في محاولة لتفسير طبيعة شخصية شواين لاي يحاول المؤلف أن يقدم لنا جانبا من مواقفه التي تشير إلى أنه لم يكن مساندا لماو على الدوام، وإنما كان يحاول مسايرة الأوضاع في الصين آنذاك في حدود الممكن. وعلى ذلك فإن جاو وينكيان يذكر أنه فيما كان لاي رافضا للثورة الثقافية التي أطلقها ماو، إلا أنه لم يعلن عن ذلك صراحة وإنما عمل على تقويضها من الداخل، إذا صح التعبير، وهو الأمر الذي لا يعفيه من المسؤولية في ضوء الآثار الكارثية التي لحقت بالصين جراء هذه الثورة وممارساتها بالغة السلبية.
ونتابع مع المؤلف في هذه الحلقة جانبا من الجهود التي بذلها لاي في سبيل تحقيق رؤيته القائمة على حماية الشعب من عمليات السلب والنهب والقمع التي تعرض لها على يد الحرس الأحمر الذي راح ينفذ أوامر ماو وفق رؤيته دون رادع أو قانون، في ضوء أن الزعيم أعطى الضوء الأخضر لهذه الممارسات. وقد لاحت أول الفرص لشواين لاي لتحقيق هدفه إزاء اتساع نطاق ضحايا الحرس الأحمر.
كان من ضحايا تلك الهجمات مفكر سياسي لامع يدعي زهانج شيزهاو ينحدر من المنطقة التي ولد فيها ماو وهي هونان وكان له علاقات قوية مع الرئيس. وقد كتب إلى ماو يطلب منه المساعدة في وقف ممارسات الحرس الأحمر، وقد وصف زهانج بالتفصيل كيف نهب الحرس بيته. وعندما قرأ ماو هذه الرسالة حولها إلى رئيس الوزراء شواين لاي ودعاه إلى التصرف على الوجه الذي يراه مناسبا وأن يقدم الحماية اللازمة لزهانج. واعتبر لاي الأمر موافقة من ماو على عقاب من قاموا بهذه الأعمال ولم يشأ أن يفوت الفرصة.
وعلى الفور قرر أن يوفر الحماية لزهانج شيزهاو من الحرس الأحمر، كما عمل على إعداد قائمة بآخرين من أعضاء الرابطة الديمقراطية الذين ينبغي حمايتهم ومنهم سونغ كينكلينغ أرملة صن يات صن منشئ الجمهورية الصينية، قائد جيش الوطنيين الذي انشق وانضم لصفوف الشيوعيين وسلم بكين سلميا لهم عام 1949، ولي زونجرين الرئيس الفعلي للجمهورية الصينية في 1949 بعد أن فر تشاي كاي تشيك إلى تايوان والذي سلم الصين إلى الشيوعيين.
حماية المسؤولين السابقين
وقد مد لاي نطاق الحماية لتشمل كذلك الزعماء الحزبيينٍّ والحكوميين. وبمقتضى الإجراءات التي قام بها لاي تم السماح للبعض من هؤلاء بمغادرة منازلهم مؤقتا فيما سمح للبعض الآخر بالذهاب إلى المستشفي والحصول على إجازة مرضية بينما أرسل البعض خارج المدن للتعافي، كما جرى تزويد آخرين بحراس تم إيقافهم أمام منازلهم بأوامر بعدم تعرض الحرس الأحمر لهم.
من بين هؤلاء جميعا فإن سونغ كينغلينغ مثلت مشكلة لشواين لاي. ففي السنوات الأولي للجمهورية الشعبية كانت عضوة غير شيوعية في المؤتمر الشعبي السياسي الصيني وهو غير ذي نفوذ ولكنه يبدو كناصح رمزي أو لجنة تتمتع بتأثير معنوي على قيادة الحزب. وقد أرسل ماو زوجته جيانغ جينغ، لزيارة سونغ في بداية الثورة الثقافية لكي تشرح لها الأبعاد التي على أساسها قرر إطلاق هذه الثورة.
