كورنيش النيل وخاصة في القاهرة جزء أصيل في حياة البسطاء وخاصة في فصل الصيف عندما ترتفع الحرارة وتزيد معدلات الرطوبة ويصبح الطقس خانقا ولا يطاق فلا يجد سكان القاهرة وخاصة البسطاء منهم سوى كورنيش النيل في ساعات الليل يهرعون إليه يطلبون نسمات الهواء العليل والمنظر الجميل يغسلون عليه هموم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمتاعب النفسية التي يزيد من وطأتها هذا الطقس بالغ السوء، من وجهة نظرهم، ويزيلون متاعب يوم طويل وشاق من العمل.

ففي الوقت الذي يفر القادرون من حر القاهرة إلى المصايف والشواطي المختلفة والممتدة على ساحلي البحرين الأحمر والمتوسط لا يجد البسطاء ومحدودي الدخل أمامهم مفرا من كسر تأثيرات الموجة الحارة سوي باللجوء إلى كورنيش النيل طلبا لنسمات الهواء إما بالجلوس عليه لفترات طويلة أو التمشية خاصة بين الأحبة والمخطوبين والمتزوجين الجدد، أو بركوب المراكب النيلية التي يشتهر بها نيل القاهرة عن أي مكان أخر وما يزيد من جمال نيل القاهرة ويشجع البسطاء للإقبال عليه أنه يمتد لمسافات طويلة بمحازاة مجموعات كبيرة من أكبر وأشهر وأفخم الفنادق والكازينوهات والبواخر النيلية الفخمة والنوادي الشهيرة .

وهو ما يعني أنه استمتاع بالجو الرائع والمناظر الخلابة وتطبيق للمثل الشعبي المصري القائل «من جاور السعيد يسعد» فإذا كان هؤلاء غير قادرين على الإستمتاع بهذه الأماكن الفخمة فليس أقل من أن يشاهدوا الأخرين وهم يستمتعون بها.

الشئ اللافت والأكثر إثارة هو الإقبال الكبير على الكباري المطلة على نهر النيل حيث تتحول الكباري خاصة في فترات المساء إلى مصايف بكل ما تعنية الكلمة من معنى خاصة الكباري العلوية الكبيرة والشهيرة من أمثال كوبري الجامعة وكوبري عباس وكوبري المنيب وكوبري 6 أكتوبر حيث تصطف السيارات على جانبي الكوبري في صفين ولمسافات طويلة للغاية بينما يفترش الأفراد الرصيف بأشكال شتى حيث يقوم بعض الافراد بتقسيم الكوبري وتولي فرشه بالكراسي والترابيزات بينما يفضل البعض الأخر الجلوس على الأرض بإعتبارها أكثر راحة بعد فرشها وهنا وهناك يمارس البعض هوايته المفضلة في صيد السمك.

محمود عبد الجابر (40 عاماً) يقول «نحن حريصون على الإستمتاع كل مساء تقريبا بهذا الجو الجميل هربا من جو الشقق الخانق فهناك فارق كبير بين طبيعة الجو هنا وهذا الهواء الطللق وطبيعة الجو داخل الشقق المغلقة حتي وإن كانت مزودة بأجهزة تكييف ومراوح، كما أن هذه الأماكن تشجع على تنقية الأنفس وتصفية أية خلافات وممارسة الهوايات التي قد تضطرنا ضغوط الحياة اليومية إلى الإبتعاد عنها أو هجرتها مثل صيد السمك والشطرنج ولعب الأطفال بالطائرات الورقية».

ويضيف «أنه ربما قربه من منطقة كورنيش المعادي خاصة وأنه يقطن بمنطقة «أندرية» المتاخمة للمعادي تشجعه باستمرار هو ومجموعة من أصدقائه على إصطحاب كل منهم لأسرته وقضاء فترات الليل على كوبري المنيب لممارسة هوايتهم في صيد الأسماك وتجاذب أطراف الحديث حول أحوال المعيشة والمشاكل التي تواجه كل منهم والتشاور في كيفية مواجهتها والمساعدة التي يمكن أيا منهم أي يقدمها في إطار أسري.

ويعتبر جابر الشلقاني(50 عاماً) بائع شاي على كورنيش النيل الصيف موسم رائج على عكس طوال العام الذي يشهد فيه الكورنيش انكماشا وتراجعاً كبيراً في الإقبال عليه ويقتصر الأمر على بعض الحبيبة وخاصة من طلبة الجامعات على عكس ايام وليالي الصيف التي تشهد إقبالاً كبيراً خاصة من جانب الأسر التي تعتبر الخروج لكورنيش النيل نزهة وفسحة يحاول رب الأسرة الترويح بها عن زوجته وأولاده ولذلك فهو غالبا ما يلبي طلباتهم من المشروبات والمأكولات عوضا لهم عن الذهاب للمصايف.

ويشير إلى أن ليالي الصيف على الكورنيش تشهداقبالا كبيراً سواء في المشروبات المختلفة الساخنة والباردة والمأكولات خاصة حمص الشام والبطاطا أو حتي لبائعي الورود والفل أو المراكب النيلية أو للحنطور وكلها أرزاق، فالجمهور يرفه عن نفسه ويستمتع بمنظر النيل والطقس الجميل والهواء العليل ونحن نحصل على رزق أبنائنا وقوتنا.

القاهرة ـ «البيان»