حسب المؤلف كان هناك شيء واحد واضح في ظل تلك التطورات وهو أن ماو ونيكسون أخذا على عاتقهما هدف المصالحة. ومن الخطوات التي قام بها نيكسون على هذا الصعيد ما أسر به لرئيس باكستان يحيي خان في ذلك الوقت وتشاوشيسكو رئيس رومانيا برغبته في إرسال مبعوث أميركي إلى الصين وكان من بين الدلالات الهامة التي يشير إليها المؤلف كذلك حديثه عن الصين هذه المرة باسمها الرسمي وليس الصين الحمراء كما كان يطلق الأميركيون عليها.
انفتاح أميركي
ورغم ذلك كان تفكير ماو مختلفا بعض الشئ رغم ما بدا من انفتاح أميركي. لقد كان يريد أن يبدو وكأن الصينيين أصحاب اليد العليا وأن الأميركيين هم الذين أتوا إليهم يقرعون أبوابهم طلبا للسلام. كان ماو يعتقد أن تلك هي الطريقة الوحيدة التي تضمن له حفظ ماء الوجه في التراجع عن السياسات العدائية التي كان النظام الشيوعي يعلنها في مواجهة الولايات المتحدة ولضمان تسويق هذا التوجه ـ بالتقارب مع الولايات المتحدة ـ سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي.
وقد كان من بين القضايا التي ألحت الصين على بحثها لتحقيق هدف التقارب مناقشة وضع تايوان التي تقع تحت سيطرة الوطنيين فيما تعلن بكين أنها جزء من أراضيها.
وعلى هذا يشير المؤلف إلى أن زيارة نيكسون للصين وتدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين كان يعتبر النجاح الأساسي الذي حققه شواين لاي خلال حياته. لقد وصل به إلى الذروة على الساحة العالمية وجرى الاعتراف به على الصعيد الدولي كرجل دولة من الطراز الأول. ومع ذلك فإن شواين لاي كان مدركا لدوره كخادم لماو.
وكان من بين المواقف التي تثير الدهشة في هذا الخصوص أنه انتقد بشدة موقف وكالة الأنباء الصينية حين وزعت امتداح الصحافة العالمية لدوره. كان شواين لاي يحرص دوما على أن يكون ماو في الصورة، خاصة في تلك اللحظة التي تعكس انتصاره الشخصي.. في اللحظة التي لم تكن أسهم ماو فيها عالية.
نافذة أمل
وإذا كانت الثورة الثقافية مزقت أوصال البلاد فإن الدبلوماسية الجديدة فتحت نافذة للأمل أمام النظام الشيوعي بقيادة ماو. غير أن الظروف لم تكن مهيأة تماما لذلك التطور فإثر عدد من الأحداث السلبية التي جرت في تلك الفترة ومع اقتراب زيارة نيكسون للصين شعر ماو بوطأة المرض وجراء تأثر مركزه من تبعات الثورة الثقافية فقد رفض تلقي العلاج بشكل أدى إلى دخوله في غيبوبة. كان ذلك التطور فوق ما يمكن أن يتصوره شواين لاي، غير أنه لحسن الحظ، قبل ماو في أواخر يناير وقبل نحو ثلاثة أسابيع من الزيارة التخلي عن موقفه ووافق على تلقي العلاج.
غيبوبة ماو
لقد راح شواين لاي يلح على الأطباء بأن زيارة الرئيس الأميركي قد اقتربت حاثا إياهم على علاج الرئيس والتأكد من أن حالته ستسمح له باستقبال الضيف. وهو ما تحقق بالفعل حيث استقبل ماو نيكسون في وقت متأخر من وصوله يوم 21 فبراير يرافقه هنري كيسنغر وونستون لورد السفير المقبل للولايات المتحدة في بكين. استغرق اللقاء نحو الساعة.
كانت نتيجة الزيارة بيان شنغهاي والذي بمقتضاه اعترفت الولايات المتحدة بالصين. كان البيان من نتاج تفكير شواين لاي الذي حرص على أن يبدو كل طرف وكأنه حقق مكسبا. ومرة أخرى يتم تحجيم دور شواين لاي كخادم حيث يشير دوما لماو.
أنه يعمل بلا تعب، على ما يبدو لنحو 14 أو 15 ساعة يوميا من اجل تحقيق نجاح السيد وفي قيامه بذلك فإن نجمه يأفل. وقد استطاع نيكسون أن يلمس هذه الحقيقة عندما قال أن شواين لاي كان رجلا عظيما من النادر أن نصادف مثله في القرن العشرين ومع ذلك فقد كان عليه ان يعيش في ظل ماو دائما حريص على أن يدع الأضواء تسلط على ماو.
وينتهي المؤلف إلى تقرير نتيجة عجيبة يقول من خلالها أن هناك ما يمكن اعتباره ازدواجية عجيبة نجمت عن سياسة الإمحاء الذاتي من قبل شواين لاي. فقد أصبح مصطلح «دبلوماسية شواين لاي» مصطلحا عالميا بين الصحافيين والمؤرخين ويستخدم لشرح النصر الدبلوماسي الصيني.
ورغم أن نجم شواين لاي يلمع في الأفاق الدولية بفعل دوره في هذا التقارب، فإن النصر الذي عكسه بيان شنغهاي المشترك والذي صدر بين الصين والولايات المتحدة في نهاية زيارة نيكسون وضع اللمسة النهائية لعبقرية شواين لاي ونجوميته كما كان كذلك في الوقت ذاته بمثابة قبلة الموت.
مسيرة الثورة الصينية
من هذا الجانب ينقلنا المؤلف في سياحة أخرى على جانب من حياة شواين لاي ودوره في مسيرة الثورة الصينية خلال مراحلها المبكرة وصولا إلى حقبة الستينات.
