احتفلت ليبيا أمس وسط تنديد دولي بالافراج عن عميل المخابرات الليبية عبدالباسط المقرحي، الذي كان يقضي حكما بالسجن مدى الحياة بتهمة تفجير الطائرة «بان أميركان» فيما يعرف بقضية لوكربي.
ووصل المقرحي إلى مطار أم عتيقة على متن طائرة خاصة برفقة نجل الزعيم الليبي سيف الاسلام القذافي حيث استقبل استقبال الابطال وسط هتافات الترحيب به من قبل مئات الاشخاص ووسط الاغاني الوطنية. وتجمع مئات الليبيين في المطار ملوحين بعلم بلادهم، وقال أحد المتواجدين في المطار ويدعى احمد العجيلي لـ «البيان» أن «الشباب الليبي يرحب اليوم بعودة السجين السياسي عبدالباسط المقرحي».
وكانت بدأت الاحتفالات الشعبية في شوارع طرابلس فور صدور قرار الافراج عن المقرحي لأسباب صحية إذ يعاني من مرحلة متقدمة من سرطان البروستاتا. ووصف السفير الليبي في المغرب وأحد المسؤولين عن ملف لوكربي محمد الزوي، المقرحي بـ «المجاهد الذي قدم تضحية كبيرة من أجل بلاده وعلينا أن نقدره ونبجله مع أولاده». وأضاف الزوي: «نحن سعداء بعودته ونتمنى له الشفاء العاجل ونعتبر ان الافراج عنه هو مكسب لليبيا».
من جهتها، قالت عائشة زوجة المقرحي إن اطلاق سراحه «بعد معاناة استمرت تسع سنوات هو انتصار للحق»، مضيفة أنه «بعد انتظار طويل من الالم والدموع حان للمقرحي أن يقضي ايامه الاخيرة بين أطفاله وعائلته التي هي في أمس الحاجة اليه». كما أعلن سيف الاسلام القذافي في بيان بعيد اطلاق سراح المقرحي أن «الشعب الليبي لن ينسى الموقف الشجاح لحكومتي بريطانيا واسكتلندا».
وقال البيان: «أتوجه إلى أسر الضحايا بالقول إنه على الرغم من تنازل المقرحي عن الاستئناف الا ان ذلك لا يخفي ان هناك الكثير من الادلة والمعطيات والحقائق الجديدة التي تؤكد براءته والتي يمكن ان يتم التوصل اليها يوما ما».
من جهته قال المقرحي في بيان وزعه محاموه إن «هذه المحنة لم تنته بعودتي إلى ليبيا، وربما لن تنتهي إلا عندما أموت». وجدد التأكيد على ذلك واعتبر إدانته «عارا»، وخاطب أقارب الضحايا قائلاً: «أتعاطف معكم بصدق في مصابكم».
تصعيد وتنديد
على الصعيد الدولي حذرت الولايات المتحدة مجدداً امس طرابلس من عواقب دبلوماسية وخيمة اذا لقي عبدالباسط المقرحي استقبال الابطال في طرابلس وهو ما تم فعلاً.
وقال الناطق باسم البيت الابيض روبرت غيبس إن «الصور التي شاهدناها في ليبيا مشينة ومقززة». في اشارة الى صور مئات الناس يلوحون بالاعلام لدى وصول المقرحي الى طرابلس.
وقال غيبس للصحافيين «لقد اتصلنا بالحكومة الليبية، ونواصل مراقبة ما سيفعلونه في الأيام المقبلة بشان هذا الشخص، ونعتبر الفيديو الذي شاهدتموه امس مسيئا للغاية لمن فقدوا عزيزا عليهم في عام 1988». واضاف «نواصل الإعراب عن تعازينا للعائلات التي فقدت اعزاءها جراء هذه الجريمة الارهابية»، محذراً الحكومة الليبي من عواقب دبلوماسية وخيمة، الا ان غيبس رفض الكشف عن اية تفاصيل بشأن تأثير ذلك على العلاقات بين طرابلس وواشنطن في الوقت الراهن.
كما اعتبر وزير خارجية بريطانيا ديفيد ميليباند ان استقبال الابطال الذي لقيه المقرحي في ليبيا «مؤلم جدا» لاسيما بالنسبة لعائلات ضحايا لوكربي. ووصف ميليباند الإيحاءات التي ذكرت بأنه تم الإفراج عن المقرحي لتحسين العلاقات البريطانية الليبية بما فيها مصالح شركات النفط البريطانية الكبرى العاملة في ليبيا بأنها محض «افتراء».
