نستعرض مع المؤلف هنا الجهد الذي قام به شواين لاي على صعيد التقارب مع الولايات المتحدة القطب الرئيسي في العالم آنذاك، وهو الأمر الذي قد يفسر في جانب منه الإحتفاء بشواين لاي في الغرب، على الأقل من خلال هذا الكتاب، الذي يخلد ذكرى الرجل.
ورغم أن الغوص في سيرة لاي من خلال الكتاب تؤكد على مكانته واختلاف نهجه عن فكر ماو إلا أن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته ـ على ما نرى ؟ البعد الخاص بالإشادة بالدور الذي لعبه لاي في محاولة التقارب مع الغرب بشكل عام. ومن خلال بدء الكتاب بهذا الفصل يتبدى لنا الجانب المتعلق بما يمكن اعتباره «تغريب الكتاب» أي جعله مناسبا بشكل أكبر للقارئ الغربي، حيث إنه في نسخته الصينية لم يصدر على هذا الشكل الأمر الذي سنعرض له بالنقاش في نهاية استعراضنا للكتاب. ونتابع مع المؤلف كيف استقبل شواين لاي والشكوك التي كانت تساوره إزاء سطوة ماو وبطشه بمن يخفق في مهامه،. ومن سياق ما يذكره المؤلف يمكن التأكيد على أن لاي كان هو بحق مهندس قضية المصالحة بين الولايات المتحدة والصين. ويبدو ذلك في الكثير من التفاصيل التي يتطرق لها وتكشف عن الملامح الشخصية التي أضفاها لاي وعجلت بالمصالحة.
من خلال تناول جهد لاي في التقريب بين بلاده وبين الولايات المتحدة يعتبر المؤلف أن ذلك الإنجاز الأكبر لرئيس الوزراء الراحل كان يعتبر بمثابة قبلة الموت له على حد تعبيره، الأمر الذي يمكن فهم المغزى الحقيقي له مع متابعة تفاصيل تطورات زيارة نيكسون للصين عام 1972 التي كانت تعتبر تحولا أساسيا على صعيد وضع النظام الدولي القائم آنذاك.
يقدم لنا المؤلف في هذا الصدد رؤية تحليلية داخلية للأبعاد التي دفعت الصين للتقارب مع الولايات المتحدة والأفكار التي دارت في ذهن قيادتها آنذاك ممثلة بشكل رئيسي في فكر ماوتسي تونغ وشواين لاي.
نيكسون في بكين
ففي 21 فبراير 1972 استقبل شواين لاي نيكسون في مطار بكين حيث لم تكن هناك علاقات بين البلدين في مغامرة كان يتحسب لها كثيرا.. أن يستقبل الإمبريالي الأول في العالم. لقد كانت المصالحة قرارا شخصيا من زعيم الحزب الشيوعي الصيني ماوتسي تونغ.
ورغم حقيقة الدور الذي لعبه شواين لاي في هذا الصدد، إلا أنه كان ينتابه قدر كبير من القلق لأن يبدو وكأنه خلف ذلك التوجه في ضوء الحقيقة التي كان يدركها الكثيرون من المقربين من ماو بأن الآخرين يمكن أن يتحملوا ثمنا عاليا للأشياء التي تمضى خطأ. فقد كان ماو معروفا بشكل كبير بشأن تغيير رأيه ومعاقبة أولئك الذين يفشلون في التوافق مع التغييرات التي يحدثها أو يقوم بها. وكان شواين لاي الرجل الذي سهل اللقاء مع نيكسون وكان هو المرشح لأن يكون الضحية حال فشل مثل هذا اللقاء.
وفيما يشير إلى مدى حذره وفي لفتة قد تخفي دلالتها على الكثيرين ويشير المؤلف إلى أنها رغم ذلك تبقى ذات مغزى، يذكر المؤلف أن لاي خلال مأدبة تكريم لنيكسون ليلة وصوله إلى بكين راح يبدي حرصه على أن يكون كأسه في نفس مستوى كأس الضيف قبل أن يقرعهما سويا.في حين أن شواين لاي ـ وفق الدبلوماسية الصينية - كان يبدي حرصه على أن يكون كأسه أقل مستوى من مستوى الضيوف الآخرين في دلالة على الإحترام، غير أنه مع نيكسون لم يكن يريد أن يظهر أنه في موضع الساعي إلى التقارب مع واشنطن، وكذلك لم يرد أن يبدو كمن يتقبل ذلك على مضض وبمعنى آخر.
