هو شاهد «عتيق» على الوجود التاريخي للطائفة اليهودية في لبنان، وربّما على ماضي «وادي أبو جميل» الذي «أربحته» الحرب الأهليّة تسميات كثيرة بعدما غادره سكّانه اليهود وطواهم النسيان، ولم يتبقَّ منهم، في أبنيته العتيقة المسجّلة على لائحة الهدم، حالياً، سوى ليزا خضرا، أو ليزا حدّاد، كما تطلق على نفسها، وصدى عبارة واحدة قالتها يوماً ولا تزال الألسن تتناقلها: «عندما أتى آرييل شارون إلى بيروت، عرِضت عليّ الهويّة الإسرائيليّة، لكنني رفضتها.. لست ولن أكون إسرائيليّة أبداً»!

وكما رفضت ليزا (85 عاماً) أن تكون إسرائيليّة، واختارت أن تتقاسم هموم العيش مع القطط الأليفة التي يعجّ بها منزلها، رفض كنيس «ماغن إبراهام» أن يغادر مكانه في محاذاة السراي الحكوميّة، ليبقى آخر المعالم اليهودية المتبقيّة في لبنان.

عمليات الهدم لحقت بمعظم المباني المحيطة به، ضمن إطار «المحافظة على الطابع الهندسي التقليدي»، وفق مفردات شركة «سوليدير» التي تدير مشروع وسط بيروت، حيث ستستبدل المباني المهدّمة بمبانٍ أخرى «تشبهها»، على أن تحمل من حيث المبدأ الطابع الهندسي نفسه. لكن الفارق الوحيد سيكون باستبدال تسمية «وادي أبو جميل» (نسبة إلى شخص يهودي كان يلقَّب بأبي جميل مزراحي، وكان يمتلك نصف عقارات المنطقة ويساعد الكثير من أبناء طائفته)، كما «وادي اليهود» (تسميته قبل عام 1948)، ب«وادي ريزيدانس».

ومهما تكن التسميّات، فإن ذاكرة ماضي الوادي القائم في وسط بيروت لا تزال محتفظة، اليوم، بالكنيس الرئيسي لليهود في لبنان، وأكبر الكنس اليهودية في الشرق الأوسط، أي كنيس «ماغن إبراهام»، الذي تنشط حالياً ورشة ترميمه وإعادة إعماره، بعدما أزيل سقفه المتداعي، لترتفع مكانه السقالات من أجل تجديد المعبد من الداخل والخارج.

وإذا كانت هذه الورشة بدأت، بعد ثلاثة أعوام من التأجيل، لعدم توافر الأموال اللازمة، فإن مصادر شركة «سوليدير» أشارت ل»البيان» إلى أن هذا الكنيس هو من «أبنية بيروت الدينيّة»، والى أن ترميمه يهدف إلى «إبقاء قلب بيروت رمزاً لتلاقي جميع اللبنانيين من مختلف الأديان والطوائف والمذاهب»، رامية مسؤولية دفع التكاليف على عاتق الوقف اليهودي غير الموجود على الأراضي اللبنانية، على أن تتكفّل «سوليدير» ب10 % من كلفة الورشة التي تنفّذها هي، والتي تبلغ نحو مليون دولار.

. وذلك، وفقاً للقانون الذي يلزمها بذلك حيال الطوائف اللبنانية (ومنها الطائفة اليهودية المعترَف بها في الدستور اللبناني منذ عام 1926، والتي تسمّى بالطائفة الإسرائيليّة، من ضمن الطوائف اللبنانية ال17 قديماً، والـ ـ 18 حالياً بعد انضمام طائفة الأقباط إليها) التي تريد ترميم مراكزها الدينية، والتي تتوزّع في الوسط التجاري للعاصمة على الشكل التالي: 11 كنيسة، 10 مساجد وكنيس واحد..

وبعيداً عن لغة الأرقام، فإن تاريخ بناء كنيس «ماغن إبراهام»، والذي سميّ على إسم بانيه التاجر الكبير إبراهيم ساسون، يعود إلى عام 1926، حين كان عدد اليهود في لبنان يقارب ال30 ألفاً قبل تقلّص عددهم إلى ال17 ألفاً في الستينات ووصوله حالياً إلى بضع عشرات، وفق التقديرات الرسمية..

وفي انتظار «الجدل» الذي ستحدثه عودة نجمة داوود إلى وسط بيروت من بوّابة كنيس «ماغن إبراهام»، قبل البدء بترميم المقبرة الكائنة بالقرب منه والتي تضمّ رفات أكثر من 4500 يهودي، يبقى السؤال معلّقاً إلى أجل غير مسمّى: أي «رسالة» يريد يهود لبنان أن يبعثوا بها إلى من يعنيهم الأمر، وخصوصاً أن لبنان بالنسبة إليهم «أكثر من بلد.. إنه رسالة»، وفق العبارة التي يطالعنا به موقعهم على الإنترنت؟

لبنان ـ «البيان»