نتابع مع المؤلف في هذا الجزء من الكتاب جانبا من تفاصيل الدور الذي لعبه شواين لاي فيما يمكن اعتباره المرحلة التأسيسية للثورة الصينية التي توج ماو بمقتضاها كزعيم للحزب الشيوعي الصيني والبلاد. فإثر الهزيمة المنكرة التي لحقت بقوات الجيش الأحمر على يد قوات الحكومة المركزية بدا أن الأمور تتجه لإنتهاء نفوذ ماو غير أن شواين لاي عمل على إخراجه من هذا الوضع.
لقد جرى عقد اجتماع في حضره كافة القيادات الشيوعية العسكرية والسياسية لمناقشة الهزيمة التي لحقت بقوات الجيش الأحمر وكان الاتجاه إلقاء اللوم على القادة الذين خاضوا العمليات وهم شواين لاي وبو جو ولي دي. في مواجهة هذا الموقف راح شواين لاي يقدم استقالته واضعا مسافة بينه وبين القائدين الآخرين فيما كان يعرف بالترويكا التي قادت المعركة مشيرا إلى أنه كان أحد الأشخاص الذين وضعوا الثورة فوق كل مصالحهم وعلى ذلك منحته القيادة العليا ثقتها فيما تم إزاحة القائدين الآخرين بو جو ولي دي من مناصبهم العسكرية.
يمكن للقارئ استيعاب هذه التطورات في ضوء معرفة طبيعة الأوضاع في الصين في تلك الفترة حيث كانت تسيطر حكومة تشاي كاي تشيك تسيطر على العاصمة بكين وعدد من المناطق المحيطة بها، غير أن بقية الصين حكمها أمراء حرب متنازعون ولم تتعد أراضي الكثير منهم، وفق بعض الروايات، أكثر من بضعة كيلومترات.
وفي المناطق التي كان أمراء الحرب فيها ضعفاء أو منقسمين على أنفسهم أو حيث كانت التربة فقيرة جدا بحيث لا يمكن استدرار أي ربح منها كان ممكنا أن تعيش «المناطق المحررة»، حيث كانت تلك المناطق عبارة عن مناطق جبلية كثيرة يمكن فيها الهروب من حكم المسؤولين وملاك الأراضي المحليين.
ووفق ما تذهب إليه بعض الروايات لتلك الفترة من تاريخ الصين فإن المناطق المحررة التي كانت تتعرض لتهديد القوات الحكومية على نحو قلص منها وأدى إلى ما عرف بالمسيرة الطويلة، وهى المسيرة التي تؤكد المصادر التاريخية أنها لم يجر التخطيط لها، حيث أنه إزاء الهزيمة الكبيرة في الحملة الخامسة لقوات تشاي كاي تشيك التي أشرنا إليها كان الأمل الوحيد لقوات الجيش الأحمر إعادة الاستقرار في منطقة أكثر أمانا.
ولكن كلما تعرضت المسيرة للهجوم المستمر من قوات كاي تشيك كلما اضطرت للتوغل أعمق فاعمق في احراش الصين الغربية. ومع وصول المسيرة الطويلة إلى شانكس بدأ ماو في وضع هدف أخر وهو إقامة جبهة متحدة ضد اليابان وهنا حولت الحرب ضد اليابانيين الحزب الشيوعي إلى قوة قادرة على المنافسة على السلطة.
صلة غامضة
هنا وفي عودة إلى دور شواين لاي يقول المؤلف أنه حتى وفاة ماو في سبتمبر عام 1976 فإن قصة العلاقة التي ربطت بينه وبين شواين لاي كما تطورات في مؤتمر زوناي بقيت من أسرار الدولة، حيث جرى تسجيل وقائع ذلك المؤتمر الحرج في وثيقة تمثل تقريرا ملخصا عن المؤتمر الموسع للمكتب السياسي في مؤتمر زوناي جرى إعداده من قبل شين يون الذي أصبح فيما بعد أحد كبار الاقتصاديين الصينيين وتسجل الوثيقة التغييرات الرئيسية التي أقرها الحزب في المؤتمر ومنها انتخاب ماو على رأس المكتب السياسي. كما كان من بين قرارات المؤتمر كذلك الإبقاء على شواين لاي في المستويات العليا لبنية القيادة.