في هذه الأثناء، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أن الخارجية البريطانية تعيد النظر بزيارة مقررة لدوق يورك الأمير أندرو إلى طرابلس مطلع الشهر المقبل بسبب الاستقبال الحافل للمقرحي.
بدوره، اعتبر الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية اريك شوفالييه ان الاستقبال الذي حظي به المقرحي في طرابلس «يجرح» مشاعر عائلات الضحايا.
ليبيا تحتفي بالمقرحي وواشنطن ولندن تحذران من عواقب وخيمة
باطلاق سراح عبدالباسط المقرحي المدان بتنفيذ اعتداء لوكربي العام 1988 وعودته الى بلاده ولو لأسباب صحية، ومع الاعتذارات السويسرية لليبيا بشأن توقيف ابن الزعيم الليبي، تكون الدبلوماسية الليبية حققت نجاحا كبيرا قبل ايام من الاحتفالات في الاول من سبتمبر بالذكرى الـ 40 لوصول الزعيم معمر القذافي الى السلطة.
وتزامن اطلاق سراح المقرحي الخميس وعودته الى ليبيا بعد مسلسل قضائي ودبلوماسي طويل قام به سيف الاسلام نجل الزعيم الليبي، مع زيارة مفاجئة للرئيس السويسري هانس رودولف ميرز إلى طرابلس قدم خلالها اعتذار بلاده إلى الشعب الليبي على توقيف هانيبعل القذافي ابن الزعيم الليبي العام 2008 في سويسرا ما أدى الى توتر العلاقات بين البلدين. واعتبر دبلوماسي غربي أن «ليبيا التي تلوح بعقود تبلغ قيمتها مليارات الدولارات تستطيع ان تفاوض من موقع قوة خصوصا مع الازمة الاقتصادية العالمية الحالية».
وتم الافراج عن هانيبعل وزوجته بعد يومين من التوقيف ودفع كفالة قيمتها نصف مليون فرنك سويسري (312 ألفا و500 يورو). لكن ليبيا اوقفت في اكتوبر 2008 تزويد سويسرا بالنفط وسحبت من المصارف السويسرية مبالغ بقيمة خمسة مليارات يورو وانهت برامج التعاون بين البلدين وفرضت قيودا على الشركات السويسرية.
الا ان الصحف السويسرية كان لها رأي آخر واعتبرت ان اعتذار الرئيس السويسري لليبيا على اعتقال هانيبعل القذافي في يوليو 2008 «أمر مهين» للاتحاد السويسري الذي اضطر الى «الاستسلام» امام الزعيم الليبي والتخلي عن دولة القانون.
وكتبت صحيفة «24 اور» ان هذا الاعتراف بالذنب «انتهى بالاستهزاء» بدولة القانون السويسرية وهو ما ايدتها فيه «نيفي زيوريخ تسايتونغ». وكتبت الصحيفة الصادرة بالالمانية ان «سويسرا اعتذرت لزعيم الثورة الليبية على ان الكل سواسية امام القانون في جنيف» واعتبرتها «جرعة مرة» لكنها اعتبرت ان الامر كان «شرا لابد منه» للحصول على اطلاق سراح السويسريين.
من جانبها، ذكرت «لو تان» ايضا انه رغم هذه الاعتذارات غير المتوقعة فان ليبيا لم ترفع تماما الضغوط عن سويسرا. وكان الرئيس السويسري قال الخميس إنه حقق الهدفين اللذين اراد تحقيقهما من هذه الزيارة وهما تسوية «مسألة هانيبعل» واعادة الشركات السويسرية إلى السوق الليبية.
وأضاف رودولف ميرز: «اليوم نفذت مهمتي وحققت اهدافي وهي طي صفحة العام الماضي وفتح الطريق امام الشركات السويسرية للعودة إلى السوق الليبية». والآن، وبعد سنوات من العزلة الدولية على ليبيا يستطيع الزعيم الليبي الذي يترأس حاليا الاتحاد الافريقي ان يحتفل وهو مكلل بالانتصارات الدبلوماسية، بالذكرى الاربعين لوصوله الى الحكم قبل توجهه المنتظر الى نيويورك في سبتمبر المقبل للمشاركة في اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة التي تترأسها ليبيا في الوقت الحاضر.
طرابلس ـ سعيد فرحات والوكالات