كان لاي يريد أن يبدو محايدا دون حرص على إظهار ما يمكن أن يفهم أنه نوع من دفء العلاقة أو برودها.. كان يريد أن يبقي مشاعره وموقفه على الحياد. ورغم أن الأمور سارت على نحو أثبت صحة رؤية شواين لاي، غير أن حذره ذاك لم ينفعه من غيرة ماو وطبيعته الإنتقامية.
كفاءة الأداء
فشواين لاي يكاد على مدى عقود من تقاربه وتعامله مع ماو ألا يكون ارتكب خطأ وقد كان ذلك مفتاح نجاحه المستمر وبشكل خاص خلال أوقات الإضطرابات. ولعله مما ساعد لاي على ذلك خبرته الحياتية فكطالب في التمثيل كان يعرف كيف يجيد أداء الدور الذي يقوم به. لقد كان شواين لاي على مدى سنوات يؤدي دورا مهما كـ «خادم» لماو غير ممكن الاستغناء عنه وبشكل كفء.
كان شواين لاي يعرف كيف يصلح ما أفسده ماو أو بتعبير المؤلف إصلاح الأشياء التي كسرها ماو من وقت لآخر. على مستوى من المستويات كان ماو يكره خادمه، والذي كان يعرف بإخلاصه على نحو بدا غير مفهوم، ولعله من هنا يمكن تفسير سلوك ماو ـ وفق المؤلف ـ في انتهاز أية لحظة لإهانة لاي في ضوء معرفته بطبيعته وأنه لن يتمرد عليه بأي حال من الأحوال، وإشعاره في الوقت نفسه بأنه في مرتبة أقل.
ورغم ذلك فإن لاي لم ينل من جانب آخر سوى حسد ماو وحرصه عليه في الوقت ذاته.. لقد كان شواين لاي أستاذا في التكتيك.. الصفة التي على أساسها كرهه ماو، وكذلك الصفة التي من أجلها اعتمد عليه بشكل أكبر من أي أشخاص آخرين. كان لاي يعرف نهج وأسلوب تفكير ماو حتى أنه كان يمكن له أن يدرك ما يفكر فيه في التو واللحظة.
في حديثه عن التقارب الصيني مع واشنطن يبالغ المؤلف في وصفه لدور شواين لاي فيشير إلى أنه حتى أنه قبل أن يستقر تفكير ماو على أنه قد يحتاج إلى لعب الورقة الأميركية وفي ضوء قراءة شواين لاي لهذا التفكير، فإنه بدأ إعداد الطريق لهذه الخطوة.
هنا يستعرض جانبا من الأعمال التي قام بها شواين لاي مبكرا ومنذ عام 1946 فترة التطاحن بين الوطنيين بقيادة تشاي كاي تشيك والشيوعيين بقيادة ماو. كما يستعرض في إطار التمهيد لهذه المصالحة أبعاد العداء بين الولايات المتحدة والصين والتي كانت الحرب الكورية أحد أبرز أسبابها رغم أنها انتهت حسبما يذكر بخسارة كبيرة للطرفين فيما يمكن اعتبارها انتهت بنصر للاتحاد السوفييتي الذي استطاع أن يضرب عصفورين بحجر واحد تمثل في التأثيرات السلبية للحرب على الصين والولايات المتحدة في وقت واحد.
وهنا يشير المؤلف إلى أن العلاقات الصينية السوفييتية بدأت في التدهور خلال حكم نيكيتا خروتشوف ومع نهاية الستينات طال هذا التدهور كل شيء باستثناء العلاقات الرسمية. كما بدأت نزاعات حدودية في الظهور، وهو ما كان يعني أن على الصين أن تعيد صياغة سياستها الخارجية للتكيف مع هذه التطورات. كانت تلك قراءة شواين لاي وكان تصوره أن ماو هو الشخص الوحيد القادر على إحداث ذلك التحول.
وعلى هذا انطلقت فكرة التحرك نحو التقارب مع الولايات المتحدة من أن الصراع الأميركي الروسي يوازي في شدته الصراع السوفييتي الصيني وكانت النتيجة التي خلصا إليها ـ ماو وشواين لاي ـ من ذلك أن حربا تقوم على التحالف بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ضد الصين تعتبر غير واردة، وعلى هذا الأساس أعطى ماو موافقته على لقاء على مستوى السفراء مع الولايات المتحدة في وارسو.
