ويدفع نحو الهروب إلى حلول «خيالية» بعيدة عن الواقع.

و»الحلول» التي قد تبرز بالنسبة للقرن الحالي لها باستمرار علاقة مع مفاهيم إيديولوجية وهي تتراوح بين تلك التي قد تريد حل مشاكل العالم بطرق جذرية مثل المجازر الجماعية واستبعاد مجموعات بشرية في إطار ممارسات عنصرية. وما يؤكده المؤلف هو أن هذا القرن ليس محميا من مخاطر بروز مثل هذه الإيديولوجيات.

أمّا أنصار السلام في العالم فيجدون الحل في نزع شامل للأسلحة. هؤلاء يجهلون كما يبدو أن نزع الأسلحة مرتبط بقدرة الدول على تخفيض نفقاتها العسكرية دون تخفيض إجراءات حمايتها وشريطة عدم التأثير على موازين القوى.ثم يلعب عامل الزمن دورا هاما في هذا الإطار.

في المحصّلة يصل المؤلف إلى القول إن محاولة فهم مسار المغامرة الإنسانية في حاضرها واحتمالات مستقبلها تتطلّب بالضرورة عدم الوقوع في أسر عقليات الماضي وعدم الانسياق وراء «حلول « طوباوية إيديولوجية قد تكون مدمّرة.وبالاعتماد على هذا يقدّم ما يسميه «خارطة طريق» تخص «الأزمات والقرن الحادي والعشرين» كما جاء في عنوان الكتاب.ويحدد هدفه بالقول :»إنني أسعى إلى تحليل التطورات والأزمات التي قد تبرز في أفق العقود القادمة أكثر مما أبحث عن تقديم سيناريوهات مستقبلية أو رسم دروب المستقبل».

الصفحات: 345 صفحة

الكتاب: الأزمات والقرن الحادي والعشرون

تأليف: جاك لوسورن

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: اوديل جاكوب - باريس - 2009