غير أن سونغ لم تتجاهل فقط جيانغ ولكنها انتقدت علنا الحرس الأحمر بسبب الأذى الذي ألحقه بالناس الأبرياء. وقد شعر ماو بالاستياء إزاء هذا الموقف والمعاملة التي رأى أنها سيئة لزوجته وتصل حد الإهانة. كان من نتيجة ذلك أن وجهت زوجة ماو الحرس الأحمر بإلحاق الأذى بسونغ حيث تم الإغارة على منزلها رغم توجيهات شواين لاي. وقد أمروا سونغ العجوز بقص شعر رأسها كما نبشوا قبري والديها في شنغهاي وعبثوا بهما وهو ما أصاب سونغ بصدمة أصيبت على أثرها بالمرض.
تكريم أرملة صن
كان شواين لاي قد طور صداقة قوية مع سونغ على مدى سنوات وهو ما زاد من قلقه وخوفه عليها. وقد كان أيضا تنتابه التخوفات من أن يدخل في تحد مباشر مع جيانغ كينغ التي تعتبر الزعيم الكبير الأنثوي للثورة الثقافية. وعلى ذلك سعى لإقناع سونغ بترك شنغهاي والانتقال إلى بكين من أجل توفير الحماية لها كما دعا السلطات إلى حمايتها وبذل كل طاقته لكف الأذى عنها متسلحا في ذلك بأنها زوجة الزعيم صن يات سين الذي امتدحه ماو بنفسه على دوره في قيام الصين الحديثة.
كما اتخذ لاي خطوة لتوفير وضع أفضل لسونغ عندما أمر حكومة شنغهاي بأن تصلح وتستعيد على الفور ما تم إفساده بالنسبة لقبري والديها وإرسال صور بشكل سريع للقبرين إثر عمليات الإصلاح لإطلاع سونغ عليها. ليس ذلك فقط بل ان لاي استغل حلول الذكرى المئوية لميلاد صن يات سين وأمر بإعادة طبع الأعمال المختارة له كما أصدر الناشر كذلك طبعات جديدة من الأعمال المختارة لسونغ نفسها.
كذلك عمل شواين لاي على أن تكون الأمور تحت السيطرة منذ اللحظة الأولى، حيث سعى بلا كلل لتحسين أيديولوجية الحرس الأحمر وتهدئة لغته وأصدر مجموعة من الأوامر التي تجعل من العمليات التي تتم بمقتضى الثورة الثقافية خفيفة الوطأة على الشعب، ومن ذلك حضهم على ضرورة الحد من عمليات التدمير التي تتم خلال عمليات الإغارة على المنازل.
كما حرص على أن يحضر بنفسه عدد من جلسات المناقشة والمؤتمرات وكذلك على أن يكون قريبا من قيادات الحرس الأحمر ومتابعا لهم. ولم يمل من التأكيد على: «التزموا التزاما صارما بالنظام، حاولوا أن يكون هناك تواصل مع الغالبية وتحاوروا بالكلمات وليس بالعنف».
وإزاء ما رآه من أن الحرس الأحمر كان يسعى لتنفيذ أوامر ماو على نحو يكاد أن يقضي على القيادة حرص على أن يهذب سلوكهم وكان من بين ما قاله للحرس الأحمر أن المرء يجب عليه ألا يطبق دعوة ماو بحرفيتها ويهاجم كل منظمات الدولة والحزب. إنه ليس من المفترض أو المبرر أن يتم ضرب الناس دون تمييز أو أن يتم معاملة القادة كما لو كانوا عناصر سوداء. إن قادة الحكومة والحزب ليسوا كلهم رأسماليين انتهازيين.
جناحا الثورة الثقافية
لقد كان ماو يتابع ويحكم قبضته على مسيرة الثورة الثقافية من خلال ما يمكن وصفه بجناحين الأول عبر المجموعة الثورية المركزية للثورة الثقافية والتي يترأسها شين بودا والذي كان فعليا يقع تحت سيطرة زوجة ماو جيانغ كينغ والثاني هو الحزب المركزي والذي كان يدير أموره شواين لاي وقد بدا الجناحان في حالة تصادم، حيث تتعارض دوما توجهات قادة الجناحين في مواجهة توجهات الطرف الآخر.
وفي ذلك على سبيل المثال كانت جيانغ زوجة ماو حانقة على مواقف شواين لاي وبشكل خاص تجاه سونغ. فعندما وقعت في يدها نسخة من أعمال سونغ كتب عنوانها بخط يد لاي نفسه ألقت بها على الأرض وراحت تدهسها في غيظ، معلنة ضيقها البالغ من أن يقوم لاي بذلك الأمر.