كان تفكير ماو أن الصين في حرب مع الاتحاد السوفييتي وأنه على الولايات المتحدة القيام بالخطوة التالية. كان ينطلق في ذلك من إطلاق الخصوم على قتال بعضهم أو «البرابرة» على «البرابرة الآخرين» حسبما ما قامت عليه استراتيجية الحكام الصينيين القدامى ومن هنا كان اتجاه ماو لإقامة علاقات مع الولايات المتحدة للتعاطي على هذه الخلفية مع الاتحاد السوفييتي.
ومع ذلك يذكر المؤلف أن ذلك لم يكن الدافع الوحيد لماو في تحركه. فقد كان الوقت هو نهاية الستينات وكانت سلبيات الثورة الثقافية التي أطلقها قد بدأت تظهر وكان ماو نجح في القضاء على الموالين للسوفييت في الحزب الشيوعي الصيني ومع ذلك فقد كان يخشى أعداءه. كان يرى إمكانية لغزو سوفييتي للصين ينتهي بعودة كل من أزاحهم عن الطريق وعلى ذلك كان تفكيره بأن يلعب بـ «الورقة الأميركية». وعلى هذا بدأت مظاهر التهدئة بين البلدين.
وقد تواصلت جهود شواين لاي على الصعيد الدبلوماسي من أجل تحقيق هذا الهدف.. لقد راح يلمح للسفير الباكستاني في بكين بأن الولايات المتحدة يجب عليها أن تتخذ خطوات أكثر لتدشين العلاقات مع الصين.
كان لذلك صداه على الجانب الأميركي حيث راح الرئيس نيكسون يعلن أمام الكونجرس في 18 فبراير 1970 في تقرير بشأن السياسة الخارجية بأن الصين تعتبر شعبا عظيما وحيويا.
وهنا يذكر المؤلف أنه من مفارقات الأحداث أن يلعب شواين لاي الذي كان يحظى برفض أميركي دورا حيويا في التقارب بين البلدين. لقد اشتهر لاي بدوره الكبير في محادثات جنيف 1954 التي أنهت الحرب الهندية الصينية. وخلال تلك المحادثات وجه وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس نائبه بعدم مصافحة لاي، غير أن نائبه والتر سميث لم يجد أمامه بد، ليس فقط من مصافحة لاي، بل والربت على يديه بحميمية.
كسر جبل الجليد
وفيما يشير إلى الدور الحيوي الذي لعبه شواين لاي في المصالحة الأميركية الصينية يذكر المؤلف في تركيز على دلالات الأشياء أنه على هذا الصعيد وفيما كانت محادثات وارسو تتواصل خلال اللقاء رقم 136 فإن شواين لاي أمر بتغيير أساسي في وثيقة المفاوضات حيث عبر الصينيون عن «ترحيبهم باستقبال» وفد أميركي.
كان ذلك يعتبر تحولا جوهريا عن الكلمة التي كانت مقترحة والتي كانت تشير إلى أن الصين «ترحب بأن تأخذ في الإعتبار» إتمام تلك الخطوة. لقد راح شواين لاي يقترح أن كلمة تستقبل تعتبر أقل وضوحا وحرارة من الترحيب ولكنها أكثر دلالة من تعبير «تأخذ في الإعتبار». كان هذا التحول في الكلمات يعتبر بمثابة كسر لجبل الجليد بين البلدين، ومن هذه النقطة بدأ الجانبان ـ الولايات المتحدة والصين ـ في التقارب في علاقاتهما الاستراتيجية على أسس جيوسياسية جديدة.
وقد عطل الإنقلاب العسكري الذي وقع في كمبوديا ضد الأمير سيهانوك من تطور العلاقات بين البلدين لمدة عام حيث ساورت الصين شكوكا بشأن نوايا الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا. وبدا ذلك في تعلية ماو نبرته ضد الإمبريالية حيث أمر بتعليق اللقاء رقم 137 بين البلدين في وارسو ودعا لاجتماع جماهيري حاشد شهده نصف مليون شخص في بكين وكانت صرخة الحرب خلاله من قبل ماو فيما عرف «اعلان مايو رقم عشرين» دعا خلاله الجماهير إلى التوحد من أجل محاربة الإمبريالية الأميركية وكلابها. لم يكن أمام شواين لاي وقتها سوى مسايرة ماو في موقفه وإن عمل في الوقت ذاته على الحفاظ على مسار المحادثات الصينية الأميركية قائما بشكل أو بآخر.