وفي هذا الخصوص يذكر المؤلف أن الجيش الأحمر نجح في التصدي في ظل قيادة ماو له لثلاث محاولات من قبل تشاي كاي تشيك لتقويض الثورة الشيوعية وإثر تلك الهزائم المتوالية قرر الأخير الإعداد جيدا لمحاولة رابعة في المناطق المركزية مع الإتحاد السوفييتي متبعا استراتيجية جديدة تتجنب الأخطاء التي وقعت فيها قواته في المرات السابقة. وقد تم إسناد قيادة العمليات للقوات الشيوعية إلى شواين لاي الذي تنقصه الخبرة في هذا المجال إلى حد كبير لقيادة قوات تقدر بنحو نصف مليون جندي.
في تلك الأثناء كاد شواين لاي أن يتعرض لمحنة كبيرة حيث عبر أعضاء المكتب السياسي إثر عودتهم من مؤتمر نينجدو عن شكهم في شواين لاي إلى وانج رجل ستالين في الصين والحليف المخلص لموسكو والذي كان ينافس ماو على زعامة الحزب الشيوعي. لقد راحوا يتهمونه بعدم الإستقرار في مواقفه خلال الصراع السياسي باعتبار ذلك نقطة ضعفه. كان الهدف من ذلك في ظل الصراع الذي كان قائما على السلطة في الحزب الشيوعي الصيني آنذاك هو إحراج لاي والمحاولة بالإشارة إلى ولائه لماو الذي لم يكن قد أحكم قبضته على الأمور بعد.
وردا على ذلك اعترف شواين لاي بأنه بالفعل لا يبدي حماسا لانتقاد ماو لكنه أبدى عدم اتفاقه مع مقولة عدم وضوحه في خطه السياسي. وراح يشرح أسبابه في الحفاظ على ماو قريبا من السياسة العسكرية بدعوى سنوات خبرته في العمل في جبهات القتال واستطاع أن يحوز ثقة قيادة شنغهاي.
وهنا يشار إلى أن الأمور لم تستتب لماو سوى في مرحلة متأخرة من الثورة حيث أنه سبق إبعاده في إطار الصراع داخل الحزب الشيوعي عام 1927 وحرمانه من التصويت بالحزب على يد تشين توسيو والذي أبعد هو ذاته فيما بعد. وقد انتخب ماو فيما بعد ذلك رئيسا للجمهورية السوفييتية الصينية عام 1931 خلال المؤتمر الأول للسوفييت الصينيين.
مواجهة حملات كاي تشيك
المهم أن شواين كسب المعركة السياسية وبقي أمامه كسب المعركة العسكرية مع قوات تشاي كاي تشيك. وقد اتبع لاي سياسة عسكرية خاصة به مخالفا تلك التي تم إقرارها من قبل اللجنة الشيوعية. ووفقا لرؤية ماو وتمكن بالفعل من القضاء على التهديد الذي كانت تمثله قوات كاي تشيك الأمر الذي رفع أسهمه عاليا في السماء وقد منحته اللجنة الشيوعية ميدالية عسكرية هي النجم الأحمر تقديرا على نجاحه.
ومن المفارقات التي يشير إليها المؤلف أن انتصار شواين لاي على الوطنيين يبدو أنه أنهى أي أمل لماو في العودة إلى الدور القيادي لما يعرف كل شخص بأنه مركز قوة الحزب الشيوعي الصيني: الجيش الأحمر. فقد انتهت الحملات الأربع التي شنها كاي تشيك بدعم انتصارات الجيش الأحمر والذي تمكن من الحصول على ذخائر وأسلحة من القوات الحكومية المنسحبة.
في تلك الأثناء حافظ شواين لاي على مسافة بينه وبين ماو وأعطاه في النهاية ظهره وبدأ يحول ولاءه إلى وانغ مينغ وزمرته ولهذا فإن ماو لن يغفر ذلك الموقف لشواين لاي. من جانبه فإن لاي أعرب عن أسفه على أفعاله تجاه الرجل الذي أصبح فيما بعد رئيس الحزب الذي يقود كل الصين.
غير أن الأمور لم تسر على هذا النحو بالنسبة لشواين لاي حيث أنه خلال نحو العام عمل كاي تشيك على تنظيم حملة خامسة استعان خلالها بقوات كبيرة وبضباط ألمان وأوصى هؤلاء بإنشاء خطوط دفاعية محصنة على غرار تحصينات خط ماجينو لقطع الطريق أمام الجيش الأحمر الذي لقي هزيمة منكرة أدت إلى تراجع وضع شواين لاي نظرا للخسائر الكبيرة التي لحقت بالقوات الشيوعية لقد أطاحت هذه المعركة بشواين لاي إزاء الخسائر التي لحقت بالقوات الشيوعية حيث التحق فيما بعد بماو. ومع حلول أكتوبر 1934 اشتدت حدة المعركة إلى أن انتهت، بهزيمة ساحقة للقوات الشيوعية التي خسرت مع يناير 1935 أكثر من خمسين ألفا من عناصرها.
غير أن المؤلف يشير إلى ما يعتبره براعة شواين لاي الذي سيولد النصر ولكن لرئيسه ماو من رحم هذه الهزيمة المريعة التي لحقت بالقوات الشيوعية، ويمهد الطريق أمامه للقيادة، في رد فعل على تنحيته من قبل زعامة الحزب الموالية للسوفييت.
الصفحات: 345 صفحة
الكتاب: شواين لاي آخر الثوار المحترمين
تأليف: جاو وينكيان
عرض ومناقشة : مصطفى عبدالرازق
الناشر: ببليك آفيرز ـ نيويورك