يذكر المؤلف أن هذا الوضع يعكس الرؤية التي كان شواين لاي يحاول تطبيقها خلال مواجهة الحملات التي شنها تشاي كاي تشيك وتتمثل في أن يكون ماو القائد العسكري مع استعادة سلطته النهائية. كانت تحركات لاي في هذا الخصوص تنطلق من إدراكه، وهو المنطق ذاته الذي كان سائدا في الحزب، أن ماو هو القائد الوحيد للجيش الأحمر الذي يمكن أن يحقق النجاح. لقد كانوا في حاجة إلى حكمة ماو العسكرية غير أنه لم يكن هناك أحد في القيادة يريد أن يعطي ماو مزيد من القوة السياسية .
وكان شواين لاي كذلك يدرك أنه إذا بالفعل تحالف مع الآخرين من منافسي ماو، فإن هذا الأخير، ربما يتمكن من مواجهة هذا التحالف. ويخلص المؤلف إلى القول أن رؤية شواين لاي السياسية العميقة أنقذت الحزب فقد كان يعرف ما كان يقوم به وتحمل اللوم عن مسؤولية الفشل خلال الحملات الخمس منقذا بذلك مرة أخرى وجه الحزب ولكن شواين لاي أيضا حصل على ما كان يريد.. المساعدة في الحفاظ على وضعه وبقائه قريبا من ماوتسي تونغ.
وقد تواصل الأمر حتى اندلاع الثورة في عام 1949، ذلك أنه بحلول عام 1945 كان أكثر من 10% من الصين في أيدي الجيش الأحمر بينما كانت عصابات الحزب الشيوعي تقوم بالعمليات على مساحات أوسع من ذلك بكثير وجاءت الحرب الأهلية التي اندلعت فور الإنتصار على اليابان تمثل تطورا غير متكافئ تماما.
فعلى الرغم من الكميات الضخمة من الأسلحة الأميركية توالت هزائم قوات الحكومة المركزية بشكل مضطرد وهب عشرات الآلاف من جنودها إلى قوات الجيش الأحمر واستمرت الحرب ثلاث سنوات أساسا بسبب المسافات الضخمة التي كان يجب على الجيش الأحمر أن يغطيها. وفي النهاية فإنه مع حلول 1949 اعترف تشاي كاي تشيك بالهزيمة وهرب إلى تايوان وأصبح ماو سيد الصين.
إقصاء شاو تشي
يضعنا المؤلف في جانب من الصراعات التي خاضها ماو تسي تونغ على السلطة بعد ذلك ونجح خلال أغلب مراحلها في إبعاد منافسيه ومنهم ليو شاو تشي والذي اعتبره ماو من منافسيه. وكان تشاوتشي احد الأعضاء الأول في الحزب الشيوعي الصيني، حيث انضم للحزب عام 1921 بعد قليل من تأسيسه. وفي السنوات التالية شغل العديد من المناصب الهامة في الحزب.
وانتخب ليو بعد ذلك نائبا لرئيس لحكومة الشعب المركزية في سبتمبر عام 1949، قبل تأسيس الصين الجديدة مباشرة. وبعد ذلك انتخب رئيسا للجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصين. وفي ابريل 1959، انتخب رئيسا لجمهورية الصين الشعبية. كما عمل ماو على القضاء على المكانة التي كان يحظى بها مساعدي تشاوتشي ومع ذلك فقد كان يدرك أن موقعه في الحزب ما زال ضعيفا.
كان ماو يخشى حسبما يذكر المؤلف أن ينجح رئيس الدولة في العودة مرة ثانية. حيث كان قد أدار الحزب الشيوعي لسنوات. وكان تأثيره على أعضاء الحزب وفي المناطق والبلديات يشبه شجرة ضخمة متشعبة في مختلف الاتجاهات. وكان من بين الدلائل على ذلك أنه خلال زيارة لليو لأحد المواقع الرسمية في أغسطس عام 1966 ووجه بصور ماو الضخمة غير أن الجماهير راحت تحييه قائلة يحيا ليو تشاوتشي.