وقد كان ماو نفسه ساخطا كذلك على ما فعله شواين لاي وإن كان بقدر أقل من زوجته، غير أن الموقف بالنسبة له كان يتخذ وضعية مختلفة. فقد كانت التقارير تشير إلى أن الفلاحين والعمال يقومون بهجمات ضد الطلاب الثوريين القائمين على تطبيق الثورة الثقافية وعلى ذلك أصبح مقتنعا بأن الكوادر المحلية ما زالت مخلصة لليو تشاوتشي والذي لا بد أنه أقر الهجمات. أدرك ماو أن ليو لايزال له أتباع في إطار كوادر الحزب والحكومة وعلى ذلك كانت أولويته إزالة هذه الحجر العثرة أمام الثورة كلية.
وسطية مرفوضة
يقول المؤلف في تحديد للسياسة العامة التي يتبعها ماو إنه كان يعود إلى التاريخ لكي يجد الإجابة لديه عما يريده وعلى ذلك فقد تذكر ما اتبعه خلال فترة الأربعينات في موقف مماثل.
وعلى ذلك قرر أن يوجه لليو تهمة اتباع إستراتيجية تخالف خط الحزب الصحيح. وكان ذلك يكفل له انفضاض الآخرين من حوله وإضعاف موقفه. وسط كل ذلك فقد كان شواين لاي يرى أن ذلك قد يعني توسيع نطاق الثورة الثقافية بما يعنيه من تزايد نطاق الهجمات على المدنيين وإطلاق الاتهامات وهو ما يدخل الحركة في حفرة سوداء عميقة لا نهاية لها.
غير أنه وهنا تبدو مشكلة لاي حاول أن يتخذ موقفا وسطا في قضية من الصعب اتخاذ موقف وسط بشأنها فالأمر إما مع أو ضد وفق السياق الذي يشير إليه المؤلف ويبدو هنا حنقه عليه وانتقاده الشديد له، فلاي حسب المؤلف، أمر الكوادر الحزبية بأن تحاول التعاون مع هذا التوجيه من قبل القائد وراح يسوق في ذلك كلاما يبدو لا معنى له يصفه المؤلف بالحديث الأحمق في محاولة لتقديم موقفه.
ومن ذلك مثلا قوله: «إنه من دواعي فخرنا وسعادتنا أن نعيش في مثل هذه الأوقات المفعمة بالنصر وأن نشارك في مثل هذه المعركة الكبرى. وراح يضيف يجب أن نرفع كل صور ماو». والنتيجة التي يخلص إليها المؤلف أنه رغم أن لاي كان ضد الثورة الثقافية على طول الخط فإنه لم يستطع أن يعلن صراحة موقفه وراح يتبع ماو وسياساته.
غير أن المؤلف يوضح أن لاي كان يبدو ملتاعا بشأن الدور المزدوج الذي يلعبه في الثورة الثقافية. وفي ذلك يذكر أن لاي كثيرا ما أشار خلال الثورة الثقافية إلى أنه «ملتزم بأداء واجبه حتى وفاته». وعقب وفاة لاي في 1976 فإن هذه الجملة كثيرا ما جرى الاستشهاد بها باعتبارها التعبير الحقيقي بشأن شخصيته الحقيقية حيث تعكس النزاع الداخلي الذي كان يجري داخله.
فمن ناحية كان يعرف أن ماو يجر الدولة إلى فوضي وكارثة غير مسبوقين ومع ذلك استمر في متابعة موقفه الذي التزم به وهو عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس. من ناحية أخرى فإن ضميره الشخصي كان يحثه على ما يمكنه القيام به من أجل انقاذ الدولة. وعلى ذلك يفسر المؤلف موقفه بأنه ربما جاء في إطار ما قام به وجرى استعراضه في السطور السابقة كان يحاول القيام بما يراه نوع من التوازن النفسي بين نوعين من الالتزامين المتعارضين.
الصفحات: 345 (متوسط)
الكتاب: شواين لاي آخر الثوار المحترمين
تأليف: جاو وينكيان
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرزاق
الناشر: ببليك آفيرز - نيويورك
