هم أطفال لا تتعدّى أعمارهم الثانية عشرة، ينتمون إلى جماعات تدفعهم إلى التسوّل، وترسم لهم خطّ حياة خطِرة من دون سقف أو حقوق. كل ما يتّقنونه، بمنزلة رأس مالهم الضئيل، كلمات جاهزة حفِظت غيباً لمهنة ترتكز على أصول تقنيّة وفنيّة، أو علبة علكة لرفع العتب ولتمويه التسوّل بـ «التجارة الحرّة»، أو «فوطة» لمسح الزجاج، أو وردة.. أما علاماتهم الفارقة، فهي الثياب الممزّقة وطلاقة اللسان.
في أحد الشوارع تمضي ربى، إبنة الأعوام العشرة، طفلة أنجبتها أرحام شوارع العاصمة، وهي التي تقصدها يومياً بغية إعالة أسرتها، تعمل في تنظيف زجاج السيارات، «إذا اشتغلت بياكلوا.. والرِزْقة على الله».. تروي ربى قصّة مأساتها على طريقتها: «بيّي مريض وأمي ما بتقدر تشتغل لأنو أخواتي الأربعة بعدن صغار»..
وتكمل: «بلّشت اشتغل من سنتين حتى نعيش.. بمسّح قزاز (زجاج) السيارات، وبيعطوني الناس ألف ليرة أو ألفين.. وكل يوم بطلّع شي عشرين ألف، بقسّمهم أنا والمعلّم.. وبروح بجيب أكل للعيلة بالمصاري اللي بيبقوا معي».. «الناس مناح»، حسب رأيها، ولا شكوى لديها سوى من الدرك «اللّي بيطاردونا.. بس نحنا ما منخلّيهم يشوفونا، أوقات منتخبّى حتى ما ياخدونا عالحبس».
«وردة للعروس؟»، يقدمها طارق لأحدهم بإلحاح، ويقرّبها منه بعفويّة حتى يكاد يدخل طرفها في إحدى عينيه.. حسناً، وبعد «رزمة» من الأدعية التي يغدقها على الشخص المقصود، يحصل على النقود وينطلق إلى مكان آخر، مسروراً غير مزهو.. ففي مطلق الأحوال، هناك من سيسلبه ما كسب عندما يعود إلى مضجعه ليلاً.. وذاك الليل كلما قصر طالت معه مدة «القتْلة» التي سينالها بائع الورود إن باع بأقل من المطلوب!.. وعلى أي حال، لا بدّ من أن يتناسى المرء، مرغماً، طفلاً يعيش طفولته في «المنام» ويدخل نهاره برجولة قسريّة!
مروان (9 أعوام) نموذج آخر احترف التسوّل في الشوارع، ويحفظ عن ظهر قلب كل النقاط الاستراتيجية التي يتمتّع أصحابها بالكرم في بيروت، فتجده فيها متنقّلاً بحثاً عن «الرزقة»، متجنّباً «أحياء البخلاء»، بحسب تعبيره.
من إحدى مناطق بيروت، ينطلق مع ساعات الصباح الأولى الباص الصغير، وعلى متنه أكثر من 30 طفلاً وفتى لم تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة، يخيّل للناظر إليه أنه ينقل مواشي لتوزيعها على المسالخ، قبل ذبحها فجراً، لكنك عندما تقترب تكتشف أن «الحمولة» هي عبارة عن أعداد كبيرة من البشر، ذكوراً وإناثاً، يرافقهم بعض الراشدين وكراسٍ متحرّكة وعكّازات وزهور وعقود «غاردينيا»، أي أدوات «النصْب» التي لا غنى عنها.. وبعد دقائق، يترك الراشدون الأطفال الذين أتقنوا عبارات الاستجداء وحفظوها عن ظهر قلب وينسحبون للمراقبة من البعيد.
على مدخل الضاحية الجنوبيّة لبيروت، يرابط رضا (10 سنوات) على تقاطع «المشرّفيّة».. يبيع العلكة ويمارس «مهنة» التسوّل، فيما تواظب شقيقته «هبة» على تنظيف زجاج نوافذ السيارات من دون أن تكلّف خاطرها مشقّة استئذان أصحابها، إذ هي تعرف أن معظم السائقين لا يحبّذون عملها، لكنها تأمل بعطفهم وتكرّمهم عليها بألف ليرة لبنانية، لتضمن رضا «المعلّم» في المساء إذا ما أحسنت تنظيف 15 أو 20 زجاج سيارة في اليوم الواحد.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية عن عدد أطفال الشوارع، فإن «المؤسّسة الإنجيليّة للرعاية الاجتماعية اللبنانية» لديها أكثر من مئة طفل تحت حمايتها، بحسب مدير المؤسّسة جان عتر، والذي أوضح لـ «البيان» أن «25 % من أطفال الشوارع لبنانييّن».. أما رئيس مركز «بيت الرجاء» جان عتر فيقول إنه: «بين عامَي 2004 و2007، كان المركز يستقبل 240 ولداً كل سنة.. ثم انخفض العدد إلى 165 عام 2008».
بيروت ـ «البيان»