وكان هذا النوع من الاستقبال من ذلك الذي يحظي به ماو فقط. وعلى هذا كان تفكير هذا الأخير أنه إذا لم يتحرك بسرعة فقد يستغل ليو الفرصة ويضرب ضربته. ومن هنا فقد ألقى بحمله على الحرس الأحمر وعمل على تدعيمه ليكون سنده في معركة الصراع على السلطة. وكان ذلك بمثابة إطلاق يد الحرس الأحمر في البلاد بناء على موافقة صريحة وتشجيع من ماو.
مصائب الثورة الثقافية
وقد كان التوجيه الصادر لهم من رئيس الحرس لين بياو الذي عينه ماو هو دمروا الأربعة القدامي:« الأفكار القديمة، الثقافات القديمة، التقاليد القديمة، العادات القديمة. وعلى ذلك راح أفراد الحرس وقد كان عدد كبير منهم من الطلبة صغار السن يطيحون في البلاد ويضربون كبار السن وينهبون المنازل ويقصون كل من كان ذي شعر طويل ويحرقون الكتب.
وأصدر ماو أوامره للجيش ومكتب الأمن العام بعدم التدخل على الإطلاق. لقد هاجم أفراد الحرس الأحمر كل شئ في طريقهم وكان من بين أهدافهم الخاصة ما يسمون بالعناصر السوداء في الحزب المحلي والحكومة أو اتباع ليو تشاوتشي. وحيثما وجدت عناصر مؤيدة لليو مارس الحرس الأحمر بشكل تلقائي العنف ضدهم. وقد أدت هذه الحركة العنيفة بالحرس الأحمر إلى توليد مقاومة محلية.
ويكشف ذلك الحقيقة التي يؤكد عليها الكثيرون وتتمثل في ان ما وصف بالثورة الثقافية التي اطلقها ماو إنما كانت جزءا من صراع على السلطة عنيف ودموي داخل الطبقة الحاكمة اعتقل خلاله وسجن فيه الملايين ومات مئات الألوف ونقل ماو الصراع للشوارع لسبب بسيط هو أنه لو تم قصر النزاع على الطبقة الحاكمة لكان خسر المعركة.
كان ذلك التطور الخاص بالحرس الأحمر مصدر قلق كبير بالنسبة لشواين لاي الذي كانت مهامه الرسمية أقرب إلى المهام الروتينية. ورغم أنه صوت بالموافقة على قرار الحزب بإطلاق الثورة الثقافية فإنه كان يعارض بشدة أفعال الحرس الأحمر. وكان لاي يخشي من أنه إذا لم يتم السيطرة على حالة الفوضى فإن الأوضاع في البلاد يمكن أن تخرج تماما عن السيطرة. كان لاي يعرف أيضا أن الفوضي العظيمة كانت سياسة متعمدة من قبل ماو وفي الوقت ذاته يدرك أنه لا يمكنه مراجعة سياسته التي التزمها على مدى طويل بتجنب الصدام مع الرئيس. وعلى هذا قرر أن ينتهز اللحظة ويتصرف بشكل تكتيكي بالغ الدقة.
لقد لاحت تلك الفرصة بشكل سريع ولم يدم الوقت طويلا في انتظارها فخلال حملاته التي شنها الحرس الأحمر كان من بين ضحاياه أفراد من الرابطة الديمقراطية غير الشيوعية الأكبر من بين ما الأحزاب التي تدور في فلك الحزب الشيوعي وعلى الرغم من عدم قوتها فقد كان قد جرى السماح لها بالتواجد كجزء من الجبهة المتحدة للحزب الشيوعي وإستراتيجيته، حيث ساند أعضاء هذه الأحزاب الشيوعيين في الحرب الأهلية التي كانت قد جرت بين 1946 و1949 وساهموا في هزيمة الوطنيين.
الصفحات: 345 (متوسط)
الكتاب: شواين لاي آخر الثوار المحترمين
تأليف: جاو وينكيان
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرزاق
الناشر: ببليك آفيرز - نيويورك - 2009
